" باب الشفاعة " وقول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] [الأنعام: ٥١] .
وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] [الزمر: ٤٤]، وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [البقرة: ٢٥٥] .
وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] [النجم: ٢٦] .
وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ - وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣] [سبأ: ٢٢ -٢٣] .
قال أبو العباس - ﵀: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونا لله، ولم يبق إلا الشفاعة فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [الأنبياء: ٢٨]، فهذه
_________________
(١) [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢١٠ ]
الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، «وأخبر النبي ﷺ أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة أولا ثم يقال له: ارفع رأسك وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع» (١) «وقال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك قال ﷺ " من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه» (٢) فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله تعالى ولا تكون لمن أشرك بالله، وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه وينال المقام المحمود.
فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع. وقد بين النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه.
فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيات.
الثانية: صفة الشفاعة المنفية.
الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة.
الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى، وهي المقام المحمود.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٤٠) ومسلم (١٩٤) .
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٧٠) .
[ ٢١١ ]
الخامسة: صفة ما يفعله ﷺ أنه لا يبدأ بالشفاعة، بل يسجد، فإذا أذن له شفع.
السادسة: من أسعد الناس بها؟
السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله.
الثامنة بيان حقيقتها.
_________________
(١) [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] آخر شيئا، فجاءه ليشفع له: فقد صار - بذلك - شفعا له: فسميت شفاعة؛ لأن صاحب الطلب أصبح شفعا، بعد أن كان فردا. والشفاعة هي: الدعاء. وطلب الشفاعة هو: طلب الدعاء، فإذا قال قائل: أستشفع برسول الله، فكأنه قال: أطلب من الرسول ﷺ أن يدعو لي عند الله. فالشفاعة طلب؛ فمن استشفع فقد طلب الشفاعة، والخلاصة: أن الشفاعة دعاء، وهي: طلب الدعاء أيضا، وقد سبق أن قررنا أن كل دليل ورد في الشرع على إبطال أن يدعي مع الله - جل وعلا - إله آخر، فإنه يصلح أن يكون دليلا على إبطال الاستشفاع بالموتى الذين غابوا عن دار التكليف؛ لأن حقيقة الشافع - كما تقدم آنفا - أنه طالب ولأن حقيقة المستشفع أنه طالب أيضا، فالشافع في ظن المستشفع يدعو، والمستشفع يدعو من أراد منه الشفاعة، يعني: إذا أتى آت إلى قبر نبي، أو قبر ولي أو نحو ذلك، فقال: أستشفع بك، أو أسأل الشفاعة، فمعناه أنه طالب منه، ودعا أن يدعو له؛ فلهذا كان صرفها، أو التوجه بها إلى غير الله - جل وعلا - شركا أكبر؛ لأنها في الحقيقة دعوة لغير الله، وسؤال من هذا الميت، وتوجه بالطلب والدعاء منه. فإذا عرفت معنى الشفاعة، وحكم طلبها من الأموات، وأن ذلك شرك أكبر: فاعلم أن الأحياء الذين هم في دار التكليف يجوز طلب الشفاعة منهم؛ بمعنى: أن يطلب منهم الدعاء، لكن قد يجاب دعاؤهم، وقد لا يجاب، وهذا كما حاصل في شفاعة الناس بعضهم لبعض، بالشفاعة الحسنة، أو بالشفاعة السيئة، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: ٨٥] [النساء: ٨٥]، وقال: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ [النساء: ٨٥] [النساء: ٨٥]، فهذا يحصل لكن من
