[السنة الحسنة والسنة السيئة]
ومن السُّنة الحسنة؛ ما فعله عمر بن عبد العزيز٥ من رد المظالم، وأخذه من الأمراء أموالا٦.
ومن السُّنَّةِ السَّيِّئَةِ؛ ما فعله الحجَّاجُ٧ من أَيمان البيعة، وجرأته على الدِّمَاءِ بمُجَرِّدِ شبهة، فإنه أحدث أمورًا قبيحة.
_________________
(١) ٥ الخليفة الأموي المشهور بالعدل والسيرة المرضية، ولد سنة ٦١هـ، وتولى الخلافة بعد سليمان بن عبد الملك، سنة ٩٩هـ، وتوفي مأسوفا عليه سنة ١٠٢هـ بدير سمعان. انظر: ابن كثير: البداية والنهاية ٩/١٩٢-٢٠٠-٢٢٧. ٦ أي وردها إلى بيت مال المسلمين. انظر المصدر السابق: ٩/٢٠٨-٢١٦. ٧ هو: الحجاج بن يوسف الثقفي (٣٩، ٤٠، ٤١ - ٩٥) أحد عمال وولاة بني أمية، قال عنه الإمام الذهبيِ: "كان ظلومًا جبارا ناصبيًا خبيثًا، سفاكًا للدماء. . وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه، وأمره إلى الله". سير أعلام النبلاء ٤/٣٤٣. وانظر أيضا: ابن كثير: البداية والنهاية ٩/١٣٩، وابن نباتة: سرح العيون ١٧٠-١٨٦.
[ ١٠٦ ]
ولهذا عَظَّمَ العلماء من قدر الشافعي، وأحمد١، والجنيد٢، وأمثالهم أكثر من غيرهم؛ لأنهم سَنُّوا في الإسلام سنَّةً حسنة، وأماتوا بدعًا سيِّئَة.
قال ﵇: "إنَّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدّد لها دينها" ٣.
فمن لم يُفرِّق بين ما ابتدعه الجعد٤، وغيلان٥، والجهم٦، وبين
_________________
(١) ١ هو الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (١٦٤-٢٤١هـ) راجع: ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة١/٤، وابن الجوزي: مناقب الإمام أحمد. ٢ هو: أبو القاسم الجنيد بن محمد الخزاز النهاوندي، (٢٢٠-٢٩٨هـ) كان شيخ الصوفية في وقته، وكان يقول: "علمنا مضبوط بالكتاب والسنة، من لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث، ولم يتفقه لا يقتدى به". وهذا منهج ابتعد عنه متأخروا الصوفية فلحقهم الذم بسبب ذلك وغيره. انظر ترجمته لدى أبي نعيم: الحلية١٠/٢٥٥، والخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ٧/٢٤١، وابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة١/١٢٧، والذهبي: السير١٤/٦٦. ٣ د: كتاب الملاحم، باب: ما يذكر في قرن المائة: ٤/٤٨٠ح٤٢٩١. الحاكم: المستدرك٤/٥٢٢، وسكت عليه الحاكم والذهبي، وذكر المناوي أن الحاكم صححه ولعله سقط من النسخة المطبوعة للمستدرك، قال الشيخ الألباني: "والسند صحيح ورجاله ثقات، رجال مسلم". الداني: الفتن ص٧٠٠-٧٠١، وقال محققه: "وقد صرح بصحته عدد من أئمة الشأن" - وذكر ممن صححه -: السيوطي، والعراقي، وابن حجر، والحاكم، والبيهقي، والسخاوي. ٤ هو: الجعد بن درهم، أول من ابتدع القول بأن الله لم يكلم موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا، وقال بخلق القرآن، كان معلما لآخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد، فنسب إليه وقيل له مروان الجعدي. قتله خالد بن عبد الله القسري يوم عيد الأضحى لمقالته في كلام الله، سنة ١٢٤هـ. انظر: الذهبي: ميزان الاعتدال ١/٣٩٩، وابن كثير: البداية والنهاية ٩/٣٦٤، وابن نباتة: سرح العيون ٣٩٣-٣٩٤. ٥ هو: غيلان بن مسلم الدمشقي، أبو مروان، قال ابن قتيبة: "كان قبطبا قدريا، لم يتكلم أحد في القدر قبله، ودعا إليه إلا معبد الجهني"، - قلت: "وقبلهما سوسن أو سنسويه كما تقدم ص (١٠٤) أخذه هشام بن عبد الملك فصلبه بباب دمشق" المعارف: ٤٨٤، وانظر: الذهبي: الميزان ٣/٣٣٨. ٦ تقدم ص (١٠٤) حاشية رقم (٤) .
[ ١٠٧ ]
ما أحياه عمر بن عبد العزيز١، والحسن٢، وأيوب٣، والأوزاعي٤، لم يفقه. وإن كان الكُلُّ في اللغة قد ابتدعوا وشرعوا. بل كًلّ نبيٍّ له شِرْعَة ومنهاج بإذن ربه، وإنَما ذمَّ الله مَنْ شرع دينًا لم يأذن به الله.
[المراد بقول عمر: نعمت البدعة]
ومن ذلك قول عمر: "نِعْمت البدعة"٥؛ لأنها بدعة في اللغة لا في العُرف الشَّرعي.
ومن بدعة اللًّغة: جَمْعُ المصحف، وشَرَح الله لذلك صدرَ عمر، وزيد٦، وأبي بكر، ثم عثمان.
[المراد بقوله ﷺ: "كل بدعة ضلالة"]
فقوله: "كُلًّ بدعة ضلالة" ليس المراد كل ما سمي في اللغة بدعة، ويوضحه قوله: "وشَر الأمور محدثاتُها" ٧ فكلاهما في العرف صار لما يذَمّ.
_________________
(١) ١ تقدم ص (١٠٦) . ٢ تقدم ص (٩٩) . ٣وهو: أبو بكر أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني البصري (٨٦-١٣١ هـ)، أحد الأعلام، قال فيه حماد بن زيد: "هو أفضل من جالست، وأشدهم اتباعًا للسنة". الذهبي: التذكرة ١/١٣٠، والسير ٦/١٥، وابن سعد: الطبقات ٧/٢٤٦. ٤ وهو: عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (٨٨-١٥٧هـ)، كان ثقة مأمونا، صدوقًا فاضلًا خيرًا، كثير الحديث والعلم والفقه، حجة. ابن سعد: الطبقات ٧/٤٨٨. ٥ تقدم، انظر: ص ٩٩. ٦هو الصحابي الجليل زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري، كان من علماء الصحابة، وكتّاب الوحي، وهو الذي جمع القرآن في عهد أبي بكر ﵄. مات سنة ٤٥هـ في قول الأكثرين. ابن حجر: الإصابة ٢/٤١. ٧ تقدم، انظر: ص (٩٤) .
[ ١٠٨ ]
[كمال الدين وعدم الحاجة إلى الابتداع]
وديننا بحمد الله تام كامل مرضيٌّ، قالت تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ١، وقوله ﵇: "ما تركت من شيء يُقرِّبكم إلى الجنَّة ويبعدكم عن النار إلاّ وقد حدَّثْتُكُمْ به" ٢.
فأيُّ حاجة بنا بعد هذا إلى البدع في الأعمال والأقوال؟ قال ابن مسعود: "اتَّبِعُوا ولا تَبْتَدعوا فقد كفيتم"٣.
واتِّبَاع الشرع والدين متعيِّن، واتّباع غير سبيل المؤمنين بالهوَى وبالظَّنِّ وبالعادات المردودة مَقْتٌ، وبِدْعة. اللهمَّ اصرف قلوبنا إلى طاعتك.
