(٥٩)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]: تسميةٌ للعقوبةِ باسمِ الذَّنْب) (^١).
قولُ ابنِ جُزَيٍّ ﵀: (تسميةٌ للعقوبةِ باسمِ الذَّنْب):
معنى كلامِهِ: أنَّ الله لا يَسْخَرُ حقيقةً بالمنافِقِين، بل هذا مِنْ تسميةِ العقوبةِ باسمِ الذَّنْبِ الذي ارتكَبُوهُ، وهو سُخْرِيَتُهم بالمؤمِنِينَ المتصدِّقين؛ وهذا معنى قولِ بعضهم: هذا مِنْ قَبِيلِ المشاكَلةِ؛ يَعْنُونَ: المشاكَلَةَ اللفظيَّة؛ كما قالوا مثلَ ذلك في المَكْرِ والكَيْدِ والاستهزاءِ والخِدَاع (^٢).
وليس هذا صوابًا، بل الصوابُ: أنَّ اللهَ يمكُرُ حقيقةً بالماكِرِينَ مِنْ الكافِرِينَ والمنافِقين، ويَخدَعُ المخادِعِين، ويَستهزِئُ بالمستهزِئِين، ويسخَرُ بالساخِرِينَ.
_________________
(١) «التسهيل» (٢/ ٥١٢).
(٢) ينظر: «مختصر الصواعق» (٣/ ٧٣٨).
[ ١٤٤ ]
ومِن ذلك: إملاؤُهُ تعالى للكافِرِينَ واستدراجُهم، وإظهارُهُ سبحانه قَبُولَ ما أظهَرَهُ المنافِقُونَ مِنْ الإيمان، فيَحسَبُونَ أنهم خدَعُوا اللهَ بما أظهَرُوهُ مِنْ العمل، وهو تعالى محمودٌ على ذلك؛ لأنه عدلٌ.
ومِن مكرِ اللهِ واستهزائِهِ بالمنافِقِينَ يومَ القيامةِ: أنهم يكونون مع المؤمنين، فيُعْطَوْنَ أنوارًا حتى يظنُّوا أنهم ناجُونَ، وليسوا بناجين؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُّورِكُمْ …﴾ الآياتِ [الحديد: ١٣ - ١٥].
ومِن مكرِ الله بالكافِرِين: ما ذكَرَهُ في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُون (٤٤)﴾ [الأنعام]، والله أعلم.
[ ١٤٥ ]