هوجم التلمود بشدة في العصور الوسطى، باعتباره أهم مصادر للتعاليم اليهودية التي أدَّت إلى مقاومة اليهود للسلطة والدين المسيحي سرًّا وعلانية. وقد قال الإمبراطور هونو ريوس Honorius في إحدى القوانين التي أصدرها: أنَّ الحاخامات مخربون Devastators.
وحيث كان العهد القديم -المكتوب بالعبرية- مقدّسًا لدى المسيحيين أيضًا، فكل غضبهم كان موجهًا إلى التلمود، باعتباره مصدر الشر الكامن في اليهود.
وقد حمل الملوك والباباوات حملات شديدة ضد التلمود، منذ القرن الثالث عشر، وصدرت الأوامر بإتلاف نسخ التلمود في فرنسا في عهد لويس Louis the Pious ١ من سنة ١٢٢٦
_________________
(١) ١ لأول مرة أحرقت نسخ التلمود في فرنسا سنة ١٢٤٤ في باريس. "دائرة المعارف اليهودية، طبعة سنة ١٩٠٥، الولايات المتحدة الأمريكية المجلد الثاني عشر، مادة تلمود".
[ ٤٠ ]
حتى ١٢٧٠، كما حدث ذلك في انجلترا أيضًا سنة ١٢٩٠ حين أمر الملك بطرد اليهود عن البلاد بعد أن اكتشف حيلهم ومكرهم ومقتهم للشعب الإنجليزي المسيحي.
وتقول دائرة المعارف اليهودية العامة أن ٢٢٢٢٤ عربة مجملة بالكتب العبرية أحرقت في باريس سنة ١٢٤٢ في يوم واحد، وأن "مثير" من بلدة روثنبرغ Meir of rothewnberg شاهد هذه المأساة وألَّف رثاء منظومًا يردد إلى اليوم في كثير من كنائس اليهود ١.
وفي أواخر العصور الوسطى لم يحرق التلمود، وإنما اكتفت السلطات الحاكمة والكنسية بالرقابة على طبعه، فأجازت تداول نسخ محدودة بعد حذف فصول عديدة.
وهاجم مجلس المدينة في بولندا عام ١٨٤٠ "التلمود" بأنه مصدر احتقار اليهودية للدين المسيحيي"، وكان أسقف
_________________
(١) ١ إنه لأمر مريب يشكك في حقيقة القصة التي سبق ذكرها في الهامش السابق بأن التلمود أحرق في باريس لأول مرة سنة ١٢٤٤، ثم يأتي محرر دائرة المعارف اليهودية العامة بعد ٤٣ سنة، ليكشف لنا عن واقعة خطيرة، كالتي سبقت أنها وقعت قبل الواقعة المذكورة بسنتين، وحيث أن الحقائق التاريخية التي نحن بصددها، ليست من النوع الذي يكتشف بالحفريات أو الاكتشافات المثيرة عن الصخور، فيبقى سؤالنا قائمًا: لم سكت محرر دائرة المعارف اليهودية الأول عن هذا الحادث الخطير، ثم خرج به محرر دائرة معارف يهودية أخرى؟ مع ملاحظة أن هذا الأخير لم يشر إلى أي مصدر استقى منه معلوماته.
[ ٤١ ]
بولندا قد فرض قبل ذلك بقرن غرامة على التلموديين، وأمر بإحراق كل نسخ التلمود.
وأحد أهم الأسباب التي أدت إلى اتخاذ هذه الإجراءات العنيفة هي المناظرات التي كانت تقام بين المسيحيين واليهود، وكان يجب على الحاخامات أن يدافعوا ويبرروا تعاليم التلمود، وكان الذي يدفع المسيحيين إلى إقامة هذه المناظرات هو ارتداد أحد اليهود عن دينه من وقت إلى آخر، وقبوله المسيحية واعترافه بتعاليم التلمود الهدامة المعادية للمسيحية وغير اليهود.
وأهم اليهود المرتدين الذين اشتركوا في فضح ومقاومة التلمود هما نيكولاس دونين Nicolas Donin وبابلو كريستيانيس.