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية: ٣. ٢ عبد الرزاق: المصنف١١/١٢٥ح٢٠١٠٠، من حديث معمر عن عمران عن صاحب له. الشافعي: الرسالة ص ٨٧ رقم ٢٨٩، وجماع العلم ص ١١٩ رقم ٥١٤. وقال محققه الشيخ أحمد شاكر: "وهو حديث صحيح فيما أرجّح". ٣ أبو خيثمةْ: كتاب العلم ص ١٢٢رقم ٥٤، وتمامه: " وكل بدعة ضلالة".وقال محققه الشيخ الألباني: "هذا إسناد صحيح". دي: المقدمة، باب في كراهية أخذ الرأي: ١/٦٩. ابن وضّاح: البدع والنهي عنها ص ١٠. المروزي: السنة ص ٢٨، رقم ٧٨، وقال محققه: "إسناده صحيح". ابن بطة: الإبانة ١/٣٢٧ رقم ١٧٤-١٧٥. اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/٨٦، رقم١٠٤. الطبراني: المعجم الكبير، قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". مجمع الزوائد:١/١٨١.
[ ١٠٩ ]
قيل: إن أويسًا القَرَني١ قال لهَرم بن حَيّان٢: "سَلِ الله أن يُصلح قلبك ونِيَّتَك، فإنّي ما عالجتُ شيئًا عليَ أشد من صلاح قلبي ونِيَّتي"٣.
وفي مُسْلم٤ عن ابن مسعود قال، قال رسول الله ﷺ: "ما بعث الله من نَبيٍّ إلا كان له من أُمَّتِه حواريون، وأنصار يستَنُّونَ بسُنَّتِه، ويَتَّبعون هديَه، ثم يَخْلُف من بعدهم خُلُوفٌ٥ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، من جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن٦، ليس وراء ذلك من الإيمان حَبَّة خردل".
_________________
(١) ١ وهو: سيد التابعين في زمانه أبو عمر أويس بن عامر بن جزء بن مالك القرني المرادي اليماني، أسلم زمن النبي ﷺ، ولكن منعه من القدوم عليه برّه بأمه. ترجم له ابن حجر في الإصابة: ١/١٨٧رقم ٤٩٧، شهد صفين مع علي وقاتل حتى قُتل، وانظر ترجمته أيضا لدى الذهبي في السير: ٤/١٩، وابن سعد: الطبقات ٦/١٦١، وأبي نعيم: الحلية ٢/٧٩. ٢ وهو: هَرِمُ بن حيَّان العَبْدي، ويقال: الأزدي البصري، أحد العابدين، قَدِمَ دمشق في طلب أويس القرني، ترجم له ابن حجر في الإصابة: ١٠/٢٤٠رقم ٨٩٤٧، وهو فيه "ابن حبَّان" بالباء. وانظر ترجمته أيضا لدى: الذهبي: السير ٤/٤٨، وابن سعد: الطبقات ٧/١٣١، وأبي نعيم: الحلية ٢/١١٩. ٣ لم أقف عليه. ٤ كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان: ١/٦٩ح٨٠ وفيه زيادة: "ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن" قبل قوله: "ليس وراء ذلك. . .". حم: ١/٤٥٨-٤٦١، إلى قوله:"ويفعلون ما لا يؤمرون". ٥ خُلُوفُ: جمع خَلْف بتسكين اللام، وهو كل من يجيء بعد من مضى، إلا أنه بالتسكين في الشَّرِ، ويأتي بتحريك اللام في الخير. انظر: ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث: ٢/٦٥-٦٦. ٦ في الأصل (فهو من) .
[ ١١٠ ]
وفي البخاريّ١ حديث: "من عَمِل عملًا ليس عليه أَمرُنا فهو رَدّ" ولو كانت البدعة مُستَحَبَّةً لكانت مَقبولة.
وقد أَمَرَ بأشياء لم تكن على عهده صل
ى الله عليه وسلم، أو لم تُعمل لعدم الحاجة إليها، أو لانتفاء شرط الفعل، ووجود مانعه، مثل: قتال أهل الرِّدةِ٢، وقتال المجوس٣، والتُّرْك٤، وياج٥، والخوارج٦، وكأمره بإطاعة أمراء الجور،
_________________
(١) ١ كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردودْ: ٥/ ٣٠١ ح٢٦٩٧ من حديث عائشة ﵂ بلفظ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ " وعلقه بلفظ المؤلف في كتاب: الاعتصام بالسنة، باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم: ١٣/٣١٧. وأخرجه مسلم: في كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور:٣/١٣٤٣ح ١٧١٨ من حديث عائشة ﵂. ٢ وقد قاتل الخليفة الراشد أبو بكر الصديق ﵁ طوائف المرتدين بعد وفاة النبي ﷺ وقال كلمته المشهورة في ذلك: "والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة " خ: كتاب استتابة المرتدين، باب قتل من أبى قبول الفرائض، ١٢/٢٧٥ح ٦٩٢٥. ٣ جاء من حديث أبي هريرة ﵁ قوله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا وكرمان من الأعاجم "، خ: كتاب المناقب، باب علامات الساعة، ٦/ ٦٠٤ ح٣٥٩٠. ٤ أخبر النبي ﷺ بذلك كما في حديث أبيِ هريرة ﵁: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر، وحتى تقاتلوا الترك صغار الأعين حمر الوجوه دلف الأنوف كأن وجوههم المجّان المطرقة" خ: كتاب المناقب، باب: علامات النبوة ٦/ ٦٠٤ح ٣٥٨٧. ٥ أي يأجوج ومأجوج، وهم قوم من ولد آدم يخرجون آخر الزمان، في زمنِ عيسى ﵇، كما جاء في حديث النواس بن سمعان ﵁: "إذ أوحى الله إلى عيسى أَنى قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم فَحرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله ياجوج وماجوج وهم من كل حدب ينسلون.. فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة.." م: كتاب أشراط الساعة، باب ذكر الدجال ١٨/٦٨-٦٩بشرح النووي. ٦ كما جاء في حديث علي ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول:"سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة". خ: كتاب استتابة المرتدين، باب قتل الخوارج والملحدين ١٢/٢٨٣ح٦٩٣٠ وقد قاتلهم علي ﵁.
[ ١١١ ]
والصلاةِ خلفَهم١، وكشروط عمر عَلىَ الذِّمَّةِ٢، وكانَ ﵇ أَقرَّ يهود خيْبَر لفِلاَحَتِها بلا جَزية، ثمَّ أجلاهم عمر، وضرب عليهم الجزية٣.
وكذا نزول ابن مريم حكما عدلًا، فيكسر الصَّليب، ويقتُل الخنزير، ويضع الجزية٤، وإنَّما يفعل ذلك بأمر نبينا صلى الله عليه وسلم٥.
وكذلك ما يفعله المؤمنون في اليوم الطويل، زمَنَ الدَّجَّال في كثرة الصلوات في قوله: " [اقدروا] ٦ له قدره"٧.
