(٥٣)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]؛ حيثُ وقَع:
حمَلَهُ قومٌ على ظاهِره؛ منهم ابنُ أبي زَيْدٍ (^١) وغيرُه.
وتأوَّلَهُ قومٌ: بمعنى: قصَدَ؛ كقولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [البقرة: ٢٩].
ولو كان كذلك، لقال: ثُمَّ استَوَى إلى العرش.
وتأوَّله الأشعريَّة: أنَّ معنى استَوَى: استَوْلَى بالمُلْكِ والقُدْرةِ.
_________________
(١) هو القيرواني، عالم أهل المغرب، أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني، المالكي، ويقال له: مالك الصغير. وكان أحد من برز في العلم والعمل. قال القاضي عياض: «حاز رئاسة الدين والدنيا، ورحل إليه من الأقطار ونجب أصحابه، وكثر الآخذون عنه، وهو الذي لخص المذهب، وملأ البلاد من تواليفه». ينظر: «ترتيب المدارك وتقريب المسالك» (٦/ ٢١٥)، و«السير» (١٧/ ١٠، رقم ٤). وكلامه الذي أشار إليه المصنف ذكره في مقدِّمة «رسالته» (ص ٤٨٧/ ضمن مجموعة «الردود» للشيخ بكر أبو زيد، وينظر: «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٨٢).
[ ١٢٩ ]
والحَقُّ: الإيمانُ به مِنْ غيرِ تكييفٍ؛ فإنَّ السلامةَ في التسليم، وللهِ دَرُّ الإمامِ مالكِ بنِ أنسٍ في قولِهِ للذي سألَهُ عن ذلك: «الاستواءُ معلوم، والكيفيَّةُ مجهولة، والسؤالُ عن هذا بِدْعة» (^١).
وقد رُوِيَ مثلُ قولِ مالكٍ عن أبي حَنِيفة (^٢)، وجَعْفَرٍ الصادق، والحسَنِ البَصْري (^٣).
ولم يتكلَّم الصحابة ولا التابِعون في معنى الاستواءِ، بل أمسَكُوا عنه؛ ولذلك قال مالك: «السؤالُ عنه بِدْعة») (^٤).
قولُهُ: (﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾؛ حيثُ وقَع …) إلخ:
ذكَرَ فيه مذاهب:
الأوَّل: إجراؤُهُ على ظاهِرِه، ونسَبَهُ لابنِ أبي زَيْدٍ المالكي.
_________________
(١) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» (٧/ ١٣٨) وقال: «وقد روينا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال في قول الله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه] مثل قول مالك هذا سواء».
(٢) ينظر: «الفقه الأبسط» المنسوب لأبي حنيفة (ص ١٣٥)، و«مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٦)، و«بيان تلبيس الجهمية» (١/ ١٩٣)، و«درء التعارض» (٦/ ٢٦٣)، و«اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ١٩٥ - ط عالم الفوائد)، و«العلو» للذهبي (ص ١٣٤)، ورسالة «أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة» للخميّس (ص ٣٠٧).
(٣) وروي كذلك عن أم سلمة، أخرجه اللالكائي في «السنة» رقم (٦٦٣)، ومن طريقه أخرجه ابن قدامة في «إثبات صفة العلو» رقم (٦٧)، وأشار إليه ابن حجر في «الفتح» (١٣/ ٤٠٦)، وشيخ الإسلام في «الفتاوى» (٥/ ٣٦٥)، وأورده الذهبي في «العلو» (ص ٨١) وقال: «فأما عن أم سلمة فلا يصح؛ لأن أبا كنانة ليس بثقة، وأبو عمير لا أعرفه».
(٤) «التسهيل» (٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩).
[ ١٣٠ ]
الثاني: مذهبُ أهلِ التأويل، ومنهم الأشاعِرة، وبعضُهم قال: استَوَى: قصَدَ، وقالتِ الأشاعِرة: استَوَى بالمُلْكِ والقُدْرة (^١).
الثالث: مذهبُ الصحابةِ والأئمَّة، وهو الإيمانُ به مِنْ غيرِ تكييفٍ، وقرَّر هذا القولَ بقوله: «والحَقُّ: الإيمانُ به مِنْ غيرِ تكييفٍ؛ فإنَّ السلامةَ في التسليم».
وكلامُهُ هنا متردِّدٌ بين الإثباتِ مِنْ غيرِ تكييف، وبين التفويض؛ ولذا استشهَدَ بقولِ الإمامِ مالكٍ وغيرِه: «الاستواءُ معلوم، والكيفُ مجهول»، ولكنه قال: «ولم يتكلَّم الصحابة ولا التابِعون في معنى الاستواء، بل أمسَكُوا عنه»، قال: «ولذا قال مالك: والسؤالُ عنه بِدْعة».
ومفهومُ كلامِ المؤلِّف ﵀: أنَّ السؤالَ عن معنى الاستواءِ بِدْعة.
وهذا خطأ؛ فالذي سُئِلَ عنه مالك، وقال: «السؤالُ عنه بِدْعة» هو الكيفيَّة؛ لأنه قال: «الاستواءُ معلوم»؛ أي: معناه، «والكَيْفُ مجهول، والسؤالُ عنه بِدْعة»؛ أي: السؤالُ عن الكَيْف (^٢).
وقد أخطَأَ ابنُ جُزَيٍّ ﵀ أيضًا في زعمِهِ: أنَّ الصحابةَ والتابِعِينَ لم يتكلَّموا في معنى «استَوَى» (^٣).
_________________
(١) ينظر: «مختصر الصواعق» (٣/ ٨٨٨).
(٢) ينظر: «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٨١).
(٣) أورد البخاري في صحيحه (٩/ ١٢٤) قبل حديث (٧٤١٨) «باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ [هود: ٧]، ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم (١٢٩)﴾ [التوبة]. قال: قال أبو العالية: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: «ارتفع»، وقال مجاهد: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ «علا». ووصله الحافظ في «التغليق» (٥/ ٣٤٤). وينظر: «تفسير الطبري» (١/ ٤٥٦)، والقرطبي (٧/ ٢١٩)، و«الأسماء والصفات» للبيهقي (٢/ ٣٠٣)، و«مختصر الصواعق» (٣/ ٩٢٦).
[ ١٣١ ]
والصوابُ: هو إثباتُ الاستواءِ للهِ على العَرْشِ بمعناه المعلومِ - وهو: علا وارتفَعَ - مع نَفْيِ التمثيل، ونفيِ العلمِ بالكيفيَّة.
ومَن يتدبَّرْ كلامَ ابنِ جُزَيٍّ، يُدرِكْ أنه إلى التفويضِ أميَلُ؛ أي: تفويضِ معنى الاستواء، أو هو قولُهُ الذي يقولُ به، والله أعلم.
[ ١٣٢ ]