من النوازل العقدية التي حدثت مع حلول وباء كورونا هي: الأدعية والأذكار المبتدعة، التي يزعم فيها بعضهم أنها تمنع من الإصابة بالأوبئة، وزعم بعضهم أن المداومة عليها تكون سببًا في رفع البلاء، ومعينًا في الشفاء من الأمراض والأوبئة.
ومن هذه الأدعية والأذكار: ما حدث في المغرب؛ حيث قام عدد من الشخصيات والنشطاء هناك بالخروج في مسيرات جابت شوارع عدد من المدن رافعة شعار «الله أكبر» و«لا إله إلا الله»، زاعمين أن تلك المسيرات يمكن أن تحمى الشعب المغربي من فيروس كورونا (^١).
وفي عمان عاصمة الأردن كانت هناك ابتهالات دينية وأدعية على مكبرات مساجد العاصمة؛ لرفع وباء كورونا، وقد بثت مساجد العاصمة الأردنية عمان الأدعية والابتهالات عقب صلاتي المغرب والعشاء، تضرعًا الى الله تعالى؛ لتجاوز وباء فيروس كورونا المُستجد (^٢).
وانتشرت كذلك دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي لإقامة صلاة جماعية بالعديد من دول العالم؛ لرفع بلاء كورونا المستجد، يشارك فيها المسلمين في كل أنحاء المعمورة للدعاء إلى الله؛ للتخلص من فيروس كورونا.
والصلاة ستكون جماعية ركعتين في توقيت موحد على مستوى العالم، يُدعى فيها سبحانه بأن يرفع وباء كورونا عن الأرض ويتضرع له بأن يرحم العالم برحمته (^٣).
كما نشرت بعض المواقع الإلكترونية أدعية لليلة الإسراء والمعراج لرفع البلاء والوباء من فيروس كورونا، ومن هذه الأدعية: اللهم في تلك اللية المباركة من الإسراء والمعراج تنزل الشفاء على كل مريض يتألم ولم يجد الدواء، وأصرف عنا فيروس كورونا يا أكرم الأكرمين، يا الله يا لطيف بالعباد عجز الأطباء والعلماء عن وجد الدواء فأنت بيدك ملكوت السموات والأرض اشف مرضنا ومرضى المسلمين (^٤).
_________________
(١) ينظر: موقع صحيفة اليوم السابع https:// www.youm ٧.com/ story/ ٢٠٢٠/ ٣/ ٢٣/ %D ٨%A ٥%D ٨%B ٣%D ٩
(٢) ينظر: موقع النشرة الدولية الإخباري https:// alnashraaldawlia.com/
(٣) ينظر: موقع صحيفة الوكالة نيوز https:// elwekalanews.net/ ٤٠٢٣٩٢
(٤) ينظر: موقع دليل الوطن https:// elwatan ١٤٠.com/
[ ٢٦ ]
ونشر بعض المواقع أدعية يزعم قائلوها بأنها محصنة من وباء كورونا، منها الدعاء التالي: اللهم سكن هيبة عظيمة قهرمان الجبروت باللطيفة النازلة الواردة من فيضان الملكوت؛ حتى نتشبث بأذيال لطفك وكرمك ونعتصم بك من إنزال قهرك يا ذا القوة الكاملة والقدرة الشاملة يا الله يا الله يا الله، عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك، اللهم إني أعوذ بك من الطعن والطاعون، والوباء والبلاء وسائر الأمراض والفجاءة، وسوء المنقلب في النفس والأهل والمال والولد (^١).
_________________
(١) ينظر: موقع أهل المنتدى https:// saydatar.ahlamontada.com/ t ٢٣ - topic
[ ٢٧ ]
التوجيه العقدي الصحيح لهذه النازلة كالآتي:
أولًا: أن طريقة فعل هذه الأدعية والأذكار مبتدعة في الدين وليس لها دليل يثبتها أو يؤيدها، والله سبحانه بين أنه قد أكمل الدين وأتم النعمة على المؤمنين كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، أي: أكملت لكم أيها المؤمنون، فرائضي عليكم وحدودي، وأمري إياكم ونهيي، وحلالي وحرامي، وتنزيلي من ذلك ما أنزلت منه في كتابي، وتبياني ما بيَّنت لكم منه بوحيي على لسان رسولي، والأدلة التي نصبتُها لكم على جميع ما بكم الحاجة إليه من أمر دينكم، فأتممت لكم جميع ذلك، فلا زيادة فيه بعد هذا اليوم (^١).
وقد وردت أدلة دالة على وجوب الالتزام بالأذكار الواردة في الكتاب والسنة، كقوله سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُو فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، أي ادعوا الله بأسمائه التي سمى بها نفسه، أو سماه بها رسوله، ففيه دليل على أن أسماء الله تعالى توقيفية لا اصطلاحية، ومما يدل على صحة هذا القول ويؤكده: أنه يجوز أن يقال يا جواد، ولا يجوز أن يقال يا سخي، ويجوز أن يقال يا عالم، ولا يجوز أن يقال يا عاقل (^٢).
