(٣٢)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]:
(﴿يَأْتِيَهُمُ اللّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠]:
تأويلُهُ عند المتأوِّلين: يَأْتِيَهم عذابُ اللهِ في الآخِرة، أو أمرُهُ في الدنيا.
وهي عند السلفِ الصالحِ ومَن تَبِعَهم: مِنْ المتشابِه؛ فيجبُ الإيمانُ بها مِنْ غيرِ تكييف.
ويَحتمِلُ ألَّا تكونَ مِنْ المتشابِه؛ لأنَّ قولَه: ﴿يَنْظُرُونَ﴾، بمعنى: يَطْلُبُونَ ذلك بجَهْلِهم؛ كقولِهم: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللّهُ﴾ [البقرة: ١١٨].
﴿فِي ظُلَلٍ﴾ [البقرة: ٢١٠]: جمعُ ظُلَّة؛ وهي: ما عَلَاكَ مِنْ فوق؛ فإنْ كان ذلك لأمرِ الله، فلا إشكال، وإنْ كان لله، فهو مِنْ المتشابِه) (^١).
قولُه: (﴿يَأْتِيَهُمُ اللّهُ﴾، تأويلُهُ عند المتأوِّلين: يَأْتِيَهم عذابُ اللهِ في الآخِرة، أو أمرُهُ في الدنيا …)، إلخ:
ذكَرَ في معنى قولِهِ تعالى: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللّهُ﴾ قولَيْن:
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٤٢٧).
[ ٨٢ ]
الأوَّل: تفسيرُ أهل التأويل؛ بما ذكَرَهُ مِنْ عذابِ اللهِ في الآخِرة، أو أمرِهِ في الدنيا؛ وهذه طريقةُ أهلِ التأويلِ مِنْ نفاةِ الصفات (^١).
الثاني: تفسيرُ أهل التفويض: أنَّ الآيةَ مِنْ المتشابِه، والمتشابِهُ عند المؤلِّفِ وأمثالِهِ: ما لا يَعْلَمُ معناه إلا اللهُ، وزَعْمَ ابنُ جُزَيٍّ أنَّ هذا هو مذهبُ السلفِ ومَن تَبِعَهم، ونسبةُ هذا إلى السلفِ باطلةٌ؛ فهذه الآيةُ وأمثالُها مِنْ نصوصِ الصفاتِ عند السلفِ مفهومةُ المعنى، وهم يُثبِتون ما دلَّت عليه مِنْ الصفاتِ والأفعال (^٢).
ولكنَّ قولَ المؤلِّف: (فيجبُ الإيمانُ بها مِنْ غيرِ تكييفٍ)، كلامٌ حقٌّ يُشبِهُ ما جاء عن السلفِ في نصوصِ الصفات: «أَمِرُّوها كما جاءَتْ مِنْ غيرِ كَيْفٍ» (^٣)، لكنْ يكون في كلامِ المؤلِّفِ نوعُ تناقُض:
_________________
(١) ينظر: «أساس التقديس» للرازي (ص ١٣٥)، و«إيضاح الدليل» لابن جماعة (ص ١٤٧)، وينظر: الرد على تحريفهم لدلالة الآية في: «نقض الدارمي» (١/ ٣٣٨)، و«بيان تلبيس الجهمية» (٧/ ٧٨)، و«مجموع الفتاوى» (٥/ ٣٦٩)، و«مختصر الصواعق» (١/ ٢٩) و(٣/ ٨٥٦) و(٣/ ١١١٧).
(٢) ينظر: «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩)، و«بيان تلبيس الجهمية» (٨/ ٢١٥)، و«القاعدة المراكشية» (ص ٢٩)، و«التدمرية» مع شرح شيخنا (ص ١٨٠)، والحموية (ص ١٨٨)، و«علاقة الإثبات والتفويض» لرضا نعسان، و«مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات» لأحمد بن عبد الرحمن القاضي، و«مقالة التفويض» لمحمد آل خضير.
