من المعتقدات الشركية والمخالفات العقدية التي حدثت مع حلول وباء كورونا: هو الاعتقاد أن زيارة قبور الأولياء والصالحين تمنع الإصابة بالوباء، وأن التمسح بالمراقد والمزارات سبب الشفاء من الأمراض والأوبئة، وأنها تدفع البلاء.
فمع وباء كورونا بادر بعض المخالفين إلى اقحام هذا الوباء ضمن الإنشاد الديني عندهم، ففي محافظة سوهاج بمصر ارتجل أحدهم خلال تواجده بمولد الصحابي عمار بن ياسر - ﵁ -، وكان من ضمن ما قاله عن فضل آل البيت: هم شفاء ..، هم الأطباء من أي كورونا ..، أتينا رحابك يا شيخ الرجال في ساحة جرجا شدينا الرحال.
وختم برسالة إلى أتباعه ومريدية، فقال: يا مريد لا تخاف من أي كورونا (^١).
وفي العراق أصدر أحد مراجع الشيعة وهو قاسم الطائي فتوى دعا فيها إلى الاستمرار بزيارة الأماكن الدينية وإقامة صلوات الجماعة والجمعة، وفي رد على استفسار أرسل إليه من قبل أحد اتباعه بشأن غلق بعض المراقد؛ تحسبا من انتشار فايروس كورونا. فقال: إن الفيروس لا يصيب المؤمنين (^٢).
كما أبدى رجل الدين الشيعي علي الكوراني غضبه من إغلاق السلطات حرم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - من أجل تعقيمه كإجراء احترازي؛ للوقاية من فيروس كورونا.
وجاء ذلك في تسجيل مصور له تداولته وسائل التواصل الاجتماعي، وقال الكوراني غاضبًا: من الأمور التي لا ينقضي تعجبي منها أن حرم أمير المؤمنين - ﵁ - قد أغلقوا قسمًا منه حتى يعقمونه من ميكروب كورونا، وأضاف: الذي مصاب بكورونا يأتي يتمسح بالحرم وسيطيب (^٣).
_________________
(١) ينظر: بوابة الوفد https:// rosaelyoussef.com utm_campaign=nabdapp.com&utm_medium=referral&utm_source=nabdapp.com&ocid=Nabd_App
(٢) ينظر: موقع قناة الحرة الإخباري https:// www.alhurra.com/ iraq/
(٣) ينظر: موقع أورينت نيوز الإخباري https:// orient-news.net/ ar/ news_show
[ ٢١ ]
التوجيه العقدي الصحيح لهذه النازلة كالآتي:
أولًا: جاءت الآيات الدالة على تحريم دعاء الأموات أو الاستغاثة بهم عند قبورهم؛ لطلب الشفاعة، أو طلب الشفاء من المرض، أو لرفع البلاء، أو لغير ذلك من الحاجات، وقد نصت الآيات على تحريم هذا العمل؛ لأن هذه الأمور من العبادة، والعبادة كلها لله وحده، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٩] وقال ﷿: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾ [غافر: ١٤] وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
يقول الشيخ عبدالرحمن بن حسن -﵀-: وفي هذا من الحجج والبراهين ما يبين بطلان ما يعتقده عباد القبور في الأولياء والصالحين. بل في الطواغيت من أنهم ينفعون من دعاهم، ويمنعون من لاذ بحماهم. فسبحان من حال بينهم وبين فهم الكتاب؛ وذلك عدله سبحانه، وهو الذي يحول بين المرء وقلبه، وبه الحول والقوة (^١).
ثانيًا: أن الله حذر من صرف شيء من العبادة للمخلوقين؛ لأنهم لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، ولو كانوا يملكون شيئًا لأنفسهم لما ماتوا، وما مرضوا، فإذا كانوا لا يملكون ذلك لأنفسهم فكيف يملكونه لغيرهم!!
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤)﴾ [الأعراف: ١٩٤]، وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)﴾ [الأعراف: ١٩٧]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾ [الإسراء: ٥٦]، وقال ﷿: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا
_________________
(١) فتح المجيد، ص (١٨٨).
[ ٢٢ ]
يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ [سبأ: ٢٢]، وقال سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣].
ثالثًا: أن النبي - ﷺ - حذر من اتخاذ القبور وسيلة للشرك وصرف العبادة لغير الله، فعن معاذ - ﵁ - قال: كنت ردف النبي - ﷺ - على حمار يقال له عُفير، فقال: «يا معاذ، هل تدري حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟»، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا (^١)».
وعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ - في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت: «فلولا ذاك أبرز قبره؛ غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا (^٢)».
وعن عمر - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «لا تطروني (^٣)، كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله، ورسوله (^٤)».
يقول ابن تيمية -﵀-: فحرم - ﷺ - أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلوات فيها كما تقصد المساجد، وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده؛ لأن ذلك ذريعة، إلا أن
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب اسم الفرس والحمار، ح (٢٨٥٦)، (٤/ ٢٩)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار، ح (٣٠)، (١/ ٥٨).
(٢) رواه البخاري في كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، ح (١٣٣٠)، (٢/ ٨٨)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد، على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد، ح (٥٢٩)، (١/ ٣٧٦).
(٣) الإطراء: مجاوزة الحد في المدح، والكذب فيه، وقيل: أطرى فلان فلانا إذا مدحه بما ليس فيه؛ وذلك أنهم مدحوه بما ليس فيه فقالوا: هو ثالث ثلاثة وإنه ابن الله وما أشبهه من شركهم وكفرهم. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، (٣/ ١٢٣)، وتهذيب اللغة، الأزهري، (١٤/ ٨).
(٤) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [مريم: ١٦]، ح (٣٤٤٥)، (٤/ ١٦٧).
[ ٢٣ ]
يقصدوا المسجد لأجل صاحب القبر ودعائه والدعاء به والدعاء عنده، فنهى رسول الله - ﷺ - عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى الشرك بالله (^١).
ويقول ابن عبدالهادي -﵀-: فكل زيادة تتضمن فعل ما نهى عنه وترك ما أمر به كالتي تتضمن الجزع وقول الهجرة، وترك الصبر، أو تتضمن الشرك أو دعاء وترك إخلاص الدين لله فهي منهي عنها (^٢).
ويقول الشيخ ابن باز -﵀-: لا يجوز للمسلم أن يتقرب إلى القبور وأصحاب القبور بالذبح أو النذر، نذر الذبائح أو نذر الصدقات، أو ما أشبه ذلك، أو يستغيث بأهل القبور، أو يسألهم قضاء الحاجة، أو شفاء المريض، أو النصر على الأعداء أو حصول الولد، أو ما أشبه ذلك كل هذا لا يجوز، كله من عبادة غير الله، والله سبحانه أنكر ذلك، وأمر عباده أن يعبدوه، قال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٩]، وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] (^٣).
رابعًا: أن هدي النبي - ﷺ - في زيارة القبور أكمل الهدي وأحسنه، ولم ينقل عنه - ﷺ - أن دعا صاحب القبر أو توسل به أو استعان به من دون الله في: كشف الضر، أو جلب النفع.
يقول ابن القيم -﵀-: كان - ﷺ - إذا زار قبور أصحابه يزورها للدعاء لهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم، وهذه هي الزيارة التي سنها لأمته، وشرعها لهم، وأمرهم أن يقولوا إذا زاروها: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية (^٤)».
وكان هديه - ﷺ - أن يقول ويفعل عند زيارتها، من جنس ما يقوله عند الصلاة على الميت، من الدعاء والترحم والاستغفار. فأبى المشركون إلا دعاء الميت والإشراك به، والإقسام على الله به، وسؤاله الحوائج، والاستعانة به، والتوجه إليه، بعكس هديه - ﷺ - فإنه هدي توحيد وإحسان
_________________
(١) مجموع الفتاوى، (١/ ١٦٤).
(٢) الصارم المنكي في الرد على السبكي، ص (٣٢٥).
(٣) فتاوى نور على الدرب، (٢/ ٢٠).
(٤) رواه مسلم في كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها، ح (٩٧٥)، (٢/ ٦٧١).
[ ٢٤ ]
إلى الميت، وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم، وإلى الميت، وهم ثلاثة أقسام: إما أن يدعوا الميت، أو يدعوا به، أو عنده، ويرون الدعاء عنده أوجب وأولى من الدعاء في المساجد، ومن تأمل هدي رسول الله - ﷺ - وأصحابه، تبين له الفرق بين الأمرين (^١).
_________________
(١) زاد المعاد في هدي خير العباد، (١/ ٥٠٧ - ٥٠٨).
[ ٢٥ ]