(٥٥)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(واستدلَّ الأشعرية بذلك على أن رؤية الله جائزةٌ عقلًا، وأنها لو كانت محالًا لم يسألها موسى؛ فإن الأنبياء ﵈ يعلمون ما يجوز على الله وما يستحيل عليه) (^١).
قوله: (واستدلَّ الأشعرية بذلك على أن رؤية الله جائزةٌ عقلًا) إلخ: من المعروف أن الأشاعرة يثبتون رؤية المؤمنين لربهم، مع أنهم في حقيقة الأمر لا يثبتون الرؤية التي دلَّت عليها نصوص الكتاب والسنة، بل ولا الرؤية التي يدل عليها العقل؛ إذ يقولون: إنه تعالى يُرى لا في جهة، والحامل لهم على ذلك نفيهم العلو، ومعنى هذا أنه يُرى، لكن لا عن الأيمان، ولا عن الشمال، ولا فوق، فضلا عن التحت، وهذه رؤية لا حقيقة لها في العقل ولا في الشرع، ولهذا ألحقهم بعض أئمة السنة بمن ينفي الرؤية، كالمعتزلة (^٢).
_________________
(١) «التسهيل» (٢/ ٣٨٣).
(٢) ينظر: «بيان تلبيس الجهمية» (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٥) (٤/ ٣٩٩ - ٤٨٠)، و«منهاج السنة» (٢/ ٣٢٥ - ٣٢٩)، و«مجموع الفتاوى» (١٦/ ٨٢ - ٨٦)، و«الصواعق المرسلة» (٤/ ١٣٣١ - ١٣٣٤)، و«شرح الطحاوية» لشيخنا (ص ١١٧).
[ ١٣٨ ]
وقول المفسِّر: إن الأشاعرة استدلوا على جواز الرؤية عقلا بسؤال موسى ﵇ رؤية ربه، فيه تقصير من وجهين:
أحدهما: تخصيص هذا الاستدلال بالأشاعرة؛ فأهل السنة يشاركونهم في ذلك.
الثاني: أن هذه الآية هي الدليل على إثبات الرؤية، ولمثبتي الرؤية من أهل السنة والأشاعرة أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ [القيامة]، وقوله ﷺ: «إنكم سترون ربكم» (^١).
والحق أن المؤمنين يرون ربهم من فوقهم، كما يقتضيه قوله ﷺ: «إنكم سترون ربكم، كما ترون القمر، وكما ترون الشمس صحوا ليس دونها سحاب» (^٢)، وهذا من تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي؛ فرؤية المؤمنين لربهم كرؤية الناس للشمس والقمر من وجوه؛ كعدم الإحاطة، والرؤية من فوق، والوضوح (^٣)؛ لذلك فلا يضامون في رؤيته، ولا يضارُّون، كما جاء في الحديث (^٤). والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣) عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁، وأحاديث الرؤية متواترة، رواها سبعة وعشرون صحابيًّا، ساقها ابن القيم. ينظر: «حادي الأرواح» (٢/ ٦٢٥ - ٦٨٥)، و«نظم المتناثر» (ص ٢٣٨، رقم ٣٠٧).
(٢) أخرجه بنحوه البخاري (٦٥٧٣)، ومسلم (١٨٢) عن أبي هريرة ﵁.
(٣) ينظر: «بغية المرتاد» (ص ٥٢٩)، و«بيان تلبيس الجهمية» (٤/ ٤٣٣)، و«درء التعارض» (١/ ٢٥٢)، و«شرح التدمرية» لشيخنا (ص ٢٧٥)، و«شرح الطحاوية» لشيخنا (ص ١١٦).
(٤) تقدم وهو تمام حديث جرير السابق.
[ ١٣٩ ]