بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ﷺ.
[ذم البدعة] *١
اعلم أن البدعة مذمومة في الجملة، قال تعالى: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٢، وقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ ٣، "قال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ ٤.
فاتِّبَاع ما جاء به الرسول ﷺ أصلٌ ونورٌ، مخالفته ضلال ووبال، وابتداع ما لم يأذن به ولا سَّنهُ، مردودٌ.
[روى] ٥جعفر بن محمد٦، عن أبيه٧ عن جابر٨ أن النبي ﷺ قال في
_________________
(١) ١ العناوين بين قوسين مربعين من وضع المحقق وليست من النص. ٢ سورة الشورى، آية: ٢١. ٣ سورة الأنعام، آية: ١٥٣. ٤ سورة القصص، آية:٥٠. ٥ ما بين المعوقتين ليس في الأصل زيدت لاقتضاء السياق. ٦ هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله، المعروف بالصادق، صدوق، فقيه، إمام، مات سنة ١٤٨. ابن حجر: القريب ١/١٣٢. ٧ محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، ثقة، فاضل، مات سنة بضع عشرة ومئة. المصدر نفسه ٢/١٩٢. ٨ هو جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري، ثم السلمي، صحابي ابن صحابي، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن ٩٤سنة. ابن حجر: الإصابة ٢/٤٥ والتقريب ١/١٢٢.
[ ٩٣ ]
خُطبته: "إنَّ أصدق الحديث كلامُ الله، وخيرَ الهُدى هُدَى محمد، وشَرَّ الأمور محدثاتُها، وكُلّ بدعةٍ ضلالةٌ" ١.
وفي رواية ابن المبارك٢عن الثوري٣ عن جعفر: "وكل محدثة بدعة، وكل ضلالة في النار" ٤.
وحديث العرباض٥، وصححه الترمذي، قال: "خطبنا رسول الله ﷺ خطبة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: "يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها
_________________
(١) ١ م: كتاب الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة ٢/٥٩٢ح٨٦٧ بلفظ: (فإن خير الحديث كتاب الله ) . البيهقي: السنن، كتاب الجمعة، باب: كيف يستحب أن تكون الخطبة ٣/ ٢١٤. حجه: المقدمة، باب: اجتناب البدع والجدل ١/١٧، ح ٤٥ ولفظه: (فإن حير الأمور كتاب الله ) . ٢هو: عبد الله بن المبارك المروزي، مولى بني حنظلة، ثقة، ثبت، فقيه، عالم، جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، مات سنة ١٨١،وله ٦٣سنة. ابن حجر: التقريب١/٤٤٥. ٣ هو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله، الكوفي، ثقة، حافظ، فقيه عابد، إمام حجة، وكان ربما دلّس، مات سنة ١٦١وله ٦٤سنة. المصدر نفسه:١/٣١١. ٤ كتاب صلاة العيدين، باب: كيف الخطية ٣/١٨٨ وفيه بعد: (وكل محدثة بدعة) (وكل بدعة ضلالة) . وقال الألباني: صحيح. صحيح سنن النسائي:١/٣٤٦ ح١٤٨٧. ٥ هو: عرباض بن سارية السلمي، أبو نجيح، صحابي مشهور، من أهل الصفة، نزل حمص، ومات بعد السبعين. ابن حجر: الإصابة ٦/٤١٠، والتقريب ٢/١٧.
[ ٩٤ ]
بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" ١.
ورُوِيَ عن غُضَيف بن الحارث٢ مرفوعًا: "ما ابتدع قوم بدعة إلاّ تركوا من السنة مثلها" ٣.
وجاء في الأثر: "كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة" ٤.