_________________
(١) ١ في قوله ﷺ: "اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حملتم". م: كتاب الإمارة، باب في طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق ٣/١٤٧٤ح١٤٨٦. ٢ أي على أهل الذمّة، وشروط عمر ﵁، مشهورة بالشروط العمرية. شرحها العلامة ابن القيم في كتاب: أحكام أهل الذمة ٢/٦٥٧ وما بعدها. ٣ أخرج قصة إجلائهم وسبب ذلك الإمام البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄ في كتاب الشروط، باب: إذا اشترط في المزارعة إذا شئت أخرجتك: ٥/٣٢٧ح٢٧٣٠. ٤ كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد. . .". م: كتاب الإيمان، باب نزول عيسى ﵇ حاكما بشريعة نبينا محمد ﷺ ١/١٣٥ح٢٤٢. ٥ لأن عيسى ﵇ إذا نزل إنما يحكم بشريعة نبينا ﷺ، ووضعه الجزية - وهو عدم قبوله لها، إذ لا يقبل من الناس إلا الإسلام- لأن مشروعية قبولها مقيدة بنزول عيسى ﵇، كما دلّ عليه الخبر المتقدم، وليس عيسى ﵇ بناسخ لحكم الجزية بل نبينا ﷺ هو المبين للنسخ بقوله هذا. راجع النووي: شرح مسلم ٢/١٩٠٠. وهو إذا نزل ﵇ يكون تابعا لنبينا ﷺ وعلى ملته، لذا يصلي خلف المهدي ولا يتقدم للإمامة كما في حديث جابر: "فينزل عيسى بن مريم ﷺ، فيقول أميرهم: "تعال صل لنا" فيقول: "إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة". م: إيمان، باب نزول عيسى ٢/١٩٣، بشرح النووي. ٦ ساقطة من الأصل. ٧ م: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال: ٤/٢٢٥٢ح٢١٣٧، من حديث النواس بن سمعان ﵁.
[ ١١٢ ]
وكذلك أمْرهُ بالقعودِ في يوم الفتنة، وبالفرار إلى الجبَال في غَنَمِه١ِ، وباتِّخاذِ سيف من خشب٢.
وكُلُّ ذلك بحسب الأحْوالِ، على ما دَلَّتْ عليه النُّصُوص والعُمُومَات.
ومن ذلك: إذْنُه في دُخول حمَّاماتِ الأعاجم للرجل بمِئْزَرٍ، ومَنع المرأة منه، إلاَّ المريضة، والنُّفَسَاء٣، فَلاَ يُقَالُ: دُخُولُ الحمَّام بَدعة، فما كان في الحجاز حَمَّامٌ٤.
وكذلك المطاعم، والملابس، والدور، والزّيُّ٥، قال الله تعالى: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ ٦، وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ ٧.
_________________
(١) ١خ: كتاب الفتن، باب تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم: ١٣/٢٩ح٧٠٨١-٧٠٨٢من حديث أبي هريرة، وفي كتاب المناقب، باب علامات النبوة: ٦/٦١٢ح٣٦٠١. م: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب نزول الفتن: ٤/٢٢١٢ح٢٨٨٧من حديث أبي بكرة. ٢ت: كتاب الفتن، باب ما جاء في اتخاذ سيف من خشب في الفتنة: ٤/٩٠ح٢٢٠٣ من حديث أهْبان بن صيفي الغفاري ﵁. حم: ٥/٦٩. ٣د: كتاب الحمّام، باب (١): ٤/٣٠١ح٤٠١١ من حديث عبد الله بن عمر ﵄. وح٢٠٠٩ من حديث عائشة ﵂ في الإذن للرجال في الميازر وليس فيها ذكر النساء. جه: كتاب الأدب، باب دخول الحمام: ٢/١٢٣٣ح ٣٧٤٨ من حديث عبد الله بن عمرو ﵄. وح٣٧٤٩ في الترخيص للرجال في الميازر دون النساء. ٤ الجملة في الأصل غير واضحة اجتهدت في قراءتها على ما أثبت. ٥ في الأصل بالراء، ولعلها "والزّيّ " بالمعجمة كما أثبتُّ. ٦ سورة المائدة، آية: ٨٧. ٧ سورة الجاثية، آية: ١٣.
[ ١١٣ ]
ولمَّا عَافَتْ نفسه الزْكِيَّةُ أكْلَ الضَّبِّ ما حرَّمَه، واعتذر بأنْ لم يَكُنْ بأرض قومه١، وكان يُحبُّ الحلوى٢، والحُلُوَ البَارد٣، واللَّحْم٤، وأكَلَ الدّجَاج٥، والرُّطَبَ، والقِثَّاءَ٦، والطَّيِّبَاتِ التي بأَرضه، وتَزَوَّجَ ببضعِ عشْرةَ امرأة، ولَبسَ القميصَ٧، والعِمَامَةَ٨ والجُبَّةَ الضيِّقَة٩، وركبَ الفرس١٠،
_________________
(١) ١ خ: كتاب الأطعمة، باب الشواء: ٩/٥٤٢ح ٥٤٠٠، من حديث خالد بن الوليد ﵁. وباب الأقط: ٩/ ٥٤٤ح ٥٤٠٢ من حديث ابن عباس ﵄. وفي كتاب الذبائح والصيد، باب الضب: ٩/٦٦٢ ح ٥٥٣٦، من حديث ابن عمر ﵄، وح٥٥٣٧ من حديث خالد بن الوليد ﵁. م: كتاب الصيد والذبائح، باب إباحة الضب: ٣/١٥٤٣ح١٩٤٥ و١٩٤٦ من حديث خالد بن الوليد ﵁. ٢ انظر: خ: كتاب الأطعمة، باب الحلوى والعسل: ٩/٥٥٧ ح ٥٤٣١. ٣ انظر: ت: كتاب الأشربة، باب ما جاء في أيّ الشراب كان أحب إلى رسول الله ﷺ: ٤/٣٠٧ح١٨٩٥. حم: ٦/٣٨-٤٠. ٤ انظر: خ: كتاب الأطعمة، باب النهش وانتشال اللحم: ٩/٥٤٥ ح ٥٤٠٤ - ٥٤٠٥. ٥ انظر: خ: كتاب الذبائح والصيد، باب لحم الدجاج: ٩/ ٦٤٥ ح ٥٥١٧. ٦ انظر: خ: كتاب الأطعمة، باب القثاء بالرطب: ٩/ ٥٦٤ ح ٥٤٤٠. ٧ انظر: خ: كتاب اللباس، باب لبس القميص: ١٠/ ٢٦٦ح ٥٧٩٦. ت: كتاب اللباس، باب ما جاء لبس القميص: ٤/٢٣٧ح ١٧٦٢ وح١٧٦٣ و١٧٤٦ و١٧٦٦. جه: كتاب اللباس، باب لبس القميص: ٢/١١٨٣ح٣٥٧٥. ٨ ت: كتاب اللباس، باب ما جاء في لبس العمامة السوداء: ٤/٢٢٥ح١٧٣٥ وقال الترمذي: "حديث جابر حسن صحيح". جه: كتاب اللباس، باب إرخاء العمامة بين الكتفين: ٢/١١٨٦ح٣٥٨٧. ٩ انظر: خ: كتاب اللباس، باب من لبس جُبَّة ضيِّقة الكمين في السفر:١٠/٢٦٨ح٥٧٩٨. ١٠ فكان له ﷺ فرس يقال (اللُّحَيف) بالمهملة وقيل بالخاء المعجمة. خ: جهاد، باب اسم الفرس والحمارِ: ٦/٥٨ح٢٨٥٥.
[ ١١٤ ]
والنَّاقةَ١، والحِمَار٢، والبَغْلَةَ٣، ولا كان مع ذلك يُكْثِرُ من التَّنَعُّمِ والرَّفاهِيَة، وما خُيِّر بين اثنين أمرين إلاّ اختار أيسرهما٤ صلوات الله عليه وسلامه.
قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ ٥. وقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ ٦.
فاحْذَرِ الورَعَ الفاسِدَ، ولا تَكُنْ عَبْدَ شَهَوَاتِكَ.
وكان يَمْرَضُ ويَتَداوَى، ويَحرص على أدْويةٍ نافعة، وعلى الحِجَامَةِ٧.
ومما أًحْدِثَ: تَمْصِيُر الكوفةِ٨، والبصْرة٩، والمناير١٠، ووضْعُ الدَّواوين١١، وخزائن الأموال١٢، وأمثال ذلكَ مما فعله الخلفاء الراشدون، والأئمة، أو الأمَّةُ كلُّها.
