إن أسباب نشأة ظاهرة التكفير وفشوها وانتشارها في القديم والحديث يرجع إلى مجموعة من الأسباب المتشابكة، عملت جنبًا إلى جنب في نشر هذه الظاهرة وتأمين البيئة الملائمة لنموها واستمرارها، ومنها:
١ـ الجهل المريع - وربما المركب - بهذه المسألة المهمة، التي هي من المسائل الدقيقة التي لا يحسنها إلا العلماء، الذين لهم دراية في فهم أدلة الوحي، والتمييز بين صحيحها وضعيفها، كما يفرقون - بما آتاهم الله من علم - بين المتشابهات لفظًا، والمختلفات حكمًا، كالتفريق بين الكفرين: الأكبر والأصغر، وحال أصحابهما حين اجتماع الشروط وانتفاء الموانع، والفرق بين الكفر المطلق والكفر المعين، وهو ما لا يحسنه الجهلة ولا يطيقونه، فيقعون في تكفير المسلمين " والمبادرة إلى التكفير إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل". (١)
ولعل الجهل بأحكام الشريعة من أهم صفات الخوارج الذين كانوا أول من تولى وزر التكفير في هذه الأمة، حين كفروا أصحاب النبي - ﷺ -، فقد وصفهم النبي - ﷺ - بقوله: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». (٢)
وجاء في رواية أبي سعيد: «لا يجاوز تراقيهم، ولا تعيه قلوبهم». (٣)
يقول الإمام القرطبي منددًا بضلالة الخوارج وقلة فهمهم: "وكفى بذلك أن مقدمهم ردّ على رسول الله - ﷺ - أمره، ونسبه إلى الجور ويكفيك من جهلهم وغلوهم في بدعتهم حكمهم بتكفير من شهد له رسول الله بصحة
_________________
(١) بغية المرتاد (١/ ٣٤٥).
(٢) رواه البخاري ح (٣٦١٠)، ومسلم ح (١٠٦٤).
(٣) فتح الباري (٩/ ١٠٠).
[ ٢٧ ]
إيمانه وبأنه من أهل الجنة". (١)
وهذا الجهل والغلو ينطبق على أضرابهم الذين يأتون في آخر الزمان، يقول عنهم النبي - ﷺ -: «يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة». (٢)
قال السندي: " قوله: «أحداث الأسنان» أي صغار الأسنان، فإنّ حداثة السّنّ محلٌّ للفساد عادة. «سفهاء الأحلام»: ضعاف العقول". (٣)
٢ـ اتباع الهوى، وجعل التكفير وسيلة في الانتقام من المخالفين، وإشهاره سيفًا مسلطًا على رقابهم هو سبب آخر من أسباب انتشار التكفير ورواج سوقه، وهو فرع عن الجهل ودليل على رقَّة الدين.
وقد دأبت الفرق المنحرفة عن هدي الله وسنة رسوله في تاريخ الإسلام على تكفير مخالفيها، حتى أصبح سمتًا للفرق المبتدعة المختلفة، يقول ابن تيمية: "ومن البدع المنكرة تكفير الطائفة غيرها من طوائف المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم وهذا حال عامة أهل البدع الذين يكفر بعضهم بعضًا وهؤلاء من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء﴾ (الأنعام: ١٥٩) ". (٤)
ويقول ﵀: " من ادعى دعوى وأطلق فيها عنان الجهل مخالفًا فيها لجميع أهل العلم، ثم مع مخالفتهم يريد أن يكفر ويضلل من لم يوافقه، فهذا من أعظم ما يفعله كل جهول مغياق". (٥)
٣ - ولعل من أهم أسباب انتشار التكفير وقوع كثير من المسلمين في المكفرات، من سباب لله ورسوله أو لمز أو طعن في الدين في وسائل الإعلام وغيرها.
_________________
(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٣/ ١١٤).
(٢) رواه البخاري ح (٣٦١١)، ومسلم ح (١٠٦٦).
(٣) حاشية السندي (٧/ ١١٩).
(٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٨٤).
(٥) الرد على البكري (١/ ٢٦٣).
[ ٢٨ ]
وأمام هذه الموبقات التي يرتكبها البعض بقصد أو بدونه تثور حمية الشباب المسلم الذي يتقد حماسًا وغَيْرة على دين الله وما هُتك من محارمه، فلا يجد - لفرط الجهل - وسيلة للتغيير والإصلاح إلا العزلة عن مجتمعه لما شاع فيه من المنكر، ثم تكفيره لما وقع فيه البعض من الموبقات أو سُكت فيه عنها.
