(٣٠)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿كَمَا كُتِبَ﴾ القصد بقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] وبقوله: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] تسهيلُ الصيام على المسلمين، وكأنه اعتذارٌ عن كتْبِه عليهم، ومُلاطفةٌ جميلة) (^١).
قول ابن جزيٍّ: (وكأنه اعتذارٌ عن كتْبِه عليهم)، فيه نسبة الاعتذار إلى الله، ومعنى كلامه أن الله أخبر المؤمنين أنه كتب الصيام على من قبلهم اعتذارا منه إلى المؤمنين عن كتب الصيام عليهم، وفي نسبة الاعتذار إلى الله نظر؛ فإنه لم يرد نسبة الاعتذار إلى الله في شيء من نصوص الكتاب والسنة، وإنما الذي ورد الإعذار، أي: إزالة العذر، وذلك بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين، كما قال ﷺ: «لا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين» (^٢) وبإمهال العبد في عمره إلى أمد يمكنه فيه التدارك، كما في الحديث: «أعذر الله إلى امرئ أخَّر أجله، حتى بلغه ستين سنة» (^٣)، فلا حجة للعباد على الله، وقد أقام الحجة عليهم بإرسال
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٤٠٣).
(٢) أخرجه البخاري (٧٤١٦) عن سعد بن عبادة ﵁، ولمسلم (١٤٩٩)، (٢٧٦٠) نحوه عن المغيرة بن شعبة، وابن مسعود ﵄.
(٣) أخرجه البخاري (٦٤١٩) عن أبي هريرة ﵁.
[ ٧٨ ]
الرسل وبالإمهال، قال تعالى: ﴿رُّسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]، فلا عذر لمن كفر بالله وعصى رسله بعد إعذار الله إليهم.
والاعتذار إنما يكون من الأدنى إلى الأعلى، فالواجب على العباد أن يعتذروا إلى ربهم بالاعتراف والتوبة من ذنوبهم، لا أن يعتذر الله إليهم بما فعله بهم؛ إذْ لم يفعل بهم إلا ما له فعله؛ لأنهم عبيده، كما قال عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨]، وهو سبحانه بصير بهم، كما قال: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِير (٢٧)﴾ [الشورى]، وليس لأحد أن يقول: لمَ فعلتَ كذا يا ربَّنا، ولم شرعتَ كذا، على وجه الاعتراض، قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون (٢٣)﴾ [الأنبياء].
* * * *
[ ٧٩ ]