(٣٦)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم﴾ [البقرة: ٢٦٤] عقيدة أهل السنة: أن السيئات لا تُبطِل الحسنات؛ فقالوا في هذه الآية: إنَّ الصدقة التي يَعلم الله مِنْ صاحبها أنه يمُنُّ أو يؤذي لا تقبل منه) (^١).
قوله: (السيئات لا تُبطِل الحسنات) فيه نظر؛ فنقول: دل القرآن على أن من السيئات ما يُحبط الحسنات، أي: يبطلها، فلا تقبل ولا يثاب عليها، وأعظم ذلك الردة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال ﷾ في مخاطبة المؤمنين للنبي ﷺ: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُون (٢)﴾ [الحجرات]، وتأويل المؤلف قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ بأن من علم الله أنه يمُن بصدقته أو يؤذي فإنه لا يقبل صدقته من أول الأمر= لا يخلِّص مما فرَّ منه، بل يتضمَّن معاني فاسدة؛ منها: تقدم الأثر على المؤثِّر، والمسبَّب على السبب، ومنها: أن الله لا يقبل عمل العبد قبل أن يكون منه السبب المانع من قبول عمله.
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٤٨٤).
[ ٩١ ]
وعليه: فمن علم الله أنه يرتدُّ فإن الله لا يقبل عمله قبل أن تقع منه الردة. ومن علم الله أنه يمُن أو يؤذي في صدقته فإن الله لا يقبل صدقته من أول الأمر قبل أن يمُن أو يؤذي، وهذا خلاف ما فهمه السلف، وهو أن الله يقبل صدقة العبد المتصدق، فيستحق عليها الثواب، فإذا منَّ وآذى بطل عمله، وفات ثوابه، وقد ضُرب لذلك المثل الثالث في الآيات في قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾، وبهذا يتبيَّن خطأ المؤلف في تأويله.
ويظهر لي أن ما ذكره من التأويل مبنيٌّ على القول بأن أفعاله تعالى قديمة، فمن علم الله أنه يؤمن ويموت على الإيمان لم يزل الله راضيًا عنه حتى في حال كفره، ومن علم أنه يكفر ويموت على الكفر لم يزل الله ساخطًا عليه حتى في حال إيمانه، كما هو مذهب الكلابية (^١) والأشاعرة، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، وهو أن أفعاله تعالى تابعة لمشيئته، والرضا والغضب من أفعاله، فيرضى إذا شاء، ويغضب إذا شاء، ولرضاه وغضبه أسباب، هي بمشيئته تعالى، فمن قام به سبب الرضا ﵁، ومن قام به سبب الغضب غضب الله عليه، ومعنى هذا أنه تعالى قد يرضى عن العبد ثم يسخط، وقد
_________________
(١) سيأتي التعريف بهم في التعليق (٩٢).
[ ٩٢ ]
يسخط عن العبد ثم يرضى، بحسب ما يقوم به من أسباب ذلك، وأدلة هذا الأصل مبيَّنة في كتب العقائد (^١).
_________________
(١) ينظر: هامش التعليق رقم (١١).
[ ٩٣ ]