_________________
(١) ١ ت: كتاب العلم، باب: ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع: ٥/ ٤٤ح ٢٦٧٦ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. د: كتاب السنة، باب: لزوم السنة: ٥/١٣ ح ٤٦١٧. حم: ٤/١٢٦. جه: المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين: ١/ ١٥ ح ٤٢. دي: المقدمة، باب اتباع السنة: ١/٤٤. وأخرجه ابن أبي عاصم في: السنة: ١/١٨-١٩، ٢٩. وقال الشيخ الألباني: إسناده صحيح، ورجاله ثقات. ٢ غضَيف بن الحارث السَّكُوني، ويقال: الثُمالي، يكنى أبا أسماء، مختلف في صحبته، مات سنة بضع وستين. ابن حجر: التقريب ٢/ ١٠٥. ٣ حم: ٤/ ١٠٥، ابن بطة: الإبانة: ١/ ١٧٦ ح١٠ وقال محققه: الحديث ضعيف. اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ١/ ٩٠ ح ١٢١، وقال محققه: سنده ضعيف، فيه: أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف. المروزي: السنة: ص٢٧. والحديث مداره على "أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم " قال فيه الحافظ في التقريب: ٢/٣٩٨ "ضعيف ". وقال الهيثمي: "منكر الحديث " مجمع الزوائد: ا/ ١٨٨. وقال الألباني: في حاشيته على المشكاة "ضعيف ". وقول الحافظ ابن حجر في الفتح ١٣/٢٥٣، عن سند أحمد: "إنه جيّد" - مع أن فيه أبا بكر بن عبد الله بن أبي مريم وقد ضعفه هو في التقريب كما تقدم - عجيب. ٤ أخرجه: اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة، من قول ابن عمر ﵄ ١/٩٢ ح١٢٦. والمروزي: السنة: ص ٢٤.
[ ٩٥ ]
تفسير هذه الإطلاقات:
فإن النزاع يقع في أشياء هل هي [محبوبة] ١ أو هي مذمومة؟.
فطائفة ذَمَّتْهَا؟ لأنها بدعة، وأخرى لا تَذُمُّ، ويقولون: "مِنَ البدع حسنٌ وسيئُ، وهذه من الحسن".
وقد تَعُدُّ طائفةٌ الشيء بدعةً ولا تشعر بأنَّه جاء فيه أَثَرٌ.
وكذلك عامةُ الطوائف تَدَّعي أَنَّها أهل السُّنة، وتُبَدِّعُ مَنْ خالفها.
[تعريف السنة]
فنقول: السُّنَّةُ التي هي مقابلة البدعة، هي الشرعةُ المأثورةُ، من واجب ومندوب/، وصنَّفَ خلائقُ من المحَدِّثين كُتبًا في السُّنَّة، والعقائد، على طرائق أهل الأثر، وسمى الآجري٢ كتابَه: (الشريعة) ٣.
[تعريف البدعة]
فالبدعة على هذا: ما لا يأمر الله به ولا رسوله، ولم يأذن فيه، ولا في أصله.
فعلى هذا: كُلّ ما نهى الله ورسوله عنه فهو من البدعة.
أما المباحُ المسكوتُ عنه فلا يُعَدُّ سنةً ولا بدعةً، بل هُما مِمَّا عفا الله عنه.
_________________
(١) ١ ليست في الأصل زدتها لاقتضاء السياق، واللفظة مأخوذة من قول المؤلف عند تفصيله القول في ذلك حيث قال: "كما أن السنة المحبوبة " ص٩٧. ٢ وهو أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري، له تصانيف كثيرة، منها: كتاب: "الشريعة" و"الرؤية" وغيرهما، توفي بمكة سنة٣٦٠هـ. ٣ طبع بتحقيق الشيخ: محمد حامد الفقي.
[ ٩٦ ]
وفي السنن لسلمان١ مرفوعًا: "ما سكَت الله عنه فهو مما عفا عنه"٢.
حديث أبى ثعلبة٣ مرفوعًا: "وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها"٤.
فكل ما سكت الشارع عنه هل يسمى حلالًا أو عفوا؟، فيه قولان للعلماء.
فالبدعة المذمومة، لابُدَّ أن تندرجَ في القسم المذموم محرمة كانت أو مكروهة.
