من النوازل العقدية التي حدثت مع حلول وباء كورونا هي: الدعوة للاعتماد على العقل دون الشرع في التعامل مع الأوبئة، والزعم أن الدين ليس له اختصاص في مثل هذه الأمور، وأنه لابد من تنحية الدين والاعتماد على غيره في التعاطي مع الأوبئة.
يقول أحد الباحثين في علم النفس الاجتماعي بالمغرب: الإنسان ينتابه الخوف حينما يتعلق الأمر بكارثة بالنظر إلى تشبثه بالحياة، وهي طبيعة إنسانية، لكن تختلف ردة الفعل باختلاف العقليات والشخصيات، بحيث يوجد الإنسان السوي وغير السوي الذي يعاني من اضطرابات نفسية أو عقلية، فضلا عن المؤمن بالخرافة والمؤامرة.
وأضاف: التحجج بالدين في تفسير هذه المسألة غير مبرر تماما؛ لأن العقيدة الإسلامية بنفسها تلزم الإنسان بمعرفة أسباب تلك الظواهر الطبيعية عبر استعمال ملَكة العقل، فالإنسان يُسقط مخاوفه على ظاهرة معينة؛ لأنه عاجز عن تفسيرها.
وأوضح إن الوباء العالمي تم تفسيره بشكل خرافي وليس إسلامي، وقال: في مرحلة سابقة كنا نربط الفيضان بغضب الطبيعة، بينما الآن صرنا نتحدث عن عقاب الله (^١).
وقال أحد أستاذة الطب النفسي في مصر: إن ما يقال بأن فيروس كورونا جند من جنود الله فكر ضلالي مرضي، وفهم خاطئ للنص القرآني، حيث أن الكثيرون قد يفهمون النص القرآني من ظاهره.
وأوضح أنه من الضروري استخدام العقل في فهم النص القرآني وهذا يسمي تنوير الدين (^٢).
وقال كاتب في أحد المواقع: لا أحد ينكر أن ظهور وباء كورونا وانتشاره خلف الكثير من النقاش الفكري، وأفرز تنوعًا في المواقفِ حول مصدره وطبيعته وطرق الوقاية والعلاج منه، وهو نقاش صحي وطبيعي انخرطت فيه جميع المجتمعات اليوم، غير أن الملاحِظَ سيجد أن هذا
_________________
(١) ينظر: موقع صحيفة هسبريس الإلكترونية https:// www.hespress.com/ orbites/ ٤٦٢٥٠٣.html
(٢) ينظر: موقع اليوم السابع https:// www.youm ٧.com/ story/ ٢٠٢٠/ ٣/ ٢٠/ %D ٩%٨٧ - %D ٩%٨٥%D ٩%٨٦/ ٤٦٧٩٢٧٦
[ ٤٧ ]
النقاش اتخذ اتجاهين، الأول: اتجاه سِحري ميتافيزيقي (^١) في تفسيره لمصدر الوباء وطبيعته، والثاني: علمي تجريبي يحاول البحث في الأسباب الطبيعية؛ لظهوره وسبل الوقاية منه.
وأضاف: وكباقي دول العالم انخرطت مجتمعاتنا العربية والإسلامية في هذا النقاش، وظهرت أدبيات وبائية حول فيروس كورونا اتخذت أيضًا في تعاملها مع الوباء نفس التقابل بين اتجاه سحري ميتافيزيقي واتجاه علمي تجريبي، وقد انتشر الاتجاه الغيبي والسحري عند فئات واسعة في هذه المجتمعات؛ مما جعلها تستخف بخطره وترى أن لا جدوى من الوقاية منه، ويرجع سبب ذلك في انتشار ثقافة دينية سطحية تقوم على خطاب فقهي تقليدي جامد، وتهميش الخطاب العقلاني المتنور للكثير من العلماء في تاريخنا القديم والحديث (^٢).
_________________
(١) الميتافيزيقيا مصطلح فلسفي يراد به علم ما بعد الطبيعة، أو هو العلم الذي يتأمل الموجودات اللامحسوسة والماورائية. ينظر: معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، جلال الدين سعيد، ص (٤٦٠).
