الصفة الرابعة عشر: العلو والفوقية:
وقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، وقول النبي ﷺ: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك» وقال للجارية: «أين الله؟ قالت: في السماء قال: أعتقها فإنها مؤمنة» رواه مالك بن أنس ومسلم وغيرهما من الأئمة.
وقال النبي ﷺ: «لحصين كم إلها تعبد؟ قال: سبعة. ستة في الأرض وواحدا في السماء. قال: ومن لرهبتك ورغبتك؟ قال: الذي في السماء. قال: فاترك الستة، واعبد الذي في السماء، وأنا أعلمك دعوتين فأسلم وعلمه النبي ﷺ أن يقول: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي»، وفيما نقل من علامات النبي ﷺ وأصحابه في الكتب المتقدمة أنهم يسجدون بالأرض، ويزعمون أن إلههم في السماء.
_________________
(١) (أ) بين دلالة الآية المذكورة والحديث الأول؟ (ب) وكيف يستدل بكلام الجارية؟ (ج) وما معنى قوله: كم إلها تعبد؟ (د) وما المراد برغبته ورهبته.
[ ٨١ ]
(هـ) وبين دلالة الأثر عن الكتب المتقدمة.
(و) وما معنى حرف الجر في قوله: (في السماء)؟
(أ) تفيد الآية والحديث أن الله تعالى في السماء، والمعنى: كيف تأمنون الله الذي في السماء فوقكم ومطلع عليكم، وفي الحديث: توسل إلى الله بكونه الرب، أي: المالك المربي لنا بالنعم، وبكونه في السماء حيث أن صفة العلو تفيد الغلبة والتمكن، ثم مجده تعالى بقوله: "تقدس اسمك"، أي: تنزه، وعظم جلالك، وكبرياؤك، والحديث رواه أبو داود والحاكم والبيهقي والطبراني عن أبي الدرداء في رقية المريض.
(ب) أما حديث الجارية فرواه مسلم وأبو داود والنسائي والإمام مالك وغيرهم، ودلالته واضحة على إثبات صفة العلو لله تعالى فإنه لما قال: "أين الله" فقالت: في السماء، كان اعترافا منها بالله مألوها، وأنه العلي الأعلى، ولما أقرها على ذلك، وشهد لها بالإيمان، دل على أن اعتقاد كون الله في السماء مما يتم به الإيمان.
(ج) أما حديث حصين -وهو والد عمران - فرواه الترمذي والبيهقي وغيرهما، سأله عن عدد الآلهة التي يعبدها وكانوا يسمون كل معبود إلها، لأنهم يألهونه، أي: تألهه قلوبهم، محبة، وخوفا، ورجاء، وكانوا يعترفون بالله ربا وخالقا، فلذلك ذكر حصين أنه يعبد سبعة آلهة، وأن واحدا منها في السماء وهو: الله.
(د) وقوله: "من لرغبتك ورهبتك؟ " الرغبة: قوة الرجاء، والرهبة: شدة الخوف، أي: أيهم الذي تقصده وتهرع إليه عند شدة الخوف من
[ ٨٢ ]
ضرر، أو عند الحاجة إلى شيء مفقود، فاعترف بأن ذلك لله وحده، وكانوا في الشدة ينسون ما يشركون، ويدعون الله مخلصين له الدين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ وقال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ .
ودلالة الحديث في إقراره على أن المعبود للرغبة والرهبة هو الذي في السماء، وفي قوله: اترك الستة واعبد الذي في السماء، أي: اعبد الله وحده، فلما أسلم علمه هذا الدعاء المختصر النافع.
(هـ) وأما الأثر المنقول عن الكتب المتقدمة ففيه: وصف هذه الأمة بأنهم وإن كانوا في الأرض فإنهم يعبدون الله الذي هو فوقهم في السماء، فدلالته كدلالة ما قبله.
(و) أما قوله في هذه النصوص (في السماء)، فليس معناه أن السماء تحويه أو تحصره، تعالى وتقدس عن ذلك علوا كبيرا، وقد فسرت بتفسيرين:
أحدهما: أن حرف الجر بمعنى: "على"، كما في قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فإن "في" بمعنى: "على" فالمراد كونه على السماء، أي: فوقها.
الثاني: أن المراد بالسماء العلو، أي: هو في العلو وفوق العباد.
[ ٨٣ ]