وقد عقدت مناظرة كبرب بين بابلو كريستياني والحاخام موسى بن نحمان في برشلونة سنة ١٢٧٦م١.
ورغم أن دائرة المعارف اليهودية" تذكر هذه المناظرة الكبرى إلا أنها لا تخبرنا بنتائجها كشأنها في إغفال
_________________
(١) ١ بابلو كريستيانيس Pablo Christiani: يهودي روعته التعاليم اليهودية الوحشية فدخل إلى المسيحية، وعاش في فرنسا وأسبانيا في القرن الثالث عشر، وأسهم بدور كبير في كشف حقائق اليهود وعداءهم للمسيحيين. اشترك في مناظرة برشلونة الشهيرة. واستطاع أن يقنع البابا كليمنت بأخطاء التعاليم التلمودية، فأصدر مرسومًا بتحريم قراءة التلمود أو حيازته، ومصادرة ما وجدوه من نسخه، كما فرض رقابة على طبع نسخ جديدة منه، وأعاد تنفيذ القانون الذي كان لويس الحادي عشر قد أصدره سنة ١٣٦٩م، والذي ألزم اليهود بوضع علامة على أكتافهم للتمييز
[ ٤٢ ]
وتجاهل كل ما لا يروق لها، ولنا أن نستنبط مما ذكرته دائرة المعارف هذه أن البابا كليمنت التاسع أصدر مرسومًا سنة ١٢٦٤ على إثر هذه المناظرة، أمر فيه بمصادرة وإحراق التلمود، ويبدو أن بابلو كريستيساني استطاع إفحام الحاخام اليهودي بشأن اتهاماته.
وتضيف دائرة المعارف اليهودية" أن إحدى هذه المناظرات أقيمت بأمر من البابا بينديكت BENEDICT، واستمرت لسنة وتسعة شهور في طرطوسه. ونستخلص من ذلك أن المسيحيين أعطوا اليهود أكبر وأطول فرصة للدفاع عن عقائدهم، وإلا فغير مفهوم أن تستمر المناظرة طوال هذه الفترة إذا كانت الكنيسة منحازة مسبقًا ضد اليهود كما يدعون، باتهامها باللاسامية وكراهية اليهود ١.
_________________
(١) ١ محاكمة عادلة من هذا النوع أجرتها الملكة بلانش في ٢٤ من يونيه سنة ١٢٤٠. اعترف فيها اليهود بكثير من معتقداتهم الخطيرة، وكان مما ترجم من التلمود أثناء هذه المحاكمة مما يلي: "إن يسوع الناصري موجود في لجات الجحيم، بين الزفت والنار، وأن أمه مريم أتت به من العسكري "الجندي" باندارا بمباشرة الزنا، وأن الكنائس النصرانية هي بمستوى قاذورات، وأن الواعظين فيها أشبه بالكلاب النابحة، وأن قتل المسيحي من الأمور المأمور بها، وأن العهد مع المسيحي لا يكون عهدًا صحيحًا يلتزم اليهودي القيام به، وأن من الواجب دينًا أن يلعن ثلاث مرات رؤساء المذهب النصراني، وجميع الملوك الذين يتظاهرون بالعداوة ضد بني إسرائيل".
[ ٤٣ ]
وكانت موضوعات هذه المناظرات بصفة عامة، هي البحث عن حقيقة المسيح -﵇، والعبارات التي وردت في التلمود عن المسيحين مثل مينيم Minim ١ أي الأجانب وجوئيم Goyim أي الوثنيين.
وأهم المناظرات بين اليهود والمسيحيين هي التالية:
١- مناظرة باريس سنة ١٢٤٠م، بحضور الملكة بلانش وأربعة حاخامات يتقدمهم الفيلسوف اليهودي موسى بن يعقوب" Moses ben Jacob of concy، وكان المسيحيون يتقدمهم نيكولاس دونين اليهودي الذي فتحت التعاليم التلمودية الهدامة عينيه فقبل المسيحية.
١ - مناظرة برشلونة سنة ١٢٦٣م، بحضور الملك أراجون Aragon، حضرها نحمان ورجاله اليهود، وكان بابلو كريستياني على الطرف المسيحي.