(٣) أخرج هذه الآثار عن السلف: الخلال في «السنة» (١/ ٢٥٩، رقم ٣١٣) بإسناده عن الوليد بن مسلم، قال: سألت سفيان، والأوزاعي، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث؟ فقالوا: «نُمِرُّها كما جاءت». وقال في موضع آخر (١/ ٢٤٦، رقم ٢٨٣): حدثنا أبو بكر المروذي، ﵀ قال: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات، والرؤية، والإسراء، وقصة العرش، فصححها أبو عبد الله، وقال: «قد تلقتها العلماء بالقبول، نسلم الأخبار كما جاءت». وينظر: «الحموية» (ص ٢٩٦)، و«مجموع الفتاوى» (٤/ ١٨٦).
[ ٨٣ ]
فجَعْلُها مِنْ المتشابِهِ يقتضي عدَمَ الفهمِ لمعناها.
وقولُهُ: (يجبُ الإيمانُ بها مِنْ غيرِ تكييف) يقتضي فهمَها وإثباتَ معناها (^١).
ففي تقريرِه لما زعَمَ أنه مذهَبُ السلفِ اضطرابٌ.
وفي كلامِهِ ﵀ عن الآيةِ اضطرابٌ آخَر؛ فبينما يتعلَّقُ الكلامُ في: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللّهُ﴾، يَنتقِلُ إلى أن يكونَ متعلِّقًا بقوله: ﴿يَنْظُرُونَ﴾؛ وذلك في قولِه: (ويَحتمِلُ ألَّا تكونَ مِنْ المتشابِه)، ثم يفسِّر: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ ب: «يَطْلُبون».
والمعروفُ في اللغة والتفسيرِ: أنَّ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ المتعدِّيَ، معناه: يَنتظِرون (^٢)؛ كقولِه: ﴿يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، وفي هذا تهديدٌ للمكذِّبين.
والصوابُ: أنَّ الآية تَدُلُّ على أنَّ اللهَ يأتي يومَ القيامةِ كيف شاء؛ كما قال: ﴿وَجَاء رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢].
وقولُ المؤلِّف: (فإنْ كان ذلك لأمرِ اللهِ، فلا إشكال، وإنْ كان لله، فهو مِنْ المتشابِه)؛ يريدُ به:
_________________
(١) «لأنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم من اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات. وأيضًا: فإن من ينفي الصفات الخبرية أو الصفات مطلقًا لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فمن قال: إن الله ﷾ ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف». «الحموية» (ص ٣٠٦).
(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (١٠/ ٢٤٠).
[ ٨٤ ]
- إنْ كان معنى ﴿يَأْتِيَهُمُ اللّهُ﴾: يَأْتِيَهُمْ أمرُ الله، فلا إشكالَ في إتيانِ أمرِ اللهِ في الظُّلَلِ.
- وإنْ كان معنى ﴿يَأْتِيَهُمُ اللّهُ﴾: يَأْتِيَهُمُ اللهُ نفسُهُ، فهو مِنْ المتشابِه؛ لأنَّ اللهَ نفسَهُ لا يأتي في الظُّلَلِ مِنْ الغمامِ؛ لأن الظُّلَلَ مخلوقةٌ؛ واللهُ - سبحانه - لا يحيطُ به المخلوق.
لعل هذا مرادَهُ ﵀؛ والصوابُ: أنَّ الآية تَدُلُّ على أنَّ اللهَ يأتي يومَ القيامةِ كيف شاء؛ كما قال: ﴿وَجَاء رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]، ويكونُ معنى قولِه: ﴿فِي ظُلَلٍ﴾؛ أي: مع ظُلَلٍ؛ ف «في» - على هذا - بمعنى: «مَعَ»، لا بمعنى «في» التي للظرفيَّة؛ كما يقتضيه كلام المؤلِّف (^١)؛ وهذا مِنْ أحسَنِ ما عُبِّر به عن معنى «في» في قولِه: ﴿فِي ظُلَلٍ﴾؛ وبذلك يَتَّجِهُ معنى الآية، ويزولُ ما يُتوهَّمُ فيها مِنْ إشكالٍ أو تشابُه.
* * * *
_________________
(١) ينظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٦٠٨).
[ ٨٥ ]