[ ٢١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] الأحياء؛ لأنهم في دار تكليف ويقدرون على الإجابة، وقد أذن الله في طلب الشفاعة منهم؛ ولهذا كان الصحابة في عهد النبي ﷺ ربما أتى بعضهم النبي ﵊ وطلب أن يشفع له، يعني: أن يدعو له. فمسألة الشفاعة من المسائل التي تخفي على كثيرين بما في ذلك بعض أهل العلم؛ ولذا وقع بعضهم في أغلاط، في مسألة طلب الشفاعة من النبي - ﵊ - كما فعل النووي وابن قدامة في المغني وغيرهما. وهذا لا يعد خلافا في المسألة؛ لأن هذا الخلاف راجع إلى عدم فهم حقيقة هذا الأمر، ومسألة الشفاعة مسألة فيها خفاء؛ ولهذا يقول بعض أهل العلم من أئمة الدعوة ﵏: إقامة الحجة في مسائل التوحيد تختلف بحسب قوة الشبهة، فأقل الشبهات ورودا، وأيسر الحجج قدوما على المخالف هو فيما يتعلق بأصل دعوة غير الله معه، وبالاستغاثة بغير الله، والذبح لغيره، ونحو ذلك. ومن أكثرها اشتباها - إلا على المحقق من أهل العلم - مسألة الشفاعة؛ ولهذا فإن الشيخ - ﵀ - أتى بهذا الباب، وقال: " باب الشفاعة " وبين لك - بما ساق من الأدلة من الكتاب والسنة - أن الشفاعة التي تنفع لا تصح إلا بشروط، وكذلك فإن هناك شفاعة منفية، فليست كل الشفاعة مقبولة، بل منها ما يقبل، ومنها مالا يقبل؛ فالمقبول منها: له شروط وضوابط، والمردود منها: فلقيام أوصاف توجب ردها. فالحاصل: أن الشفاعة الواردة في القرآن والسنة: قسمان: شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة. فالشفاعة المنفية: هي التي نفاها الله - جل وعلا - عن أهل الإشراك، وأول الأدلة التي ساقها الشيخ - ﵀ - في بيان هذه المسألة:
[ ٢١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] قوله ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١] [الأنعام: ٥١] والشفاعة الواردة هنا هي: الشفاعة المنفية، وقد نفاها الله عن جميع الخلق، بما في ذلك الذين يخافون وهم أهل التوحيد، كما نفاها عن غيرهم. أما عن أهل التوحيد فهي منفية عنهم إلا بشروط، وهي: إذن الله للشافع أن يشفع، ورضاه - جل وعلا - عن الشافع وعن المشفوع له. فقوله هنا: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١] يعني: أن الشفيع في الحقيقة هو الله - ﷻ - دون ما سواه؛ ولهذا عقبها بالآية الأخرى، فقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] [الزمر: ٤٤] فالشفاعة جميعا ملك لله، وأهل الإيمان وغيرهم - في الحقيقة - ليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع، فليس من أحد يشفع لهم من دون الله - جل وعلا - بل لا بد أن تكون الشفاعة بالله؛ يعني: بإذنه وبرضاه. فإذا تقرر ذلك وأن الشفاعة منفية عن أحد سوى الله - تعالى - لأنه هو الذي يملك الشفاعة وحده، بطل تعلق قلوب المشركين الذين يسألون الموتى الشفاعة، بمسألة الشفاعة؛ لأن الشفاعة ملك لله، وهذا المدعو لا يملكها. لكن هل تنفع الشفاعة مطلقا أم لا بد لها أيضا من قيود؟ ! نعم: الشفاعة تنفع لكن لا بد لها من شروط؛ ولهذا أورد الآيتين بعدها وهما قوله جل وعلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [البقرة: ٢٥٥]، وقوله:
[ ٢١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] [النجم: ٢٦]، ووجه الاستدلال من الآية الأولى: أنه قيد الإذن فيها؛ فليس لأحد أن يشفع إلا بشرط أن يأذن الله له، فلا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه، فلا الملائكة، ولا الأنبياء، ولا المقربون، يملكون شيئا من الشفاعات، وإنما الله - جل وعلا - هو الذي يملك الشفاعة. فإذا كان كذلك وأنه لا بد من إذنه - جل وعلا - فمن الذين يأذن الله - جل وعلا - لهم؟ ليعلم أولا: أن لا أحد يبتدئ بالشفاعة دون أن يأذن الله له بها، فإذا كان ذلك كذلك رجع الأمر إلى أن الله هو الذي يوفق للشفاعة، وهو الذي يأذن بها فلا أحد يبتدئ بها. وكذلك قال في الآية الأخرى: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النجم: ٢٦] يعني: من الشافعين ﴿وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] أي: يرضى قول الشافع، ويرضى - أيضا - عن المشفوع له. ففائدة هذه الشروط وهي الفائدة المراد تقريرها في هذا الباب: أن لا يتعلق أحد بمن يظن أو يعتقد أن له عند الله مقاما وأنه يشفع له عند الله، كما يعتقد ذلك أهل الشرك في آلهتهم، حيث يزعمون أن من توجهوا إليهم بالشفاعة يملكون ذلك، جزما، فمتى توجه إليهم الطالب، وتذلل لهم، وتقرب إليهم بالعبادات ثم طلب منهم الشفاعة عند الله فإنهم يشفعون جزما، وأن الله - ﷿ - لا يرد شفاعتهم. فهذه الآيات فيها: إبطال لدعوى أولئك المشركين، واعتقادهم أن أحدا يملك الشفاعة بدون إذن الله، وبدون رضاه عن المشفوع وإذا ثبت أنه لا أحد
[ ٢١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] يملكها، وأن من يشفع إنما يشفع بإكرام الله له، وبإذنه - جل وعلا - له فكيف يتعلق المتعلق بهذا المخلوق، بل الواجب أن يتعلق بالذي يملك الشفاعة؛ وإذا كان من المتقرر شرعا أن شفاعة النبي ﷺ حاصلة يوم القيامة، فهل يصح طلبها منه؟ الجواب: أن طلبها إنما هو من الله - تعالى - فتقول في ذلك: اللهم شفع فينا نبيك؛ لأنه - تعالى - هو الذي يفتح، ويلهم النبي - ﵊ - أن يشفع في فلان وفي فلان، فيمن سألوا الله أن يشفع لهم النبي ﵊؛ ولهذا أعقبها الشيخ - ﵀ - بآية سبأ فقال: وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] [سبأ: ٢٢]، فهذه الآية اشتملت على أربع حالات: الحالة الأولى: أن يدعوا الذين زعموهم من دون الله، وأن ينظروا هل يملكون مثقال ذرة في السماوات أو في الأرض؟ ! والجواب: كما قال جل وعلا: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢] فانتفى عنهم الملك الاستقلالي، وهذه هي الحالة الأولى. والثانية: في قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ: ٢٢] إذ نفى - هنا - أيضا: أن يكونوا شركاء لله في الملك، وفي تدبير السماوات والأرض، أو في ملك شيء منهما، فنفى أولا أن يملكوا استقلالا، ونفى ثانيا أن يملكوا شركة، ثم قال - ﷿ - بعدها: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] والظهير: هو المعاون
[ ٢١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] والمؤازر، والوزير، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢] أي: الله تعالى، و: ﴿مِنْهُمْ﴾ [سبأ: ٢٢] يعني: من تلك الآلهة، ما له من وزير ولا معاون؛ لأنه قد يتبادر إلى ذهن بعض الناس أن ثمت من يعين الله على تدبير الأمور وتصريف الشؤون، كالملائكة أو الأنبياء؛ فيظن أنه إذا توجه إلى أولئك بالدعاء وبالطلب، كان قد توجه إلى من يعين الله، فيعتقد أنه إذا طلب من الله فإن الله لن يرده؛ لأنه ممن يعين الله! وقد بنوا هذا الاعتقاد الفاسد على تشبيه الخالق - تعالى - بما يحصل من المخلوقين بعضهم لبعض؛ فإن الملك في هذه الدنيا، أو الحاكم، أو الأمير إذا