كما أن السنة المحبوبة مندرجة في القسم المحمود.
[منشأ النزاع في تحديد مفهوم البدعة]
وإنما نشأ النزاع من جهة قوم ظَنُّوا أن البدعة هي ما لم يفعله النبي ﷺ وأصحابه، والتابعون، أو لم يقولوه.
_________________
(١) ١هو أبو عبد الله، سلمان الفارسي، ويقال: سلمان الخير، أصله من رام هرمز، وقيل: من أصبهان، أول مشاهده الخندق، مات سنة ٣٤ ويقال: بلغ ثلاثمائة سنة. ابن حجر: الإصابة ٤/٢٢٣. ٢ ت: كتاب اللباس، باب: ما جاء في لبس الفراء: ٤/٢٢٠ح١٧٢٦، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلاّ من هذا الوجه"، قال: وروى سفيان وغيره عن سليمان التميمي عن أبي عثمان عن سلمان قوله: "وكأن الحديث الموقوف أصح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أراه محفوظا". وأخرجه الحاكم: المستدرك ٤/١١٥ وقال: "هذا حديث مفسر في الباب، وسيف بن هارون -راوي الحديث عن سليمان التميمي- لم يخرجاه"، وقال الذهبي: "ضعفه جماعة". البيهقي: السنن ١٠/١٢. ٣ في الأصل (أبي نغيله) وهو تصحيف، وهو أبو ثعلبة الخشني. ٤ الحاكم المستدرك ٤/١١٥، وسكت عليه الذهبي. البيهقي: السنن ١٠/١٢ موقوفًا على أبي ثعلبة الخشني، قال البيهقي: "وأنبأنيه شيخنا أبو عبد الله الحاكم في المستدرك، وأشار إلى رفعه الدارقطني / السنن، كتاب الرضاع: ٤/١٨٣-١٨٤ح٤٢. وحسنه ابن رجب في: جامع العلوم والحكم٢/١٥٠.
[ ٩٧ ]
والرسول صلوات الله عليه يتَحتَّمُ اتِّبَاعُه، فلا يمكن أن يكون قوله أو فعله بدعة ًقط، بل هو سنة، فتراهم تارة يقتصرون في البدعة على ما لم يصدر عنه، وتارة يَضُمُّونَ إليه الخلفاء الأربعة، وتارةً يَضُمون إليه البدرييّن، وتارة الصحابة، وتارةً الأئمةَ، وتارة السَّلف.
[فما من أحدٍ] ١ من هؤلاء إلاّ مَن هو متبوع في شيءٍ، لأنه من أُولي الأمر.
فإذا كان متبوعًا إِمَّا شرعًا، وإِمَّا عادةً، احتاج إيجاد البدعة إلى أن يُخْرَجَ ما يتبع فيه عن أن يكون بدعة.
ثم لمّا اعتقد هذا خلق صاروا يتنازعون بعد٢ في بعض هذه الأمور التي لم يفعلها المتبوع.
[البدعة كلها سيئة]
فقوم يرونها كلَّها سيئة، أخذًا بعموم النص في قوله: "كل بدعة ضلالة"، فهؤلاء وقفوا مع النص؛ لأنّه٣ لابد لمن سلك هذا أن يقول: "ما ثبت حسنه من هذه البدع فقد خص من العموم، أو يفرق بين البدعة اللغوية والبدعة الشرعية".
وهذه الطريقة أغلب على الأثريَّةِ، وذلك أشبه بكلام أحمد ومالك. لكن قد يُغَلِّظُون٤ في مسمى البدعة.
_________________
(١) ١ في الأصل (فمن أخذ) وما أثبت يقتضيه السياق. ٢ كذا، ويحتمل رسمها أن تكون (بعض) على أنه لا معنى لها حينئذ فتكون زائدة. ٣ في الأصل (لأن) . ٤ كذا في الأصل بالظا، ويحتمل أن تكون بالطا.
[ ٩٨ ]