(٦٦)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(واختلف العلماء في كيفية الإسراء:
فقال الجمهور: كان بجسد النبي ﷺ وروحه.
وقال قوم: كان بروحه خاصة وكانت رؤيا نوم حقٍّ.
فحجة الجمهور: أنه لو كان منامًا لم تنكره قريش، ولم يكن في ذلك ما يكذِّب به الكفار، ألَا ترى قول أم هانئٍ له: لا تخبرْ بذلك فيكذبَك قومك! (^١).
_________________
(١) أخرجه - بنحوه - أبو يعلي الموصلي في معجمه (١٠)، ومن طريقه الضياء المقدسي في فضائل بيت المقدس (٥٢)، عن محمد بن إسماعيل الوساوسي، قال: حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن أبي صالح مولى أم هانئ، عن أم هانئ قالت: «… أنشدك الله يا ابن عم أن تحدث بهذا قرشيًّا؛ فيكذبك من صدقك». وفي إسناده: محمد بن إسماعيل الوساوسي، قال أحمد بن عمرو البزار الحافظ: «كان يضع الحديث». وقال الدارقطني وغيره: ضعيف. ينظر: «الميزان» (٧٢٢٢).
[ ١٥٧ ]
وحجة من قال: إن الإسراء كان منامًا: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ ﴿الإسراء ٦٠﴾ [الإسراء: ٦٠]، وإنما تقال الرؤيا في المنام، ويقال فيما يُرى بالعين: رؤية، وفي الحديث أنه ﷺ قال: «بينما أنا بين النائم واليقظان ..» وذكَر الإسراء، وقال في آخر الحديث: «فاستيقظت وأنا في المسجد الحرام ..» (^١).
وجمع بعض الناس بين الأدلة فقال: إن الإسراء كان مرتين: إحداهما: بالجسد، والأخرى: بالروح، وأن الإسراء بالجسد كان من مكة إلى بيت المقدس، وهو الذي أنكرته قريش، وأن الإسراء بالروح كان إلى السماوات السبع، ليلة فرضت الصلوات الخمس، ولقي الأنبياء في السماوات) (^٢).
اقتصر المؤلف ﵀ على ذكر اختلاف العلماء في الإسراء؛ هل كان بروحه ﷺ، أو بجسده، أو بروحه وجسده معًا، وهل كان يقظة أو منامًا، وذكر بعض الوجوه من أدلة المختلفين، ولم ينص على الصواب في ذلك، وإن كان يظهر من سياق كلامه أنه يميل إلى أن الإسراء كان بروحه ﷺ وجسده، وأنه كان يقظة لا منامًا،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٥١٧) عن أنس من رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر القاضي، وقال المحققون: إن هذا وهم من شريك، وقد وهم في هذا الحديث في مواضع عدة. ينظر: «صحيح مسلم» (١٦٢)، و«زاد المعاد» (٣/ ٤٢)، و«تفسير ابن كثير» (٥/ ٧)، و«فتح الباري» (١٣/ ٤٨٥)، و«شرح الطحاوية» لشيخنا (ص ١٤٨ - ١٤٩).
(٢) «التسهيل» (٢/ ٧٩١).
[ ١٥٨ ]
وهذا هو الحق، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] والعبد اسم للروح والبدن جميعًا، وحكى المؤلف ﵀ قول من جمع بين الأدلة بأن الإسراء كان مرتين، فكان مرة يقظة ومرة منامًا، وأقره، أي: لم يضعفه، وهو قول ضعيف عند المحققين من أهل العلم؛ إذْ يمتنع في حكمة الله أن يفرض سبحانه الصلوات خمسين على النبي وأمته، ثم يخففها إلى خمس، ثم يفرضها خمسين مرة أخرى، ثم يخففها، وهذا لازم القول بتعدد الإسراء والمعراج. والله أعلم (^١).
_________________
(١) ينظر: «زاد المعاد» (٣/ ٤٠ - ٤٢)، و«فتح الباري» (٧/ ١٩٧ - ١٩٨)، و«شرح الطحاوية» لشيخنا (ص ١٤٧ - ١٥٠).
[ ١٥٩ ]