كان له من يعينه، ومن يظاهره، وشفع هذا المعين لأحد فإنه لا يرد شفاعته؛ لأنه يحتاجه؛ فلأجل هذه الحاجة لا يرد الأمير، أو الملك، شفاعة من كان له ظهيرا، فلما ظن هؤلاء المشركون أن بعض تلك الآلهة معاونة لله - جل وعلا - نفى الله هذا الاعتقاد الجاهلي، وهذه هي الحالة الثالثة. ثم نفى أخيرا آخر اعتقاد، وهو: أن تلك الآلهة تملك الشفاعة، فقال جل وعلا: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] [سبأ: ٢٣] فنفى - آخر ما نفى - الشفاعة، وأثبتها بشرط فقال: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] وهذه هي الحالة الرابعة. إذن: فالآيات التي سبقت من أول الباب إلى هنا رتبها الإمام - ﵀ - ترتيبا موضوعيا؛ ووجه الاستدلال في الآية الأولى والثانية: أن الشفاعة ملك
[ ٢١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] لله، وليس لأحد شيء من الشفاعة. فإذا كان لا يملك فمن يشفع إذا؟ وكيف يشفع؟ الجواب: يشفع بأن يعطى الشفاعة، ويؤذن له بها، ويكرم بها. وسؤال آخر وهو: هل يشفع الشافع استقلالا؟ وجوابه: أن الله تعالى نفى شفاعة الاستقلال، وأثبت الشفاعة بشرط، وهو شرط الإذن والرضا. إذا كان كذلك فمن الذي يؤذن له؟ ومن الذي يرضى له أن يشفع؟ ومن الذي يرضى عنه أن يشفع فيه، هذه ثلاثة أسئلة جوابها في كلام شيخ الإسلام حيث قال المصنف - ﵀: قال أبو العباس: " نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونا لله، ولم يبق إلا الشفاعة. فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [الأنبياء: ٢٨]، فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفها القرآن. . . . . " ومعنى قول أبي العباس: " منتفية يوم القيامة ": يعني عن جميع الخلق، إلا لمن أثبت الله - جل وعلا - له الاستحقاق، أو أن يكون نائلا تلك الشفاعة، يعني: الأصل أن لا شفاعة إلا لمن رضي الله قوله أو أذن له جل وعلا. ثم قال أبو العباس ابن تيمية - ﵀: " كما نفاها القرآن، «وأخبر النبي ﷺ أنه يأتي فيسجد لربه، ويحمده»: قول الشيخ - ﵀ -، فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن " يعني: منتفية بدون شروط؛ لأن المشركين
[ ٢١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
يعتقدون أنها تحصل بدون إذن من الله ولا رضا؛ لأن الشافع عندهم يملك الشفاعة، ولكن حقيقتها: أنها لا تحصل إلا بالشرط المذكور في الكتاب والسنة.
ثم قال أبو العباس - ﵀: ". . . . . . يأتي فيسجد لربه ويحمده - لا يبدأ بالشفاعة أولا - ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع ".
«وقال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: " من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه» (١) فالدليل الأول وهو من السنة فيه أن النبي ﷺ وهو سيد ولد آدم - لا يشفع حتى يؤذن له كما في قوله: «يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع» (٢) فهذا في دليل الإذن. لكن من الذي يؤذن له؟ الجواب: يؤذن للنبي ﵊، ويؤذن للرسل فلا يبتدئون بالشفاعة من أنفسهم، وإنما يستأذنون في الشفاعة فيؤذن لهم؛ لأنهم لا يملكونها، وإنما الذي يملكها إنما هو الله ﷾.
فإذا قيل: فمن الذي يؤذن في الشفاعة فيه؟ ومن الذي يرضى عنه في الشفاعة؟ فالجواب جاء في الحديث الآخر؛ حيث «قال أبو هريرة للنبي ﷺ: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: " من قال: لا إله إلا الله، خالصا من قلبه» (٣) فهذا الذي يرضى عنه، فيشفع فيه، بعد إذن الله - جل وعلا -
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٩٤) مطولا.
(٢) أخرجه البخاري (٩٩) .
(٣) تقدم.