_________________
(١) ١ انظر: خ: كتاب اللباس، باب إرداف المرأة خلف الرجل ذا محرم: ١٠/٣٩٨ح ٥٩٦٨. ٢ انظر: خ: كتاب اللباس، باب الارتداف على الدابة: ١٠/٣٩٥ح ٥٩٦٤. ٣ انظر: م: كتاب الجنة، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه: ٤/٢١٩٩ح٢٨٦٧. ٤ كما ورد من حديث عائشة ﵂ قالت:"ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما ". خ: كتاب المناقب، باب صفة النبي ﷺ: ٦/٥٦٦ح٣٥٦٠. ٥ سورة الطلاق، آية: ٧. ٦ سورة الأعراف، آية: ٣١. ٧ انظر: خ: كتاب الطب، باب السعوط: ١٠/١٤٧ح٥٦٩١، وباب أيّ ساعة يحتجم: ١٠/١٤٩ح٥٦٩٤، وباب الحجم في السفر والإحرام: ١٠/١٥٠ح٥٦٩٥. ٨ اختطها سعد بن أبي وقاص ﵁ بأمر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ سنة ١٧هـ. انظر: البلاذري: فتوح البلدان: ٢٧٤. ٩ مَصَّرَها الخليفة الراشد عمر الفاروق ﵁ سنة ١٤هـ. انظر: المصدر السابق ص ٣٤١. ١٠ وأول ما أحدثت في زمن معاوية بن أبي سفيان ﵄، ولم تكن قبل ذلك، كما ذكر السيوطي في الوسائل في مسامرة الأوائل ص ١٥ فقرة ٧٢. ١١ أول من وضع الدواوين، أمير المؤمنين عمر ﵁. انظر: ابن الجوزي: تاريخ عمر:١٢١. ١٢ وأول من اتخذ ذلك عمر أيضا ﵁، قال قتادة: "آخر مال قدم على رسول الله ﷺ ثمانمائة ألف درهم من البحرين، فما قام حتى أمضاه، ولم يكن للنبي ﷺ بيت مال، ولا لأبي بكر، وأول من اتخذ بيت المال عمر بن الخطاب". انظر: المصدر السابق ١١٩.
[ ١١٥ ]
و[إن] ١استدَلَّ مُتَكَلم على من أَنكر عليه بعض حجاجه، ومسائله، بأنَه بدعة؛ لأنَّ السلف لم ينقَل عنهم نهيك عن هذا، فلابُدَّ أن تجيبه بأن السًلفَ ما احتاجوا إلى النَهي، ودَلَتِ النُّصُوصُ على النَّهْىِ، فالنَهْي حَسَنٌ.
وأيضًا فإذا كان الَفعل بدعة، والبدعة ضلالةٌ، فهذا تناقض.
فالفعل إن ثبت حُسْنُه بأدلَّةٍ شَرعيَّةٍ، فالنَّهْيُ عنه بِدعةٌ، وإن لم يَدَّل عليه الشرع فهو بدعة، والنَّهْي عنه سُنَة.
ورُبمًا كان فَصْلُ الخطاب، أنَّ بعض الفعل حَسَن، وبَعْضُه سيّئ، مثاله: النَظَر والمُنَاظَرَةُ، فالجدالُ بالحسنى حَسَنٌ، ومِنْه مَذْمُومٌ، قال الله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٢، وقال تعالى يجمع الأمرين: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ ٣
فمن جادل في الحق بعد ما تبين فهو مَذْمُوم، سواء قصد نصر إمَامِه، أو هَوَاه، وجادل بلا علم.
ومنه قوله ﵇ في السُّنَنِ: "القُضاةُ ثلاثة: قاضيان في النَّارِ وقاضٍ في الجَنَّةِ، رَجُلٌ عَلِمَ الحق فقَضَى به فهو في الجنَّةِ، ورجلٌ قَضَى على جهلٍ فَهو في النارِ، ورَجُلٌ عَلِمَ الحَقَّ فقَضَى بخلافه، فهو في النَار" ٤
_________________
(١) ١ ليست في الأصل والسياق يقتضي إثباتها. ٢ سورة غافرِ، آية: ٤. ٣ سورة آل عمران، آية: ٦٦. ٤ د. كتاب الأقضية، باب في القاضي يخطئ: ٤/٥ح ٣٥٧٣ من حديث ابن بريدة عن أبيه. جه: كتاب الأحكام، باب الحاكم يجتهد: ٢/٧٧٦ح ٢٣١٥، من حديث ابن بريدة عن أبيه. ت: كتاب الأحكام، باب ما جاء عن رسول الله ﷺ في القاضي: ٣/٦١٣ح ١٣٢٢، باختلاف في لفظه. وصححه الشيخ محمد ناصرِ الدين الألباني في إرواء الغليل: ٨/٢٣٥ح ٢٦١٤.
[ ١١٦ ]
وكذلك الْمُفْتِي، والشَّاهد، والمفتي١، والمصنِّف، والمحدِّث، فمن تكلم بلا علم فجاهل، أو حَادَ عن الحقِّ فظالم، أو تكلم بعلم فله أجران إنْ أَصابَ، أو أجرٌ إِنْ أخطأ.
فمن جادل الخَصْمَ بحُجَجٍ صَحِيحة دَلَّ عليها النَّصُّ أو الإِجماع عند الحاجَةِ فَهُو مُحْسِنٌ إن صَلحت نِيَّتُه، وذلك من فُروض الكفايات والنّهْي عنه عدوان.
ومن جادل بلا حُجج، وأعرض عن النُّصُوص، ومَشَى مع رأيِهِ وهواه كما يفعله كثير من المتكلّمين، فهو من المذمومين لاسيَّما إذا أوقعه٢ حِجاجُه في التزام ما٣ يخالف الكتابَ والسُّنَّة، ونَهْيُه سُنَّةٌ حسنةٌ، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ٤، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ كذا في الأصل وهو تكرار. ٢ في الأصل (وقعه) . ٣ والأصل (مما) وما أتبت يقتضيه السياق. ٤ سورة النساء، آية: ٦٩. ٥ سورة النور، آية: ٥٤.
[ ١١٧ ]
[ما ينبغي للعالم فعله تجاه النوازل من المسائل]
فعلى العالِمِ أن يُفَتِّشَ على المسألة النازلة في كتاب الله، فإن لم يجد فَتَّشَ السًّنَن، فإن لم يجد نَظَرَ في إجماع الأمَّةِ. وهذا هو المجتهد المطلق، وأَنَّى يُوجدَ ذلك.
[الاستدلال بتركه، أو إقراره مع علمه ﷺ]
ومن الدّليل على مسائل عِدَّة: تركُهُ، أو إقرَاره مع علمه ﵇ بالمسألة كما يُسْتَدل بتركه الزكاة في الخضروات التي بالمدينة على عدم الوجوب١، وبتركه نَْهيَه للحَبَشَة عن الزَّفْن٢ في المسجد على الرُّخْصةِ٣، وبترك التأذين في العيد والكسوف، والاستسقاء على عدم الاستحباب٤، وأنه ليس بدين فما أمسك عن فعله، أو٥ الأمر به والنَّدْب، مع قيام المقتضي دَلَّ على أنه ليس بَحَسَن ولا بِرٍّ.