قال القاضي عياض -﵀-: أذن الله في دعائه وعلم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلم النبي - ﷺ - الدعاء لأمته، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأمة، فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن دعائه - ﷺ -، وقد احتال الشيطان للناس من هذا المقام؛ فقيض لهم قوم سوء يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقتداء بالنبي - ﷺ - (^٣).
وقال القرطبي -﵀-: فعلى الإنسان أن يستعمل ما في كتاب الله وصحيح السنة من الدعاء ويدع ما سواه، ولا يقول أختار كذا، فإن الله تعالى قد اختار لنبيه وأوليائه وعلمهم كيف يدعون (^٤).
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري، (٩/ ٥١٨).
(٢) ينظر: لباب التأويل في معاني التنزيل، الخازن، (٢/ ٢٧٦).
(٣) الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية، ابن علان، (١/ ١٧).
(٤) الجامع لأحكام القرآن، (٤/ ٢٣١).
[ ٢٨ ]
ويقول ابن تيمية -﵀-: وليس لأحد أن يسن للناس نوعًا من الأذكار والأدعية غير المسنون، ويجعلها عبادة راتبة يواظب الناس عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس؛ بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به؛ بخلاف ما يدعو به المرء أحيانًا من غير أن يجعله للناس سنة فهذا إذا لم يعلم أنه يتضمن معنى محرما لم يجز الجزم بتحريمه؛ لكن قد يكون فيه ذلك والإنسان لا يشعر به، وهذا كما أن الإنسان عند الضرورة يدعو بأدعية تفتح عليه ذلك الوقت فهذا وأمثاله قريب، وأما اتخاذ ورد غير شرعي واستنان ذكر غير شرعي: فهذا مما ينهى عنه ومع هذا ففي الأدعية الشرعية والأذكار الشرعية غاية المطالب الصحيحة، ونهاية المقاصد العلية، ولا يعدل عنها إلى غيرها من الأذكار المحدثة المبتدعة إلا جاهل أو مفرط أو متعد (^١).
وقد سئل الشيخ محمد بن إبراهيم -﵀- عن بعض الأذكار والأدعية التي تقال في غير محلها فقال -﵀-: هذه الأذكار وإن كانت في أصلها شرعية، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُو فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وقال - ﷺ -: «الدعاء مخ العبادة» (^٢)، إلا أنها بتحديدها وكيفيتها أخرجت الذكر المشروع إلى غير مشروع، فارتفع اعتبار المشروع الأصلي، وصارت هذه الأذكار من أنواع البدع، وقد قال - ﷺ -: «كل بدعة ضلالة» (^٣) فهي بدع إضافية (^٤).
ثانيًا: أن الله قد أمر بطاعة النبي - ﷺ - وأن أي مخالفة لأمر النبي - ﷺ - هو مخالفة لأمر الله ومثل طريقة هذه الأدعية والأذكار هي من المبتدعات التي لم تنقل عن النبي - ﷺ -، كما أنها تخالف سنة النبي - ﷺ -، والله ﷿ يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٥١١).
(٢) رواه الترمذي، ح (٣٣٧١)، (٥/ ٣١٦)، والطبراني في الأوسط، ح (٣١٩٦)، (٣/ ٢٩٢)، وقال الأرناؤوط في حاشية المسند، (٣٠/ ٢٩٩): حسن لشواهده.
(٣) رواه أحمد في المسند، ح (١٧١٤٤)، (٢٨/ ٣٧٣)، وأبو داود، (٤٦٠٧)، (٧/ ١٦)، والترمذي، (٢٦٧٦)، (٤/ ٣٤١)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٤) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، (٩/ ٤٢).
[ ٢٩ ]
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]، فطاعة الرسول في حياته: امتثال أمره، واجتناب نهيه، وبعد مماته: اتباع سنته (^١).
وقال ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)﴾ [الأنفال: ٢٠]، أي: لا تخالفوا أمره، وأنتم تسمعون لقوله، وتزعمون أنكم منه (^٢).
وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله» (^٣).
ومعلوم أن نبينا - ﷺ - هو أفضل الأنبياء، وخاتمهم، وأكملهم بلاغًا، ونصحًا لعباد الله، فلو كانت الطريقة في فعل هذه الأدعية والأذكار من الدين لبيَّنه - ﷺ - لأمته، أو فعله في حياته، وقد حدث وباء في عهده - ﷺ - ولم ينقل عنه أو عن أصحابه فعل مثل هذه الطريقة في الأدعية، قال - ﷺ -: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم» (^٤).
كما أن كثيرًا من الأدعية السابقة خلاف السنة الواردة عن رسول الله - ﷺ - في تخير جوامع الدعاء، وكان يغلب على بعضها التكلف في السجع؛ مما قد يحمل الداعي إلى الإتيان بأدعية مخترعة.