٣- مناظرة أفيلا AVILA سنة ١٣٧٥م.
٤- مناظرة طرطوسة TORTOSA، التي استمرت أكثر من ثمانية عشر شهرًا، في سنتي ١٤١٣-١٤١٤م، وكان على الجانب المسيحي البابا بينديكت وهيرونيموس دي سانتا فيه HEIRONYMUS DE SANT FE، وكان على الجانب اليهودي الفيلسوف يوسف ألبو JASEPH ALBO.
_________________
(١) ١ صيغة الجمع لكلمة مين MIN وتعني "المنشقين".
[ ٤٤ ]
وقد قال "سنتا فيه" في هذه المناظرة أنَّ كل ما جاء في التلمود عن الوثنيين والملحدين PAGANS APOSTATES موجه ضد المسيحيين.
وواضح جدًّا أن استمرار المناقشات هذه المدة الطويلة إن دل على شيء فهو يدل على سماحة القائمين بأمر الدولة المسيحيين، وأنهم لا يبغوا إلا معرفة حقيقة العقائد اليهودية.
وكان مجلس الدومينيكان COMMISSION OF dOMINICANS أول من فرض الرقابة على التلمود سنة ١٢٦٤، بعد أن كشف بابلو كريستياني عن حقيقة ما يحتويه من تعاليم هدامة وحقد ضد غير اليهود.
وقد أصدر البابا مارتين الخامس MARTIN V مرسومًا، بعد سنتين من مناظرة طرطوسة، يمنع اليهود من قراءة التلمود، وأمر بإتلاف كل نسخه الموجودة، ولكن هذا المرسوم -كما تقول "دائرة المعارف اليهودية" المجلد الثاني عشر، مادة تلمود- لم يمكن تنفيذه inoperative، ولم تذكر الأسباب، لعل مال اليهود، وهو أكبر أصدقائهم القاهر لكل الأسباب، لعب دوره المعهود.
وفي القرن السادس عشر كشف جوهان فيفركورن joha nn pfeff eriorn "وكان يهوديًّا ثمَّ اعتنق المسيحية بعدما
[ ٤٥ ]
لمس فظاعة أهل دينه" عن حقائق خطيرة من معتقدات اليهود. وفي سنة ١٥٦٩م حرق الأهالي مكتبة اليهود بسريمونا Cermona التي وجدت فيها ١٢٠٠٠ نسخة للتلمود وكتب عبرية أخرى.
وقد أدت هذه الحركات التي بطشت باليهود إلى التفكير في استراتيجية وبرنامج جديدين، تسميه دائرة المعارف اليهودية بالإصلاح Reformation، ولكن النهاية التي وصل إليها "الإصلاح" تتجلَّى في الحركة الصهيونية الهدامة.
وقد حصل اليهود في نفس هذه الفترة على ترخيص من البابا، فطبعوا تلمود بابل كاملًا سنة ١٥٢٠ في البندقية، وقام بالطبع دانيال بومبرجق Daniel Bomberg وبعد ثلاثة أعوام طبع "دانيال" تلمود فلسطين أيضًا لأول مرة.
وبعد ثلاثين سنة من طبع التلمود عاد الفاتيكان فأمر بإحراق كل نسخ التلمود، بسبب ما تكشف من عقائد اليهود، والنشاط الذي ظهر بينهم بسبب الحرية التي نالوها، وكان منها التصريح الذي حصلوا عليه من الفاتيكان بطبع التلمود، وفي ٩ سبتمبر "أيلول" سنة ١٥٥٣ أحرقت كل النسخ التي أمكن الاستيلاء عليها في روما، وكان ذلك بمقتضى مرسوم خاص inquisition أصدره الفاتيكان، وقد جرت عمليات مماثلة لحرق التلمود في مدن إيطالية أخرى، منها في مدينة سريمونا سنة ١٥٥٩م. وقد فرضت الرقابة على طبع التلمود وكتب عبرية أخرى.