_________________
(١) ١ وقد استدل بذلك الإمام أحمد ﵀ وغيره من فقهاء الحديث، فلم يوجبوا في الخضروات زكاة، لما في الترك من عمل النبي ﷺ وخلفائه. راجع: المغني: ٤/١٥٨. والحديث الذي رواه الترمذي في كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة الخضروات ٣/٣٠ ح ٦٣٨: أن معاذ ﵁ كتب إلى النبي ﷺ يسأله عن الخضروات فقال: "ليس فيها شيء" قال عنه الترمذي: "ليس بصحيح، وليس يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء.. والعمل على هذا عند أهل العلم أن ليس في الخضروات صدقة" استدلالًا بتركه ﷺ الزكاة فيها. ٢ في الأصل (الدفن) وهو تصحيف، والزفْنُ: اللعب والدفع والرقص. انظر: ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث: ٢/٣٠٥. ٣ انظر: م: كتاب العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد: ٢/٦٠٩ ح ١٨-٢١. ٤ انظر: خ: كتاب العيدين، باب المشي والركوب إلى العيدين بغير أذان ولا إقامة: ٢/٤٥١ ح٩٥٩-٩٦٠. م: كتاب العيدين، ٢/٦٠٤ ح٨٨٦-٨٨٧. ٥ في الأصل (إذ) وهو تصحيف.
[ ١١٨ ]
وما أُحدِثَ بعده، وكَانَ بنا إليه حاجَةٌ فحَسَنٌ كفرض١ عمر للصحابة وغيرهم٢، وكالتراويح٣، وجَمْعِ الناس على مُصحف٤.
ثم خَلَف قومٌ اعْتَدوا في الجُوع، والسَّهَرِ، والرَّهْبَانِيَّةِ، وفي المسائل، والسماع، وفي بَذْلِ بُيوت الأموال لمَن شاءوا، ومَنْعِ المستحق، وتعدَّوا في العقوبات، والجور، واحْتَالُوا على الرِّبا، وبالغوا في نفيِّ الصِّفَات، أو في إثْبَاتها، وتَنَطَّعُوا، وزيّدوا٥، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله.
وقد يَفْعَلُ المُسْلِمُ بعضَ الأمور بنَوْعِ تَأْويلٍ فيخطئ، والله يغفر له، وقد يتوبُ، وينقاد للحق، أو له حَسَنات مَاحية.
وقد كَثُر المنكر والمُحْدَث، فَليَنْهَ٦ الفقيهُ عَمَّا أمْكَنَ من البدع بنِيَّةٍ خالصة، وليحذر٧ الغضبَ، فإن الفُرقة هَلَكَةٌ والجماعة رحمة. ويروى "أنه ما ابتدع قوم بدعة إلاّ رفع منهم من السنة مثلها".
[المشروع في استماع القرآن وأقسام من أعرض عنه]
شَرَعَ الله استماع القرآن، ونَدَبَ إليه، وذَمَّ من يُعرضُ عنه. فأعرض قوم
_________________
(١) ١ في الأصل (لعرض) وهو تصحيف. ٢ ذكر ابن الجوزي عن أبي هريرة رصي الله عنه أن عمر فرض للمهاجرين في خمسة آلاف، وللأنصار في أربعة آلاف، وفرض لأزواج النبي ﷺ في أثنى عشر ألفا. انظر: تاريخ عمر: ١٢١. ٣ تقدم قول عمر في جمع الناس عليها: "نعمت البدعة". ٤ حيث جمعهم الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ على مصحف واحد وأمر بتحريق ما سواه. انظر: المصاحف لابن أبي داود. ص ٢٦-٢٧. ٥ في الأصل رسمها أقرب إلى (الرا) بدال الدال. ٦ في الأصل (فليت) وَما أثبت يناسب السياق. ٧ في الأصل: بالتاء.
[ ١١٩ ]
عن حقيقته وفَهْمِه الذيَ يخشع له القلب، ثم صاروا لونين:
لونًا١: فتنوا واقتصروا على ظاهره، وعلى تلاوتِه أمانيّ كأهل الكتاب.
ولونًا: طلبوا رقَّةَ قلوبهم بسماع غيره كالرُّهبان.
وكُلٌ من الطائفتين يقول للأخرى: لستم على شيء.
ولا رَيْبَ مع كل منهما نوع من المشروع.
[وقوع التفريط في مسمى السنة والشرع]
وكذا وقع التفريطُ في مُسَمَّى السُّنَّةِ، حتى أخرج عنها بعضُ مسمَاها٢ وعُدَّ بدعة، وأُدخل فيها ما ليس منها بخبر منها قول شاذ.
وكذلك الشّرع أدخل في مُسَمَّاه أشياء في العبادات، والمعاملات، والأنكحةِ، والعقوبات، وغير ذلك مما فيه اختلاف فصار الشرع عند العَامِّي عبارة عَمَّا يحكم به قاض وإن كان جاهلا.
أمَّا الشَّرْعُ المُنَزَّل فما ثبت بالكتاب والسُّنَّة والإجماع.
وأما الشرع المُبَدَّل، كما يصدر من جهة الحًكَّام، والوكلاء٣، فالمنزَّل واجب، والثاني شائع٤، والثالث منهيُ عنه.
الطيّبَات، أحلها الله لنا وحَرَّمَ الخبائث.
فأما اليهود فبِظُلمٍ منهِم حَرَّم الله عليهم طيبات، وحمل عليهم آصارا ً كما
_________________
(١) ١ كذا في الأصل. ٢ في الأصل (مسمَّاه) وهو تحريف بيّن. ٣ كذا. ٤ كتبَت الكلمة بدون نقط، فتقرأ (شائع) وتقرأ (سائغ) .
[ ١٢٠ ]
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ﴾ ١ الآية.
فالمُحَرَّمُ خبيث: كالدِّم، والميْتَةِ، وأكْلِ مالٍ بالظُّلمِ، كالرِّبا، والقِمَار، وأكْلِ السم، والسِّبَاع، والرَّخَم، وكُلِّ حيوان خبيث الغِذَاء، إذ الاغتذاء به يورث الطبع بغيا، واعتداء.
وكذا الدَّم هو الحامل للاغتذاء به، يورث الطبع بغيًا واعتداء، لقوة الشّهوة، والغضب، وكذا الخمر، فالمحرمات تَضرّ المزاجَ والدِّينَ أو أحدهما.
[حد المعروف والمنكر]
وكذا من أكل فوق عادته يتضرر به، فالمعروف٢: كل صلاح وعدل وخير، والمنكر: كل فساد وبغي وظلم وفحش.
[حد الطيب والخبيث]
والطيب: كل حلال مريّ هنيّ، من كسب طيب.
والخبيث: كل حرام وبيِّ نكدٍ مؤذٍ، من كسب مُحَرَّم، قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ٣ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ ٤ وفي الحديث:
_________________
(١) ١سورة الأعراف، آية: ١٥٧ وتمامها: ﴿الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: الآية: ١٥٧) . ٢ في الأصل (كالمعروف) . ٣ في الأصل (ولا) . ٤ سورة المائدة، آية: ١٠٠.
[ ١٢١ ]
"الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، وما سكت عنه فهو مما عفي" ١.
[سماحة شريعتنا ورفع الآصار والأغلال عن هذه الأمة]
ونبينا ﷺ بُعث بالحنيفيّةِ السَّمحةِ، وبوضعِ الآصار والأغلالِ، وبإباحة طيبات كثيرة حُرِّمت على أهل الكتابين، فلله الحمد على دين الإسلام الحنيفي، فإنّه يسر، ورفق، ورحمةٌ للعالمين.