وقد كره السلف السجع في الدعاء ونهوا عنه، قال ابن عباس - ﵄ - لمولاه عكرمة -﵀-: «انظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله - ﷺ - وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب» (^٥).
قال القرطبي -﵀-: ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة فيتخير ألفاظًا مقفرة وكلمات مُسجَّعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها؛ فيجعلها شعاره ويترك ما
_________________
(١) ينظر: زاد المسير، ابن الجوزي، (١/ ٤٢٣).
(٢) ينظر: تفسير الطبري، (١٣/ ٤٥٧).
(٣) رواه البخاري في كتاب الأحكام، باب قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، ح (٧١٣٧)، (٩/ ٦١)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، ح (١٨٣٥)، (٣/ ١٤٦٦).
(٤) رواه مسلم في كتاب الإمارة، باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء، الأول فالأول، ح (١٨٤٤)، (٣/ ١٨٤٤).
(٥) رواه البخاري في كتاب الدعوات، باب ما يكره من السجع في الدعاء ح (٦٣٣٧)، (٨/ ٧٤).
[ ٣٠ ]
دعا به رسول الله - ﷺ -، وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء (^١).
وقال ابن حجر -﵀-: في الاعتداء في الدعاء يقع بزيادة الرفع فوق الحاجة، أو بطلب ما يستحيل حصوله شرعًا، أو بطلب معصية، أو يدعو بما لم يؤثر خصوصًا ما وردت كراهته كالسجع المتكلف وترك المأمور (^٢).
ثالثًا: أن الدعاء عبادة؛ ولذلك يجب أن يتأدب الداعي بأدب العبودية لله في دعائه، ومن الآداب: ألا تعبده بما لم يشرعه، وتثني عليه بما لم يثن به على نفسه ولا أذن فيه.
فعن أبي نعامة، عن ابن لسعد، أنه قال: سمعني أبي، وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة، ونعيمها، وبهجتها، وكذا، وكذا، وأعوذ بك من النار، وسلاسلها، وأغلالها، وكذا، وكذا، فقال: يا بني، إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء، فإياك أن تكون منهم، إنك إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها، وما فيها من الشر (^٣)».
قال ابن القيم -﵀-: من الاعتداء أن تعبده بما لم يشرعه وتثني عليه بما لم يثن به على نفسه ولا أذن فيه؛ فإن هذا اعتداء في دعاء الثناء والعبادة، وهو نظير الاعتداء في دعاء المسألة والطلب (^٤).
رابعًا: من المخالفات البدعية في الدعاء: الدعاء الجماعي أو الصلاة الجماعية ثم الدعاء فيها بدعاء بصوتٍ واحد متفق عليه وبطريقة جماعية.
وهذا دعاء بدعي لم يثبت أن فعله النبي - ﷺ - مع أصحابه، ولا أنه كان يذكر ربه ويردد خلفه أصحابه - ﵃ -.
قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: البدع التي أحدثت في مجال العبادات في هذا الزمان كثيرة؛ لأن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع شيء منها إلا بدليل. وما لم يدل عليه دليل فهو بدعة ، ثم ذكر بعض البدع. وقال: ومنها الذكر الجماعي بعد الصلاة؛ لأن
_________________
(١) الجامع في أحكام القرآن، (٧/ ٢٢٦).
(٢) فتح الباري، (٨/ ٢٩٨).
(٣) رواه أحمد في مسنده، ح (١٥٨٤)، (٣/ ١٤٦)، وأبو داود في السنن، ح (١٤٨٠)، (٢/ ٧٧)، والطبراني في الدعاء، (٥٦)، ص (٣٧)، وقال الألباني، في الصحيحة، (٧/ ٣٥٢): صحيح.
(٤) بدائع الفوائد، (٢/ ١٤).
[ ٣١ ]
المشروع أن كل شخص يقول الذكر الوارد منفردا (^١).
وقال الشيخ بكر أبو زيد -﵀-: الذكر الجماعي بصوت واحد سرًا أو جهرًا لترديد ذكر معين وارد أو غير وارد، سواء كان من الكل، أو يتلقونه من أحدهم، مع رفع الأيدي أو بلا رفع لها، كل هذا وصف يحتاج إلى أصل شرعي يدل عليه من الكتاب والسنة؛ لأنه داخل في عبادة، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الإحداث والاختراع؛ ولهذا نظرنا في الأدلة في الكتاب والسنة: فلم نجد دليلًا يدل على هذه الهيئة المضافة، فتحقق أنه لا أصل له في الشرع المطهر، وما لا أصل له في الشرع فهو بدعة، إذًا فيكون الذكر، والدعاء الجماعي بدعة، يجب على كل مسلم مقتد برسول الله - ﷺ - تركها، والحذر منها، وأن يلتزم بالمشروع (^٢).
_________________
(١) الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد، ص (٣٣٦).
(٢) تصحيح الدعاء، ص (١٣٤).
[ ٣٢ ]