[ ٤٦ ]
لليهود سنة ١٥٥٤، وبعد خمسة أعوام صدر قرار بابوي بوضع التلمود في القائمة الأولى "للكتب التي يجب تطهيرها" INDEX EXP URGATORIUS.
وفي سنة ١٥٦٥م أصدر البابا بيوس الرابع PIOUS IV أمرًا "أنه يجب حرمان التلمود حتى من مجرد اسمه".
TALMUD MUST BE DEPRIVED OF ITS VERY NAME".
وأول طبعة "مطهرة" EXP URGATED ظهرت للتلمود في مدينة بازل Basel في سني ١٥٧٨-١٥٨١م، بعد حذف رسالة "عابوده زاره" كاملة، وفقرات أخرى اعتبرت عدائية imimical للمسيحية، كما عدلت عبارات كثيرة.
وتقول "دائرة المعارف اليهودية" أن هذه النسخة "المطهرة" هي التي ظهر على أساسها معظم الطبعات الجديدة للتلمود، أي أن النسخ الحديثة لا تحتوي على التعاليم الجهنمية التي احتوتها طبعة البندقية التي أمر الفاتيكان بإحراقها.
وقد قام البابا جريجوري الثالث عشر GREGORY XIII "سنة ١٥٧٥-١٥٨٥" بحملات جديدة ضد التلمود.
وأصدر البابا كليمنت السابع مرسومًا جديدًا يحرّم حيازة أو قراءة التلمود.
وصودرت نسخ التلمود سنة ١٧٠٧ في براند نبرج.
[ ٤٧ ]
Brandeb erg ولكنها أعيدت لأصحابها اليهود بأمر الملك فريدريك fREDRICK الذي كان أول ملك لروسيا.
وآخر هجوم عنيف تعرض له التلمود كان في بولندا سنة ١٧٥٧، حين أمر الأسقف ديمبو سكيي Bishop Dembowasky بمصادرة كل نسخ التلمود وحرقها، بعد مناظرة أقيمت للبحث في محتويات التلمود، فثبتت الاتهامات الموجهة ضده.
واتهم الأميرال فيرهويل Admiral verhuell اليهود سنة ١٨٣٠، بعد أن لقي عدد منهم أثناء جولته حول العالم بأنَّهم يعادون المسيحيين، وهاجم عقائدهم وتلمودهم بصفة خاصة.
وفي نفس السنة نشر أبيه تشيارني abbe chiarini كتابًا ضخمًا في باريس بعنوان: Theore du Judaisme أورد فيه ترجمة من التلمود، الأمر الذي أثار موجة جديدة من الكراهية ضد هذا الكتاب وأصحابه بسبب ما احتواه التلمود من تعاليم هدامة صريحة.
وبسبب ذلك طالب المسيحيون بترجمة التلمود، ولجأ بعضهم إلى المحاكم، وكانت أشهر هذه القضايا في فيينا.
وبسبب القدر الذي كان ينتظر التلمود في كل مكان، لم يبق منه إلا عدة مخطوطات قديمة، منها نسخة ميونيخ لتلمود
[ ٤٨ ]
بابل التي كتبت سنة ١٣٦٩م، وتوجد نسخة أخرى في فلورنتين يرجع وقتها لسنة ١١٧٥م.
أما تلمود أورشليم فيوجد مخطوط قديم له في ليدن، وتوجد مخطوطات أخرى ناقصة في متاحف عديدة في مختلف البلدان١
_________________
(١) ١ والتلمود: "من أندر الكتب الموجودة في عالمنا على الإطلاق، وأستطيع أن أؤكد أنه لا يوجد منه في العالم أجمع أكثر من خمس نسخ، إحداها موجودة في الجمهورية العربية المتحدة، محفوظة حفظ الوثائق الشديدة الأهمية، وقد استلزم وصولها من مكانها الأصلي إلى الجمهورية العربية المتحدة وضع خطة أشبه بخطط الجاسوسية التي نقرأ عنها في الكتب البوليسية، استغرق تنفيذها -بصبر وحرص وتكتم شديد- ثلاث سنوات كاملة". شوقي عبد الناصر: بروتوكولات صهيون،
[ ٤٩ ]