الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
فإن الإتباع، والابتداع، أمران لهما أثرهما في صحة عقيدة المرء أو فسادها، وفي قبول العمل أو رده.
وقد أمرنا الله ﷿ باتباع نبيه ﷺ، وجعل ذلك آية محبته فقال ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله﴾ ١، وقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ٢.
وأوصى نبيُّنا ﷺ أمته باتباع سنته وسنة الخلفاء المهديين من بعده فقال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ٣.
فأرشد ﷺ أمته إلى سبيل نجاتها عند وقوع الاختلاف، وهو الإتباع والتمسك بالسنن، وحذرها من الضلالة والبدعة والإحداث في الدين.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: آية ٣١. ٢ سورة الأنعام: آية ١٥٣. ٣ سيأتي تخريجه ص ٩٥.
[ ٥٥ ]
والنصوص في هذا المعنى كثيرة متضافرة، في الكتاب، والسنة، وأقوال السلف، من الصحابة، والتابعين، وأئمة السلف في كل عصر.
ولا يزال أهل الحق والسنة، من علماء هذه الأمة، يدعون إلى ما دعا الله ﷿ إليه في كتابه، وإلى ما دعا إليه رسوله ﷺ، وأقوالهم في ذلك مدونة مسطورة، وآثارهم مشهورة، في سيرهم وأخبارهم، ولبعضهم مؤلفات خاصة في ذلك.
ولقد وقفت على مؤلف لطيف في هذا الشأن، لإمام من أئمة أهل السنة والإتباع، ذلكم هو الإمام أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي ﵀.
وما إن انتهيت من مطالعته وقراءته، حتى عزمت على إخراجه، لما حواه مع لطافته وصغر حجمه، من فوائد عزيزة، وتأصيلات في هذا الشأن مفيدة، صاغها الإمام الذهبي ﵀ بأسلوب مميز فريد، تلمس فيه صدق النصح لهذه الأمة، والحرص على هداية من انحرفت به السبل منها، في رفق ولين، مع غيرة على السنة والدين.
ولئن كانت النسخة التي وقفت عليها خلت من ذكر اسم هذا المؤلَّف وعنوانه، إلا أن موضوعه، يدور حول الاتباع والتحذير من الابتداع، مما جعلني أرجح أن يكون هو كتاب "التمسك بالسنن " الذي ورد ذكره ضمن مؤلفات الإمام الذهبي١.
وقد جعلت العمل فيه في قسمين:
القسم الأول: دراسة عن المؤلف، والكتاب، في تمهيد ضم فصلين.
الفصل الأول: في التعريف بالمؤلف تضمن:
_________________
(١) ١ وانظر: ص ٨١ لمزيد الإيضاح عن اسم الكتاب.
[ ٥٦ ]
أولًا: اسمه.
ثانيًا: نسبته.
ثالثًا: مولده.
رابعًا: طلبه العلم وارتحاله إليه.
خامسًا: مكانته العلمية وثناء الناس عليه.
سادسًا: مصنفاته.
سابعًا: جهوده في الدعوة إلى السنة ومحاربة البدعة.
ثامنًا: وفاته.
الفصل الثاني: في التعريف بالكتاب ووصف النسخة الخطية، وعملي في الكتاب، على النحو التالي:
* التعريف بالكتاب.
أولًا: اسمه.
ثانيًا: توثيق نسبته للمؤلف.
ثالثًا: موضوع الكتاب.
* وصف النسخة المعتمدة في التحقيق.
* عملي في الكتاب.
القسم الثاني: تحقيق الكتاب.
وقد بينت عملي فيه في الفقرة المشار إليها قبل.
وإذ أقدم هذا الكتاب لأرجوا الله مخلصًا أن ينفع به من اطلع عليه، وأن يجعل عملي المتواضع فيه خالصًا لوجهه تعالى، وأن يصلح العمل والنية، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه/ د. محمد باكريم محمد باعبد الله
٢/٩/١٤١٥هـ
[ ٥٧ ]