(٤٤)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿مَا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] المعنى: أيُّ حاجةٍ أو منفعة لله بعذابكم وهو الغنيُّ عنكم!
وقدَّم الشكر على الإيمان؛ لأنَّ العبد ينظر إلى النعم فيَشكر عليها ثم يؤمن بالمنعِم، فكأنَّ الشكر سببٌ للإيمان متقدِّمٌ عليه) (^١).
قوله: (أيُّ حاجةٍ أو منفعة لله) إلخ: ما قاله ﵀ في تفسير هذه الجملة الإنشائية ﴿مَا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ = قول صحيح، وهو معنى ما ذكره ابن جرير (^٢)، ولكن هذا التفسير يحتاج إلى إيضاح؛ ويحصل ذلك بمعرفة أن الخطاب للمنافقين كما يقتضيه السياق، وقد توعدهم الله في أول الآية بالدرك الأسفل من النار، ثم استثنى الذين تابوا واعتصموا بالله، وأخلصوا دينهم لله، فهؤلاء ناجون مع المؤمنين، ومأجورون أجرًا عظيمًا، ثم أكد نفي العذاب عن التائبين؛ لأنه تعالى لا يعذب من يعذبه إلا جزاء على السيئات، فمن شكر وآمن فلا يعذبه؛ لعدم قيام سبب العذاب به، فلا يعذب أحدًا بغير ذنب، ومعنى ذلك أنه
_________________
(١) «التسهيل» (٢/ ١٢٥).
(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (٧/ ٦٢٣ - ٦٢٤).
[ ١٠٩ ]
لا يعذب أحدًا لحاجته إلى التعذيب، أو لمنفعة تعود إليه تعالى، كلَّا؛ فذلك ممتنع؛ لكمال عدله وكمال غناه.
وأما ما علَّل به تقديم الشكر على الإيمان من أن الشكر وسيلة إلى الإيمان، فالظاهر العكس؛ فإن الإيمان بالله ورسله أعظمُ باعث على الشكر، وحينئذ فيمكن أن يقال في تقديم الشكر على الإيمان وإن كان ثمرة للإيمان: فإنه يتضمن درجة الكمال من الإيمان، وكمال الإيمان أعلى من مطلق الإيمان، ويؤيد هذا التوجيه قوله تعالى في نوح ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ [الإسراء]، وقوله ﷺ: «أفلا أكون عبدا شكورًا» (^١)، فجعل ﷺ الشكر غاية مطلوبه (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٣٠)، ومسلم (٢٨١٩) عن المغيرة بن شعبة ﵁.
(٢) ينظر علو منزلة الشكر في: «مدارج السالكين» (٢/ ٢٣٢ - ٢٣٤).
[ ١١٠ ]