(٦١)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢] أي: عبادة غير الله ضلالٌ بعد وضوح الحق.
وتدلُّ الآية على أنه ليس بين الحق والباطل منزلة في علم الاعتقادات؛ إذ الحق فيها في طرف واحد، بخلاف مسائل الفروع) (^١).
قوله: (وتدلُّ الآية على أنه ليس بين الحق والباطل منزلة) إلخ؛ ما قاله ﵀ من دلالة الآية على أنه لا واسطة بين الحق والباطل صحيح، وهو ظاهر الآية، كما قال، فمعنى الآية: فما لم يكن من الحق فهو باطل؛ فالحق والباطل نقيضان، لا يجتمعان ولا يرتفعان؛ فلا يكون الشيء حقًّا باطلًا، ولا يكون لا حقًّا ولا باطلًا، وهذا معنى قول المؤلف: إنه لا واسطة بين الحق والباطل، لكن المؤلف ﵀ قصر الآية على مسائل الاعتقاد دون مسائل الفروع، والصواب أن الآية
_________________
(١) «التسهيل» (٢/ ٥٤٧).
[ ١٤٨ ]
عامة، ولا ريب أن الاختلاف في العقائد اختلاف تضاد، فما خرج عن الحق الذي قام عليه الدليل فهو باطل، وأما الاختلاف في الفروع فهو نوعان: اختلاف تضاد، واختلاف تنوع (^١)؛ فما كان من اختلاف التضاد فيدخل في معنى الآية، مثل من يقول في شيء: هذا حلال، ويقول المخالف: بل هو حرام، فما كان منهما هو الحق فالآخر باطل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلَالُ﴾، ومعلوم أنه لا يمتنع أن يكون الشيء حلالًا حرامًا من وجه واحد، ولا يكون لا حلالًا ولا حرامًا، وعليه فلا يكون المختلفان في اختلاف التضاد مصيبَيْن، ولا يكون كلٌّ منهما مخطئًا؛ لأنه في الأول ينتفي النقيضان، وفي الثاني يجتمع النقيضان، وخلاصة القول أن ما علم أنه الحق بالدليل، فما خالفه فهو باطل ولا بد، وعليه فتبقى الآية على إطلاقها، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلَالُ﴾.
_________________
(١) ينظر نوعا الاختلاف وحكمهما مع ذكر الأمثلة في: «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ١٤٨ - ١٦٥).
[ ١٤٩ ]