٤ - قلة العلماء المعتبرين بسبب موتهم أو تقييد حرية البعض مما يؤدي إلى تنامي ظاهرة أنصاف العلماء الذين ليس لهم كبير دراية في فهم النصوص وتنزيل النصوص الشرعية والقواعد العلمية على واقعٍ ما، فتحقيق المناط في الأحكام أمر لا يحسنه كل أحد، وهو الميدان الذي يتمايز فيه العلماء عن الأدعياء، وهؤلاء الأصاغر يفتون في مسائل وقف عندها الأكابر من أهل العلم، وبها يتصدرون المجالس، وهم للأسف يكثرون في آخر الزمان، حيث تُرزأ بهم أمة الإسلام «إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر». (١)
يقول ابن قتيبة: "لا يزال الناس بخير ما كان علماؤهم المشايخ، ولم يكن علماؤهم الأحداث، لأن الشيخ قد زالت عنه حِدَّة الشباب ومتعته وعجلته، واستصحب التجربة في أموره، فلا تدخل عليه في علمه الشُّبه، ولا يستميله الهوى، ولا يستزله الشيطان، والحَدَثُ قد تدخل عليه هذه الأمور التي أمنت على الشيخ، فإذا دخلت عليه، وأفتى هلك وأهلك". (٢)
وهكذا مع فساد الزمان وتلاحق الأيام يتحقق في المسلمين ما أخبر به النبي - ﷺ - حين قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». (٣)
وصدق الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وهو يحذر من هؤلاء الأغرار: " ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسقٍ بين فسقه،
_________________
(١) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ح (٨١٤٠)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة ح (١٠٢). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح (٦٩٥ (.
(٢) نصيحة أهل الحديث للخطيب البغدادي (٩٣).
(٣) رواه البخاري ح (١٠٠)، ومسلم ح (٢٦٧٣).
[ ٢٩ ]
ولكني أخاف عليها رجلًا قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه، ثم تأوله على غير تأويله". (١)
٥ - والمتأمل لظاهرة الافتراق لا يغيب عن ناظريه أثر الغلو في ظهور الغلو المقابل، فالخوارج كانوا سببًا في ظهور المرجئة، وأخطاء الجبرية أدت إلى تنامي تيار القدرية، وهذا ما ينطبق على عموم الفرق الإسلامية.
إذ جنوح البعض إفراطًا أو تفريطًا يؤدي إلى تيار عكسي قد يجنح إلى الحقيقة فيقف عندها، وقد يفارقها إلى الطرف الآخر.
لذا كان من أهم الأسباب التي غذّت فكر التكفير في واقعنا المعاصر ما نلقاه من توقف الكثيرين عن تكفير من لا يسع مسلمًا إلا تكفيره، إذ وصل الأمر ببعضهم إلى التوقف في إطلاق الكفر على اليهود والنصارى الذين تكاثرت الآيات على تكفيرهم وخلودهم بالنار، فمثل هذا التفريط يمهد الطريق لظهور المخالف الذي يكفر النصارى ومن وافقهم في أعيادهم ومناسباتهم، إلى غير ذلك من الصور.
فمثل هذه الصور يوجد النقيض، وهو المبالغة في التكفير، وشهره سيفًا على المخالفين.
٦ - انتشار هذه الظاهرة بين من عرف صلاحه واستقامة سلوكه سبب آخر يغرر بالكثيرين من الذين يعرفون الحق بالرجال، لا الدليل، فيغتر الناس بصلاح هؤلاء، على قلة علمهم، فيرددون ما قالوا من تكفير المسلمين واستباحة دمائهم إحسانًا للظن بهم وبحسن عبادتهم، وقد حذر رسول الله - ﷺ - من أمثالهم الذين «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». (٢)
ورغم صلاح الخوارج وحسن تدينهم فإن بعض أهل العلم لم يتردد في تكفيرهم، وإن توقف الجمهور فيه، لكنهم - على كل حال - اتفقوا على
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٢٣٨).
(٢) رواه البخاري ح (٣٦١٠)، ومسلم ح (١٠٦٤).
[ ٣٠ ]
ضلالهم وشناعة قولهم، يقول علي ﵁: (قوم أصابتهم فتنة، فعموا وصموا). (١)
وقال ابن عمر ﵄: (هم شرار الخلق)، وقال: (انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين). (٢)
فهذه جملة ما يوقع الناس في التكفير وما يؤدي إلى انتشار وبائه، والعاقل إذا عرف الداء أصاب الدواء، وتوخى موارد الزلل والهلاك بمزيد من الوقاية والحذر، حيطة لدينه وطلبًا لسلامة آخرته.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في مصنفه (١٠/ ١٥٠)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٣٣٥).
(٢) رواه ابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٣٣٥).
[ ٣١ ]