(٦٨)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿قُلْ لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ الآيةَ [الكهف: ١٠٩]؛ إخبارٌ عن اتساعِ عِلْمِ الله تعالى.
و«الكَلِماتُ»: هي المعاني القائمةُ بالنَّفْسِ، وهي المعلوماتُ؛ فمعنى الآيةِ: لو كُتِبَ عِلْمُ اللهِ بمِدَادِ البحرِ، لَنَفِدَ البحرُ، ولم يَنفَدْ علمُ الله، وكذلك: لو جِيءَ ببحرٍ آخَرَ مثلِهِ؛ وذلك لأنَّ البحرَ متناهٍ، وعلمُ اللهِ غيرُ متناهٍ) (^١).
قولُ ابنِ جُزَيٍّ ﵀: (إخبارٌ عن اتساعِ عِلْمِ الله تعالى …) إلخ:
هذا صريحٌ بتأويلِ كلامِ اللهِ بعِلْمِهِ؛ فالآيةُ عند المؤلِّفِ إخبارٌ عن سَعَةِ علمِ الله، لا عن دَوَامِ كَلَامِه، وقد بنى هذا التأويلَ على قولِ الأشاعرةِ في «كلامِ اللهِ»: بأنه معنًى نفسيٌّ غيرُ مسموعٍ منه؛ وذلك في قوله: (والكَلِماتُ: هي المعاني القائمةُ بالنَّفْسِ).
وهذا ظاهرٌ في أنَّ المؤلِّفَ يقرِّرُ القولَ بالمعنى النَّفْسيِّ.
_________________
(١) «التسهيل» (٣/ ٥٨).
[ ١٦٣ ]
وقولُ الأشاعِرةِ في كلامِ اللهِ قولٌ باطِلٌ مناقِضٌ لدَلَالةِ العقلِ والشرع؛ فهو - عندهم - معنًى نفسيٌّ ليس بصوتٍ ولا حرفٍ، واحدٌ لا يتعدَّدُ، قديمٌ لا تتعلَّقُ به مشيئةُ اللهِ (^١).
وهذا خلافُ ما عليه أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ مِنْ السلفِ ومَن تَبِعَهم؛ فكلامُ اللهِ - عند أهل السُّنَّة -: كلامٌ مسموع؛ كما سَمِعَ موسى كلامَ اللهِ مِنْ الله؛ أي: بلا واسطةٍ، وهو متعدِّدٌ، فهو حروفٌ وكلمات، وسُوَرٌ وآيات، وهو سبحانه يتكلَّمُ بما شاء، إذا شاء، كيفَ شاء، متى شاء؛ كما أخبَرَ أنه قالَ ويقول، ونادى وينادي؛ كما دلَّت على ذلك الآيات، والله أعلم (^٢).
_________________
(١) ينظر: «الإنصاف» للباقلاني (ص ٨٠)، و«الإرشاد» للجويني (ص ١٠٢)، و«الاقتصاد» للغزالي (ص ٦٧)، و«غاية المرام» للآمدي (ص ٩٧)، و«المواقف» للإيجي (ص ٢٩٣، ٢٩٤)، و«مجموع الفتاوى» (١٢/ ١٢٠)، و«درء التعارض» (٢/ ١٨)، و«التسعينية» (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٤)، و«شرح حديث النزول» (ص ١٦٩ - ١٧٠)، و«مختصر الصواعق» (٤/ ١٣٠٩).
(٢) ينظر: «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٥٢) و(١٢/ ١٦٣ - ١٧٣) و(١٧/ ١٦٥ - ١٦٦)، و«منهاج السنة» (٥/ ٤١٦)، و«درء التعارض» (٢/ ٢٥٥)، و«شرح الأصبهانية» (ص ٤٥٣)، والنبوات (١/ ٥٩٠)، و«التسعينية» (٢/ ٥٧٤)، و«مختصر الصواعق» (٤/ ١٣١٤)، و«موقف ابن تيمية من الأشاعرة» (٣/ ١٢٥٣).
[ ١٦٤ ]