فأباح الله لنا الغنائم٢، ولَحْمَ الإبل٣، ومواكلةَ الحائض٤، وأَباح لنا
_________________
(١) ١ت: كتاب اللباس، باب ما جاء في لبس الفراء: ٤/ ٢٢٠ ح ١٧٢٦ من حديث سلمان ﵁، وقال الترمذي فيه: "وهذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه". جه: كتاب الأطعمة، باب أكل الجبن والسمن: ٢/١١١٧ ح ٣٣٦٧ من حديث سلمان بزيادة: (في كتابه) في الموضعين. وضعفه الشيخ الألباني، فقال: "وخلاصة القول: أن الراجح في هذا الحديث أنه موقوف كما جزم به أمير المؤمنين في الحديث (البخاري)، ولم نجد له طريقًا أخرى قوية نرجح بها المرفوع".. وأشار إلى أن في حديث "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو " الذي رواه الحاكم وصححه ٢/ ٣٧٥ وحسنه الألباني في غاية المرام ١٤/٥ ح ٢- ٣ غُنية عن الموقوف إذ هو في معناه. ٢ قال ﷿: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الأنفال:٦٩)، وقال ﷺ: " أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم". أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب قول النبي ﷺ: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" ٣/٥٣٣ح٤٣٨ من حديث جابر بن عبد الله ﵄. ٣ قال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (المائدة: من الآية١) . وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الأِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْن﴾ - إلى قوله- ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه﴾ (الأنعام: ١٤٤-١٤٥) . ٤ أخرج مسلم عن عائشة ﵂، قالت: "كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيَّ فيشرب، وأتعرَّقُ العَرَق وأنا حائض ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيَّ". كتاب الحيض، باب الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد:١/٢٤٥ح٣٠٠. وأخرج الترمذي عن عبد الله بن سعد قال: سألت النبي ﷺ عن مؤاكلة الحائض؟، فقال:"واكلها". كتاب الطهارة، باب ما جاء في مواكلة الحائض وسؤرها: ١/٢٤٠ح١٣٣. قال ابن كثير: "ويحل مضاجعتها ومؤاكلتها بلا خلاف". تفسير القرآن العظيم: ١/٣٧٩. وقد كان اليهود لا يواكلونهن، أخرج مسلم عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (البقرة: الآية:٢٢٢) آخر الآية، فقال رسول الله ﷺ: "اصنعوا كل شيء إلاّ النكاح" ١/٢٤٦ح٣٠٢كتاب الحيض.
[ ١٢٢ ]
العمل في السَّبْت١، وأربعًا من الزوجات، وعِدَّة من السراري٢، والعفو عن أثر الغائط٣، والتطهير بالتراب، والصلاة في الأرض إلا المقبرة والحمام٤، ولطف بنا في أشياء كثيرة، ووعدنا بإجابة الدعاء٥، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ٦.
وشرع لنا نبينا كُل عبادة تقربنا إلى الله، وعلّمنا ما الإِيمان، وما التوحيد.
_________________
(١) ١ وقد كان محرمًا على اليهود العمل في يوم الست، وقد مسخ الله جماعة منهم عملوا فيه قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (البقرة:٦٥) وكان من يعمل فيه يقتل عندهم، وقد جئ إلى موسى برجل وجد يحتطب في يوم السبت فأمر بقتله، كما جاء في سفر العدد: الإصحاح ١٥ فقرة (٣٣-٣٦) . ٢ فقال الله عز جل: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ﴾ (النساء: الآية:٣) . ٣ وقد كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم البول قرض موضعه، كما في حديث أبي موسى عن النبي ﷺ "كانوا- أي بني إسرائيل- إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم.." أخرجه: الإمام أحمد في المسند ٤/١٩٦.وأبو داود في السنن، باب الاستبراء من البول ١/٢٦. وهو في مسلم من كلام أبي موسى، طهارة رقم ٧٤. أما هذه الأمة فقد خفّف الله عنها، فيكتفي بغسل موضع البول كما صح عن النبي ﷺ. راجع كتاب الطهارة في الصحاح والسنن، وانظر مثلا سنن أبي داود ١/١٧١ح٢٤٧. ٤ قال ﷺ في حديث جابر المتقدم: " وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا". ٥ فقال ﷿: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: الآية:٦٠) . ٦ سورة إبراهيم، آية: ٣٤.
[ ١٢٣ ]
وتَركنا على البيضاء ليلها كنهارها، فأيُّ حاجةٍ بنا إلى البدع في الأقوال، والأعمال، والأحوال، والمحدثات.
ففي السنة١ كفاية وبركة، فيا ليتنا نَنْهَضُ ببعضها علمًا وعملًا، وديانة، ومعتقدًا.
[تفاوت البدع في الشر والخبث]
فَشَرُّ البدع وأخبثُها ما أخرجَ صاحِبَها من الإِسلام، وأوجبَ له الخلود في النَّار، كالنُصيْرِية٢، والباطِنِيَّةِ٣، ومن ادّعى٤ نُبَوَّةَ عَليٍّ، ثم بعدهم غلاة الرافضة٥، وغلاة الجهمية٦، والخوارج٧، وهؤلاء مُتَرَدَّدٌ في كفرهم. وكذا مَنْ صرّح بخلقِ القرآن، أو جَسَّم، أو جحد الصفات، أو شَبَّه الله بخلقه.
_________________
(١) ١ في الأصل: (الستر) وهو تحريف بيِّن. ٢ في الأصل: (المصرية) وهو تصحيف، وسميت نصرية نسبة إلى مؤسسها: أبي شعيب محمد بن نصير النميري (ت٢٧٠هـ)، ويقال لهم "النميرية" أيضا، وهي فرقة باطنية غالية، يقول اتباعها بألوهية علي بن أبي طالب ﵁، وأحلّوا كثيرًا من المحرمات. انظر في شأنها: الأشعري: المقالات: ١/٨٦، باسم"النميرية"، والبغدادي: الفرق بين الفرق: ٢٥٢، والشهرستاني: الملل والنحل: ١/١٨٨، والسكسكي: البرهان: ٦٧، والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة: ٥١١، وانظر: أحمد محمد جلي: دراسات عن الفرق في تاريخ المسلمين: ص ٢٤٣، ط: الأولى، فقد ذكر كلامًا عن أصل هذه الطائفة، وعقائدها، غير أنه في الطبعة الثانية للكتاب أضاف مبحثًا جديدًا تحت عنوان"النصيرية والشيعة الإمامية من ص و(٣٢٥-٣٣٠) "، ذكر فيه اجتماع وفد علماء شيعة إيران بعلماء النصيرية، وإصدارهم بيانا تضمن أن العلويين- شيعة، وأن"العلويين" و"الشيعة" كلمتان مترادفان مثل "الإمامية" و"الجعفرية" وأن مذهبهم هو المذهب الجعفري. ثم علق المؤلف على ذلك بقوله:"ولا شك أن هذه خطوة طيبة ينبغي الإشادة بها في سبيل تصحيح عقائد النصيرية من دائرة الغلو الخرافية الفاسدة التي كانوا يعتقدونها". مع أن المؤلف نفسه أثبت في الطبعة الأولى غلو"الإمامية" المتقدمين منهم والمعاصرين، في أئمتهم وأن لهم مقامًا لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل، كما أثبت غلو الإمامية في الحط على الصحابة وتكفيرهم.
[ ١٢٤ ]
فهل يصح بعد ذلك أن يشيد بانتقال النصيرية أو بعضهم إلى عقائد الإمامية، ويعدُّ ذلك خطوة في طريق تصحيح عقائد النصيرية، وهل هذا منهم إلا انتقال من غلو مقيت إلى غلو مثله، أو هو إضافة غلو إلى ما عندهم من الغلو.
وينبغي أن يتنبه إلى أن للمؤلف في هذه الطبعة الثانية إضافات في مواضع أخرى على ما في الطبعة الأولى، زلّ فيها قدمه - عفا الله عنا وعنه -، فندّها فضيلة شيخنا الدكتور علي بن محمد بن ناصر فقيهي في الدراسة التي أعدّها فضيلته عن طبعتي الكتاب وما وقع فيه المؤلف من مجانبة للحق فيما زاده في الطبعة الثانية في مواضع، نشرت هذه الدراسة في العدد (١٠١-١٠٢) من مجلة الإسلامية سنة ١٤١٤-١٤١٥.