[ ٢٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] فالمخصوصون بنيل الشفاعة هم: أصحاب الإخلاص من أهل التوحيد، فتبين أن تلك الشفاعة منتفية عن أهل الشرك. ثم قال أبو العباس ابن تيمية: " فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله ولا تكون لمن أشرك بالله ": ومعنى هذا: أن من توجه إلى الموتى، أيا كانوا: رسلا، أم أنبياء، أو صالحين أو كالصالحين لطلب الشفاعة منهم فإنه مشرك؛ لأنه توجه بالدعاء لغير الله، وأولئك لا يملكون الشفاعة، وإنما يشفعون بعد الإذن والرضا، والرضا يكون عن أهل التوحيد، وأهل التوحيد هم الذين لا يسألون الشفاعة أحدا من الموتى. فكل من سأل ميتا الشفاعة: فقد حرم نفسه الشفاعة؛ لأنه أشرك بالله - جل وعلا - والشفاعة المثبتة، إنما هي لأهل الإخلاص، ليس لأهل الشرك فيها نصيب. " وحقيقته ": يعني حقيقة الشفاعة. ثم قال ابن تيمية - ﵀ - موضحا حقيقة الشفاعة: " وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود "، فهذا الكلام في مقام بيان حقيقة الشفاعة، فإننا قد ذكرنا أن الله نفى أن يملك أحد الشفاعة، وأنها خاصة به - ﷿ - كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] [الزمر: ٤٤]، واللام في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ [الزمر: ٤٤] لام الملك، يعني: الذي يملك الشفاعة هو الله جل وعلا، وقال ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١] [الأنعام: ٥١]
[ ٢٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] فإن الشفاعة إنما هي لله ﵎، وجاءت الأدلة بنفي الشفاعة عن المشركين، وأن الشفاعة النافعة: إنما هي لأهل الإخلاص، بشرطين: الإذن، والرضا. إذا تقرر ذلك: فما حقيقة الشفاعة؟ يعني: ما حقيقة حصولها، وكيف تحصل؟ الجواب في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله: " حقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص " يعني أن الذين شفع لهم، إنما ذلك بتفضل الله - جل وعلا - عليهم، وهم أهل الإخلاص؛ حيث جاء في حديث أبي هريرة قوله ﵊: «أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه» أو قال: «خالصا من قلبه ونفسه»، فأهل الإخلاص هم الذين يكرمهم الله بالشفاعة، فالمتفضل بالشفاعة هو الله جل وعلا، فإذا ثبت ذلك: انقطع القلب من التعلق بغير الله في طلب الشفاعة؛ لأن الذين توجهوا إلى المعبودات المختلفة كالأولياء، والصالحين، والملائكة، وغيرهم: إنما توجهوا إليهم رجاء الشفاعة، كما قال - جل وعلا - عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] [يونس: ١٨]، فإذ بطل أن تكون لهم الشفاعة وثبت أن المتفضل بالشفاعة هو الله جل وعلا، فإن الله - ﷻ - إنما يتفضل بها على أهل الإخلاص، فيغفر لهم أي: بواسطة من دعا، بواسطة دعاء الذي أذن له أن يشفع. وهاهنا سؤال: لم لم يتفضل الله عليهم بأن يغفر لهم بدون واسطة الشفاعة؟ والجواب عن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية هنا بقوله:
[ ٢٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] " ليكرمه "، أي: إظهارا لفضل الشافع، وإكرام الله - تعالى - له في ذلك المقام، فإن من المعلوم: أن الشافع - الذي قبلت شفاعته - ليس في المقام مثل المشفوع له؛ فالله - جل وعلا - يظهر إكرامه لمن أذن له أن يشفع، ويظهر رحمته بالشافع؛ فقد تكون للشافع قرابة، أو أحباب يريد أن يشفع لهم، ولذلك: فإن الشفاعة يوم القيامة لأهل الكبائر: ليست خاصة بالنبي ﷺ، بل يشفع - أيضا - الأنبياء، والملائكة، والصالحون. فهذه شفاعات مختلفة في أهل الكبائر جعلها الله إكراما للشافع، ورحمة به، وأيضا: رحمة بالمشفوع له، وإظهارا لفضل الله - جل وعلا - على الشافع، والمشفوع له. فالحاصل: أن حقيقة الشفاعة تكون بتفضيل الله - تعالى - على المأذون له بالشفاعة ليشفع وإكرامه بذلك، ثم تفضله على المشفوع له ورحمته بقبول الشفاعة فيه. وهذا كله دال - لمن كان له قلب - على عظم الله - جل وعلا - وتفرده بالملك، وتفرده بتدبير الأمر وأنه - سبحانه - الذي يجير ولا يجار عليه، وهو الذي له الشفاعة كلها، وهو الذي له ملك الأمر كله؛ ليس لأحد منه شيء، وإنما يظهر - سبحانه - فضله، وإحسانه، ورحمته، وكرمه؛ لتتعلق به القلوب، فبطل - إذا - أن يكون ثم تعلق للقلب بغير الله - جل وعلا - لأجل الشفاعة، وبطل - أيضا - صنيع الذي تعلقوا بالأولياء، أو تعلقوا بالصالحين، أو بالأنبياء، أو بالملائكة لأجل الشفاعة، فإذا تبين حد الشفاعة، وحقيقتها، وأنها محض فضل من الله ﷾ وإكرام، أوجب ذلك تعلق القلوب به سبحانه في طلب الشفاعة، ورجائها؛ فالله تعالى هو المتفضل بها على الحقيقة، والعباد مكرمون بها، لا يبتدئون بالقول، ولا يسبقون بالقول، وإنما يجلون، ويخافون، ويثنون على الله، ويحمدون، حتى يؤذن لهم بالشفاعة.
