(٦٢)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد: ٢] ﴿ثُمَّ﴾ هنا لترتيب الأخبار، لا لترتيب وقوع الأمر؛ فإن العرش كان قبل خلق السماوات) (^١).
قوله: (﴿ثُمَّ﴾ هنا لترتيب الأخبار، لا لترتيب وقوع الأمر) إلخ: يفهم من كلامه ﵀ أن الآية لا تدل على أن استواء الله على عرشه كان بعد خلق السماوات والأرض، كما يقتضيه عطف الفعل على الفعل، بل قوله: (فإن العرش كان قبل خلق السماوات) يدل على أنه يذهب إلى أن الاستواء على العرش كان قبل خلق السماوات والأرض، وهذا يقتضي أن الاستواء تابع لوجود العرش، فيلزم من ذلك أنه تعالى لم يزل مستويا على العرش منذ خلقه، وهذا خلاف ظاهر القرآن؛ لأن الأصل في المعطوف ب «ثم» أنه بعد المعطوف عليه، بل هو متراخ عنه، ولا أعلم قائلًا بهذا ممَّن يقتدى به من الأئمة، أعني أنه تعالى لم يزل مستويا على العرش منذ خلقه، بل ولا أعلم من تعرَّض لهذه المسألة
_________________
(١) «التسهيل» (٢/ ٦٦٧).
[ ١٥٠ ]
بنفي ولا إثبات، أي: استواء الله على عرشه قبل خلق السماوات والأرض، لكن ذكر المسألة الشيخ العلامة محمد العثيمين ﵀ في شرح العقيدة الواسطية، واختار التوقف (^١). هذا؛ والذي ينبغي القطع به أن الله بعد خلق السماوات والأرض استوى على عرشه، وما قبل ذلك فيسكت عنه، ولا يتعرض له بنفي ولا إثبات؛ لعدم الدليل على النفي أو الإثبات. والله أعلم.
وبعد: فيزيد المقام إيضاحًا الإجابة عن الأسئلة الآتية: الأول: هل استوى الله على العرش بعد خلق السماوات والأرض؟ الجواب: نعم؛ يقينًا وقطعًا؛ لأن هذا موجبُ خبر الله عن نفسه.
ثانيًا: هل كان الله عند خلق السماوات والأرض مستويا على العرش؟ الجواب: لا؛ لم يكن مستويا على العرش عند خلق السماوات والأرض؛ إذ يمتنع في الكلام أن يقال لمن كان قائما: ثم قام، أو لمن كان قاعدا: ثم قعد، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يدل على إثبات الاستواء بعد خلق السماوات والأرض، وعلى نفيه عند خلق السماوات والأرض، يوضحه أن الله لو كان مستويا على العرش عند خلق السماوات والأرض لم يصح في اللسان أن يقال فيه: ثم استوى على العرش، كما تقدم.
ثالثًا: هل استوى الله على العرش قبل الاستواء الذي أخبر عنه بعد خلق السماوات والأرض؟ الجواب: هذا هو الذي لم يأت فيه بيان، فيجب الإمساك عن القول فيه. الله أعلم.
_________________
(١) «شرح العقيدة الواسطية» (١/ ٣٨٥ - ٣٨٦).
[ ١٥١ ]