٣ الباطنية: لقب اصطلاحي تندرج تحته اتجاهات لطوائف وفرق مختلفة، القاسم المشترك فيما بينها، أو الصفة العامة التي تجمعها: تأويل النص الظاهر بالمعنى الباطن.
قال الغزالي:" إنما لقّبوا بالباطنية لدعواهم أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجري في الظواهر مجرى اللّب من القشر، وذكر لهم ألقاب أخرى.
انظر في شأنها: البغدادي: الفرق بين الفرق: ١٨١، والشهرستاني: الملل والنحل: ١/١٩٢، والغزالي: فضائح الباطنية: ١١، واليافعي: ذكر مذاهب الفرق اثنتين وسبعين: ٨٩، والاسفرائيني: التبصير في الدين:١٤٠، وصابر طعيمه: دراسات في الفرق: ٧٥.
٤ في الأصل: "الدعى"وهو خطأ.
٥ تقدم التعريف بهم: (١٠٣) وفي الأصل (الرفضة) .
٦ تقدم التعريف بهم: (١٠٤) .
٧ تقدم التعريف بهم ص: (١٠١) .
[ ١٢٥ ]
ثم دونهم: القدرية١، ودعاة المعتزلة٢، ومَنْ ينقص٣ بأبي بكر وعمر٤، ثم من تنقّص بعثمان، وعلي، وعمّار، وعائشة رضي الله عنهم٥.
ثم دونهم الشيعة الذين يُحبّون الشيخين، وُيفَضِّلون عليًا عليهما٦، والزيدية٧.
فبدع العقائد تَتَنَوَّع أعاذك الله وإيَّانا منها.
وخلائق من كبار العلماء رحمةُ الله عليهم بَدَّعَ بعضُهم بعضًا، من الشافعيةِ، والحنفيةِ، والحنابلةِ، وأهلِ الأثرِ، وأهل الكلامِ، ومثبتةِ الصفات
١ وهم القائلون بنفي القدر وأن الله لم يقدر أفعال العباد ولم يخلقها، وتقدم أن روَّادَ هذا القول هم: سنسويه، ومعبد الجهني، وغيلان الدمشقي، ثم تبنَّاه المعتزلة ولُقِبوا بالقدرية لذلك. انظر ص (١٠٤) .
٢ المعتزلة: سمّوا بذلك نسبة إلى الاعتزال وهو: الاجتناب، وسبب تسْميتهم بذلك أن مقدمهم واصل بن عطاء (٨٠-١٣١هـ) لما أحدث القول بأن مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر وأنه في منزلة بين المنزلتين، اعتزل مجلس شيخه الحسن البصري (١١٠هـ) وأخذ يقرر مذهبه هذا ويدعو إليه، فسمّي هو ومن اعتزل معه بالمعتزلة انظر: الشهرستاني، الملل والنحل ١/٤٨. وزهدي جار الله، المعتزلة: ص ٢.
٣ كذا بالياء.
٤ وممن يتنقّص منهم الرافضة، فلهم فيهما أقوال شائنة أدناها تأخيرهما عن مرتبتهما، وأعلاها القول بتكفيرهما وبذلك تغلظت بدعتهم.
٥ وهم الخوارج انظر: السجزي، الرد على من أنكر الحرف والصوت: ص ٢١٨.
٦ وهؤلاء هم المفضِّلة إحدى طواف الشيعة قال. شيخ الإسلام ابن تيمية: عن شيعة علي: "كانوا ثلاث طوائف:
طائفة: غلت فيه كالتي ادّعت فيه الألوهية، وهؤلاء حرَّقهم بالنار.
وطائفة: كانت تسبّ أبا بكر، وكان رأسهم عبد الله بن سبأ، فلما بلغ عليا ذلك طلب قتله فهرب.
وطائفة كانت تفضّله على أبي بكر وعمر، قال - أي علي ﵁ -: "لا يبلغني عن أحد منكم أنه فضّلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حدَّ المفتري". الفتاوى: ٤/٤٠٧.
٧ الزيدية: إحدى فرق الشيعة. قال الأشعري: "وإنما سمُّوا"زيدية" لتمسكهم بقول"زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكذا زيد بن علي يُفضّل علي بن أبي طالب على سائر أصحاب رسول الله ﷺ، ويتولى أبا بكر وعمر، ويرى الخروج على أئمة الجور". المقالات: ١/١٣٦.
[ ١٢٦ ]
القرآنية لا الخبرية١، ومثبتةِ السبع٢ دون غيرها، ومثبتةِ ما ثبت من٣ الأخبار دون ما حَسُن، على اختلاف آرائهم، ومبالغة بعضهم في التنزيه، والتأويل، أو مبالغة بعضهم في الإقرارِ والإمرارِ، وذَمِّ التأويل، فبَيْنَ هؤلاء نزاع، وخلاف شديد مع إيمانهم الكل٤ بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث، والقدر، والانقياد٥ للكتاب، والصحاح، والإِجماع، وتعظيم الرّب، وإجلاله، ومراقبته، والانقيّاد لرسول الله ﷺ، والخضوع له، والمحافظة على الفرائض، والطهارة، والابتهال إلى الله في الهدى والتوفيق، مع الذكاء والعلم.
وبعضهم يتعجّب من بعض كيف خالف في تأويل٦ الصفات، كما يتعَجَّبُ الآخر منه ومن سعة علومه كيف جمد على إثباتها وأَقَرَّهَا. وبعضهم يتعْجَّبُ مِنْ هؤلاء ومِن هؤلاء كيف لم يسكتُوا كما سكت الجمهور، وفوّضوا ذلك إلى الله ورسوله، حتى إن التلميذَ يتعجَّب من شيخه، والمفضولَ منهم مِنَ الأفضل، ونحن نرجو للجميع العفو والمغفرة، ويعد خطأهم٧ مع بذل
_________________
(١) ١ وهؤلاء هم أكثر متقدمي المتكلمين من الأشاعرة، يثبتون الصفات السمعية القرآنية كالوجه واليد،.. وأما ما لا يرد إلا في الحديث فأكثرهم - أي المتقدمين- لا يثبتها، وأما متَأخروهم فأكثرهم يتأوّل جميع الصفات الخبرية، القرآنية منها والحديثية. انظر:. ابن تيمية، الفتاوى: ١٢/٣٢. وعبد الرحمن المحمود، موقف ابن تيمية من الأشاعرة: ص ١٢٢٤، ط: الأولى ١٤١٥هـ، نشر مكتبة الرشد. ٢ في الأصل (السبعة) والمراد بها: الصفات السبع التي يثبتها جميع الأشاعرة وهي: (العلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، والحياة) أثبتوها لأن العقل دل عليها، ثم إنهم لما وجدوا السمع وافق العقل في هذا احتجوا به، وهذا خلاف منهج السلف الصالح -﵏- الذي يقوم على الإقرار بما ورد في الكتاب والسنة وإن لم نعلمه بعقولنا. انظر: عبد الرحمن المحمود، المصدر السابق: ص ١٠٤٩، ١٠٥١. وراجع: ابن تيمية، شرح الأصفهانية: ص١٢، تقديم: مخلوف. ٣ في الأصل (من) مكررة. ٤ كذا في الأصل والجملة مضطربة، ولعل صحتها (إيمان الكل) . ٥ في الأصل: الدال ساقطة. ٦ في الأصل (التأويل) . ٧ كذا في الأصل ولعل الصواب (خطؤهم) أو لعل الكلمة التي قبلها (ونعُدُّ) بالنون.