[ ٢٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك " أي: مثل ما في قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١] [الأنعام: ٥١] فهذه شفاعة منفية، وهي الشفاعة التي فيها شرك، وكذلك: فإن المشركين لا يشفعون؛ فالشفاعة في حقهم منفية؛ لأنهم لم يرض عنهم. فالشفاعة التي فيها شرك من جهة الطلب، أو من جهة من سئلت له، بأن كان مشركا، فإنها منفية عن هؤلاء، بل لا تنفعهم. فثبت بذلك أن المستحقين للشفاعة هم الذين أنعم الله عليهم بالإخلاص، ووفقهم لتعظيمه، وتعلقت قلوبهم به وحده دون ما سواه؛ بخلاف الذين حرموها من المشركين بالله الشرك الأكبر، فلا نصيب لهم منها؛ لأن الشفاعة فضل من الله لأهل الإخلاص. وأما الشفاعة المثبتة فهي التي أثبتت بشرط الإذن، والرضا. قال شيخ الإسلام بعد ذلك: " ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع ". وهذه هي الشفاعة المثبتة " أثبتها بإذنه في مواضع ": أي بشرط الإذن، والإذن: إما إذن كوني، وإما إذن شرعي؛ فالمأذون له بالشفاعة لا يمكن أن تحصل منه الشفاعة، إلا أن يأذن الله له كونا بأن يشفع، فإذا منعه الله كونا أن يشفع لم تحصل منه الشفاعة ولا تحركت بها لسانه. ومعنى الإذن في باب الشفاعة: بأن تكون خالصة وخالية من الشرك، وأن يكون المشفوع له ليس من أهل الشرك. ويخص من ذلك أبو طالب، حيث يشفع له النبي ﵊ في تخفيف العذاب عنه، فهي شفاعة
[ ٢٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ليست في الانتفاع بالإخراج من النار، إنما هي في تخفيف العذاب، خاصة بالنبي ﵊ بما أوحى الله - جل وعلا - إليه، وأذن له بذلك. ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في آخر كلامه: " وقد بين النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص "، وهذه هي الشفاعة المثبتة بشرط الرضا. فتبين بهذا الباب أن الشفاعة التي تعلقت بها قلوب أولئك الخرافيين المشركين باطلة؛ وأن قولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] [يونس: ١٨] قول باطل؛ إذ الشفاعة التي تنفع إنما هي لأهل الإخلاص ثم إن طلبها وسؤالها من غير الله تعالى مؤذن بحرمانهم إياها، ما داموا طلبوها من غير الله، ووقعوا في الشرك الصريح. وخلاصة الباب: أن تعلق أولئك بالشفاعة عاد عليهم بعكس ما أرادوا، فإنهم لما تعلقوا بالشفاعة حرموها؛ لأنهم تعلقوا بشيء لم يأذن الله - جل وعلا - به شرعا؛ حيث استخدموا الشفاعات الشركية، وتوجهوا إلى غير الله، وتعلقت قلوبهم بهذا الغير. مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن الهداية من أعز المطالب، وأعظم ما تعلق به المتعلقون بغير الله؛ أن يحصل لهم النفع الدنيوي والأخروي من الذين توجهوا إليهم، واستشفعوا
[ ٢٢٥ ]