ثم قال المصنف: أما بعد: فهذا اعتقاد الفرقة الناجية (١) المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة وهو: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره
ــ
الحمد لله؛ أي أن جميع أوصاف الكمال ثابتة لله على أكمل الوجوه وأتمها، ومما يحمد عليه نعمه على العباد التي لا يحصي أحد من الخلق تعدادها، وأعظمها إرساله محمدًا ﷺ رحمة للعالمين، بالهدى الذي هو العلم النافع ودين الحق الذي هو العمل الصالح، ليظهره على جميع الأديان بالحجة والبرهان وبالعز والسلطان، وكفى بالله شهيدًا على صدق رسوله وحقيقة ما جاء به، وشهادته
_________________
(١) قول الفرقة الناجية: (أهل السنة والجماعة) في الأسماء والصفات هو: إثبات ما جاء في القرآن العظيم والسنة الصحيحة من أسماء الله وصفاته على الوجه اللائق بجلال الله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، عملًا بقول الله تعالى: " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " فنفى عن نفسه المماثلة وأثبت السمع والبصر، فدل ذلك على أن مراده سمع وبصر لا يماثلان أسماع الخلق وأبصارهم.
[ ١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تعالى بقوله وفعله، وتأييده لرسوله بالنصر والمعجزات والبراهين المتنوعة الدال كل واحد منها - فكيف بجميعها- على رسالته وصدقه، وأن جميع ما جاء به هو الحق من عقائد وأخلاق وآداب وأعمال وغيرها أي: أقر وأعترف مصدقًا ومعتقدًا أنه لا يستحق الألوهية- وهي التفرد بكل كمال- إلا الله، وأنه لا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له. ولهذا قال: أي: بالقلب واللسان، أي: إخلاصًا لله في كل عبادة قولية أو عملية أو اعتقادية، وأعظم ما يوحد به ويتقرب إليه به تحقيق العقيدة السلفية المحتوي عليها هذا الكتاب، وبتحقيق العقيدة تصلح الأعمال وتقبل وتستقيم الأمور الشهادة للرسول بالرسالة والعبودية مقرونة بالشهادة لله بالتوحيد، لا تكفي إحداهما عن الأخرى، ولا بد فيها من اعتراف العبد بكمال عبودية
[ ١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) النبي ﷺ لربه وكمال رسالته المتضمنة لكماله ﷺ وأنه فاق جميع البشر في كل خصلة كمال، ولا تسمى شهادة حتى يصدقه العبد في كل ما أخبر، ويطيعه في كل ما أمر وينتهي عما نهى عنه، وبهذه الأمور تتحقق الشهادة لله بالتوحيد، وللرسول بالرسالة. يقول المصنف ﵀: إن ما احتوت عليه هذه الرسالة هو العقيدة المنجية من الهلاك والشرور، المحصلة لخيري الدنيا والآخرة
[ ١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الموروثة عن محمد ﷺ، المأخوذة عن كتاب الله وسنة رسوله، وهي التي عليها الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم القيامة، الذين ضمن الله لهم على لسان رسوله النصر إلى قيام الساعة. والنصر إنما حصل لهم ببركة هذه العقيدة والعمل بها وتحقيقها بالقيام بجميع أمور الدين. وأصلها الذي تبنى عليه: هو الإيمان بهذه الأصول الستة التي صرح بها الكتاب والسنة في مواضع كثيرة جملة وتفصيلًا وتأصيلًا وتفريعًا، وهي المذكورة في حديث جبريل المشهور حين قال جبريل للنبي ﷺ: ما الإيمان؟ فأجابه بذلك. فهذه الرسالة من أولها إلى آخرها تفصيل لهذه الأصول الستة. ذكر المصنف ﵀ هذا الأصل والضابط العظيم في الإيمان بالله إجمالا قبل أن يشرع في التفصيل؛ ليبنى العبد على هذا الأصل جميع ما يرد عليه من الكتاب والسنة، فيستقيم له إيمانه ويسلم من الانحراف. فذكر أنه يجب ويتعين الإيمان بكل ما أخبر الله به في كتابه وأخبر به رسوله ﷺ إيمانًا صحيحًا سالمًا من التحريف والتعطيل، وسالمًا من التكييف والتمثيل، بل يثبت ما أثبته الله ورسوله
[ ١٧ ]