[ ١٢٧ ]
الوسع، وحسن النية في الأصول والفروع شيئًا واحدًا١، أعني أرباب هذا النوع، الذين لا مَحِيْدَ لهم عن الكتاب والسًّنة.
[بدع العبادات والعادات]
وأمَّا بدَعُ العبادات، والعادات، فخطبها يسير، وكتلاوة٢ جماعة بتطريب٣، وأذانهم٤، وصلاة النصف٥، والحلاوة فيه، وأمثال ذلك من الشعارات، والهيئات، والنِّيَّات، والحوادث وأشباه ذلك، ولكنّ الخير كله في الإتّباع واجتماع الكلمة.
_________________
(١) ١ أي: إنه من باب الاجتهاد الذي يؤجر صاحبه مع خطئه فيه، لاجتهاده وحسن نيته في طلب الحق. فهذا يعذر ويؤجر، ولكن من تبين له من أتباع هؤلاء مذهب السلف ومنهجهم في إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الصفات، وجب عليه اتباعه، ولا عذر له في اتباع أئمته على اجتهادهم بعد تبين خطئهم، وثبوت رجوع أكثرهم عند موتهم وفي آخر حياتهم. ٢ كذا بالعطف في الأصل، ولعل الواو زائدة. ٣ في القراءة بالتطريب قولان: أحدهما: المنع والكراهة. والثاني: الجواز. فقد روي منع ذلك وكراهته عن بعض أئمة السلف، كأنس بن مالك ﵄، والإمام أحمد والإمام مالك، وسعيد بن المسيب وغيرهم. وروي الجواز عن عمر وابن عباس، وابن مسعود ﵃، والإمام أبي حنيفة وأصحابه. ذكر القولين الإمام ابن القيم، وذكر أدلة كل قول، ثم ذكر أن فصل النزاع في المسألة: أن التطريب على وجهين: أحدهما: ما اقتضته الطبيعة من غير تكلف ولا تمرين، فذلك جائز حتى وإن أعان طبيعته بفضل تزيين وتحسين كمال قال أبو موسى الأشعري ﵁ للنبي ﷺ: "ولو علمت أنك تسمع لحبرته تحبيرا". قال: وهذا الذي كان السلف يفعلونه، ويستمعونه، وهو التغنّي الممدوح، وعلى هذا الوجه تحمل أدلة أرباب هذا القول كلها.- أي أدلة المجيزين -. والوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع وليس في الطبع السماحة به، بل لا يحصل إلاّ بتكلف وتصنّع وتمرّن، كما تتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركبة على
[ ١٢٨ ]
إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة لا تحصل إلا بالتعلم والتكلف، فهذه هي التي كرّهها السلف، وعابوها، وذمّوها، ومنعوا القراءة بها، وأنكروا على من قرأ بها، وأدلة أرباب هذا القول - أي المانعين- إنما تتناول هذا الوجه". انظر: زاد المعاد: ١/٤٨٤-٤٩٣.
٤ التطريب في الأذان: هو التغني به بحيث يؤدي إلى تغيير كلماته وكيفياتها، ونقص بعض حروفه، أو زيادة فيها محافظة على توقيع الألحان. فهذا - بدعة - لا يحلّ إجماعًا.
والأذان الجماعي: هو المعروف بالأذان السلطاني، وأول من أحدثه هشام بن عبد الملك، ولا خلاف في أنه مذموم مكروه لما فيه من التلحين والتغني وإخراج كلمات الأذان عن أوضاعها العربية وكيفياتها الشرعية. انظر: علي محفوظ، الإبداع في مضار الابتداع: ص ١٧٦.
٥ لعل مراد المؤلف: صلاة النصف من الشعبان.
وهي من البدع التي أحدثت، وقد رويت أحاديث في فضل هذه الصلاة كلها موضوعة. انظر: ابن الجوزي، الموضوعات: ٢/١٢٧. وراجع عن هذه البدعة: الطرطوشي، الحوادث والبدع: ٢٦١-٢٦٧. ورسالة "التحذير من البدع" لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: ص ١١-١٦.
[ ١٢٩ ]
[مشابهة أهل الذمة في أعيادهم وحكم ذلك]
أما مشابهة الذِّمة في الميلاد١، والخميس٢، والنيروز٣، فبدعة وحشة.
فإن فَعلها المسلم تديُّنًا فجاهل، يزجر وُيعَلَّم، وإن فعلها حُبًّا [لأهل الذِّمة] ٤ وابتهاجًا بأعيادهم فمذموم أيضًا، وإنْ فعلها عادةً ولعبًا، وإرضاءً لعياله، وجبرًا لأطفاله فهذا محل نظر، وإنما الأعمال بالنيَّات، والجاهل يُعذر ويبين له برفق، والله أعلم.
وكتبت هذه النسخة من خط مُؤلِّفها الحافظ الذهبي وقوبلت على خطِّه.
_________________
(١) ١ المراد به: اليوم الذي ولد فيه عبد الله ورسوله عيسى بن مريم عليه وعلي نبينا أفضل الصلاة والسلام. انظر: المقريزي، الخطط: ١/ ٤٩٤. ٢ "الخميس ": عيد من أعياد النصارى، ويسمونه الخميس الكبير، وذلك أن الأسبوع الذي يقع في آخر صوم النصارى يسمون خميسه الخميس الكبير، ويسمى: خميس البيض، لأنهم يصنعون لأولادهم فيه البيض ويصبغونه، لأنهم فيه يأكلون ما يحرج من الحيوان من لحم ولبن وبيض، إذ صومهم هو عن الحيوان وما يخرج منه، وإنما يأكلون في صومهم الحب وما يصنع منه. ويزعمون أن في مثله نزلت المائدة على عيسى ﵇، فهو يوم عيد المائدة. انظر: اقتضاء الصراط المستقيم ١/٤٧٨-٤٨٠. وللمؤلف ﵀ رسالة في هذا اليوم وإنكار تشبه المسلمين بالنصارى فيه سماها "تشبه الخسيس بأهل الخميس " طُبعت بتحقيق: علي حسن عبد الحميد، نشرتها دار عمار في الأردن عام ١٤٠٨ هـ. ٣ النيروز: بفتح النون: كلمة فارسيهَ معَربة، وأصلها في الفارسية " نوروز" وهي لفظة مركبة من كلمتين: أولاهما " نو" بفتح النون وضمها، ومعناها الجديد، وثانيهما " روز" وتفسيرها: اليوم، فمعناها: اليوم الجديد. وهو عيد من أعياد الفرس، ويُعد أعْظم أعيادهم، ويقال: إنّ أول من اتخذه " جمشيد " أحد ملوك الفرس الأول، ويقال فيهْ "جمشاد ".
[ ١٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) والنيروز: أول أيام السنة الفارسية، ويستمر خمسة أيام بعده. ويحتفل أقباط مصر بالنيروز، وهو أول سنتهم، وهو المعروف بعيد شم النسيم. قال المؤلف ﵀ في رسالة "تشبه الخسيس بأهل الخميس" ص ٤٦: "فأما النيروز، فإن أهل مصر يبالغون في عمله، ويحتفلون به، وهو أول يوم من سنة القبط، ويتخذون ذلك عيدًا، يتشبه بهم المسلمون وهو أول فصل الخريف". راجع عن هذا اليوم: الخطط للمقريزي:١/٤٩٤. والأزمنة والأمكنة، للمرزوقي: ٢/٢٨٨. ومقدمة عبد السلام هراس لكتاب النيروز لأبى الحسين أحمد بن فارس، ضمن كتاب: نوادر المخطوطات: ٢/٤ وما بعدها. ٤ في الأصل العبارة هكذا: (حبّا لله ذمه ) .
[ ١٣١ ]