(٥٤)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(واعلم أن الخوف على ثلاث درجات:
الأولى: أن يكون ضعيفًا يخطُر على القلب، ولا يؤثِّر في الباطن ولا في الظاهر، فوجود هذا كالعدم.
والثانية: أن يكون قويًّا فيوقظ العبد من الغفلة، ويحمله على الاستقامة.
والثالثة: أن يشتدَّ حتى يبلغ إلى القنوط واليأس، وهذا لا يجوز، وخير الأمور أوسطها.
* والناس في الخوف على ثلاث مقامات:
فخوف العامة: من الذنوب.
وخوف الخاصة: من الخاتمة.
وخوف خاصة الخاصة: من السَّابقة؛ فإن الخاتمة مبنيَّةٌ عليها.
* والرجاء على ثلاث درجات:
الأولى: رجاء رحمة الله مع التسبُّب فيها بفعل طاعته وترك معصيته؛ فهذا هو الرجاء المحمود.
والثانية: الرجاء مع التفريط والعصيان؛ فهذا غرورٌ.
[ ١٣٣ ]
والثالثة: أن يَقوى الرجاء حتى يبلغ الأمن؛ فهذا حرام.
* والناس في الرجاء على ثلاث مقامات:
فمقام العامة: رجاء ثواب الله.
ومقام الخاصة: رجاء رضوان الله.
ومقام خاصة الخاصة: رجاء لقاء الله حبًّا فيه وشوقًا إليه) (^١).
قوله ﵀: (الخوف على ثلاث درجات) إلخ، الخوف منزلة من منازل الإيمان، ومن أفضل أعمال القلوب، وأصله خوف الله، قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران]، وقال: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢].
وقول المؤلف: إنه على ثلاث درجات: صحيح. وقوله: ضعيف لا يؤثر في الباطن ولا في الظاهر: هو صحيح أيضًا، ولكن قوله: وجوده كعدمه: فيه نظر؛ لأن هذا القدر من الخوف دليلُ الإيمان، وعدمه دليلٌ على عدم الإيمان.
وقوله: (الثانية: أن يكون قويًّا) إلخ: صحيح.
وقوله: (الثالثة: أن يشتدَّ حتى يبلغ إلى القنوط واليأس) إلخ: صحيح، ولكن قوله: (لا يجوز): فيه قصور، بل القنوط من رحمة الله
_________________
(١) «التسهيل» (٢/ ٣٥١ - ٣٥٢).
[ ١٣٤ ]
كبيرة من كبائر الذنوب، وقد يؤول إلى الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُون (٨٧)﴾ [يوسف].
وقول المؤلف: (خير الأمور أوساطها): حقٌّ.
وقوله: (والناس في الخوف على ثلاث مقامات).
في هذا التصنيف نظر؛ فإن تقسيم المؤمنين إلى عامة وخاصة وخاصة الخاصة من مصطلحات الصوفية؛ فجميع المؤمنين يخافون من الذنوب، ومن سوء الخاتمة، ومما سبق به القدر من السعادة والشقاوة، وأصل الخوف هو خوف الله وخوف عذابه، قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] وقال: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، والذنوب لا يعصم منها إلا الله، وما وقع منها فبقدر الله، وأمر الخاتمة إلى الله، فعاد الأمر كلُّه لله، ولا ريب أن المؤمنين متفاضلون في الخوف الواجب، وهو ما تضمَّنته الدرجة الثانية، لا الخوف الضعيف ولا الشديد؛ فأهل هذه الدرجة منهم الكُمَّل، ومنهم المقصِّرون، ومنهم المقتصدون، على حد قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير (٣٢)﴾ [فاطر].
وقوله: (والرجاء على ثلاث درجات) إلخ: الرجاء منزلة من منازل قلوب السائرين إلى الله، وهو طمع في محبوب، وهو مقابل للخوف؛ لأنه حذر من مرهوب، وكلٌّ منهما - أعني الخوف والرجاء - من العبد مطلوب، وقد أثنى الله على الراجين أعظم من ثنائه على الخائفين؛
[ ١٣٥ ]
لأن مبنى الرجاء حسنُ الظن بالله، وقد ورد ذكر الرجاء في القرآن في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم (٢١٨)﴾ [البقرة]، وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف]، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب]، وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء].
وقد جعل المفسِّر الرجاء ثلاث درجات باعتبار ما يُحمد وما يُذم: فالمحمود منها هو الدرجة الأولى، وهو الرجاء مع التصديق بالعمل، والثانية مذمومة؛ لأنه رجاء مع التفريط، فهو رجاء كاذب، وحقيقته التمنِّي، والدرجة الثالثة قال فيها المفسِّر: حرام؛ لأنه متضمِّن لعدم الخوف من الله، وحقيقته الأمن من مكر الله، وهو من كبائر الذنوب، واقتصار المؤلف فيه على مطلق التحريم تقصير.
ثم جعل الناس في الرجاء ثلاثة مقامات، وذلك باعتبار متعلَّق الرجاء عندهم؛ وهي: مقام العامة، ومقام الخاصَّة، ومقام خاصَّة الخاصَّة، وفي هذا التقسيم جرى المؤلف على طريقة الصوفية بذكر الخاصَّة وخاصَّة الخاصَّة، وهو تعبير لا يعرف في كلام السلف من الصحابة والتابعين، وأيضًا: لم يحرر المؤلف متعلَّق الرجاء، ولم يذكر دليله؛ فإنَّ رضا الله ولقاءه - وهما مطلب أهل المقام الثاني والثالث - داخلان في المعنى العام للثواب الذي جعله المؤلف مطلب أهل
[ ١٣٦ ]
المقام الأول، وكأنه خصَّ الثواب بما في الجنة من المطاعم والمشارب والأزواج، والحقُّ أن الثواب لا يختص بذلك.
نعم: بعض الثواب أعلى من بعض، ولهذا قال بعض المحققين من أهل العلم: إن النظر إلى الله تعالى ورضوانه داخل في معنى الجنة التي وعد الله بها المؤمنين؛ لأن كل من دخل الجنة نال رضوان الله، وفاز بلقائه (^١).
وأما الأدلة من القرآن على فضل الرجاء ومتعلَّقه فقد تقدمت الإشارة إليها أول التعليق.
_________________
(١) ينظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٦٢)، (١٠/ ٢٤٠ - ٢٤١)، (٢٨/ ٤٤٣)، و«مختصر الفتاوى المصرية» (ص ١٢٨)، و«مدارج السالكين» (٢/ ٧٩ - ٨٠).
[ ١٣٧ ]