(٢) ينظر: موقع ميدل ايست https:// middle-east-online.com/
[ ٤٨ ]
التوجيه العقدي الصحيح لهذه النازلة كالآتي:
أولًا: لا يجوز لنا مطلقًا أن نحكم عقولنا في نصوص الكتاب والسنة فنرد هذا ونقبل هذا، فما ثبت عن الله ورسوله يجب الأخذ به، ولابد من التسليم بأنه لا يكون في هذا الكون إلا ما أراد الله، فلا مرض ولا آفة ولا وباء إلا ما يريده الله ويكتبه، وما في هذا الكون من المخلوقات والموجودات: من الأعيان، والذوات والصفات، والأفعال، والأمراض والآفات فالله أراد وجودها؛ لأنه لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وهو المالك، المدبر، المسير، وحكمته في وجودها لا يعلمها إلا هو.
كما لا يجوز مطلقًا استعمال العقل في مخالفة النص؛ لأن الله قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦]، قال ابن القيم -﵀-: فاختيار العبد خلاف ذلك مناف لإيمانه وتسليمه، ورضاه بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا (^١).
ومن الآيات الدالة أيضًا قوله سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، أي: فلا نعارضه بعقل ولا رأي ولا هوى ولا غيره، فقد أقسم الرب سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن هؤلاء الذين يقدمون العقل على ما جاء به الرسول، وقد شهدوا هم على أنفسهم بأنهم غير مؤمنين بمعناه وإن آمنوا بلفظه (^٢).
ثانيًا: أن عقل الإنسان وعلمه لا يستطيع إدراك حكمة الله من خلق المخلوقات، وإيجاد الموجودات، ومنها الأمراض والآفات.
يقول الشاطبي -﵀-: إن الله جعل للعقول في إدراكها حدًا تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبيلًا إلى الإدراك في كل مطلوب، ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري تعالى في إدراك جميع ما كان وما يكون وما لا يكون. إذ لو كان كيف كان يكون؟ فمعلومات الله لا تتناهى، ومعلومات العبد متناهية، والمتناهي لا يساوي ما لا يتناهى، وقد دخل في هذه الكلية ذوات
_________________
(١) مدارج السالكين، (٢/ ١٨٥).
(٢) ينظر: الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة، ابن القيم، (٣/ ٨٢٨).
[ ٤٩ ]
الأشياء جملة وتفصيلًا، وصفاتها وأحوالها وأفعالها وأحكامها جملة وتفصيلًا، فالشيء الواحد من جملة الأشياء يعلمه الباري تعالى على التمام والكمال؛ بحيث لا يعزب عن علمه مثقال ذرة لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أحواله ولا في أحكامه، بخلاف العبد فإن علمه بذلك الشيء قاصر ناقص سواء كان في تعقل ذاته أو صفاته أو أحواله أو أحكامه، وهو في الإنسان أمر مشاهد محسوس لا يرتاب فيه عاقل تُخرّجه التجربة إذا اعتبرها الإنسان في نفسه (^١).
ويقول الشيخ ابن باز -﵀-: العقول الصحيحة الصريحة لا تخالف المنقول الصحيح ولا تضاده؛ لأن الرسل صلى الله عليهم وسلم لا يأتون بما تحيله العقول الصحيحة، ولكن قد يأتون بما تحار فيه العقول؛ لقصورها وضعف إدراكها، فيجب عليها أن تسلم للصادق الحكيم العليم بكل شيء، خبره وحكمه، وأن تخضع لذلك وتؤمن به. وقصة عصا موسى، وقصة أهل الكهف ليستا مما تحيله العقول؛ لأن قدرة الله سبحانه، عظيمة وشاملة، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء (^٢).
ثالثًا: إن الزعم بأن العقل أو العلم يستطيع فهم أو إدراك حقيقة الأوبئة والفيروسات فقط، زعم خاطئ؛ لأن علم الله محيط بكل شيء، لا تخفى عليه خافية، يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون، وجميع الخلائق لا يعلمون إلا ما علمهم الله من علمه، لا يعلم أحد شيئا إلا ما علمه العليم الخبير قال سبحانه عن نفسه: ﴿* وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
يقول الخطابي -﵀-: الآدميون -وإن كانوا يوصفون بالعلم- فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات، دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان، وقد نجد الواحد منهم عالمًا بالفقه غير عالم بالنحو، وعالمًا بهما غير عالم بالحساب وبالطب ونحوهما من الأمور، وعلم الله -سبحانه- علم حقيقة، وكمال كما قال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ
_________________
(١) الاعتصام، (٣/ ٢٨٣).
(٢) مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز -﵀-، (١/ ١٠٧).
[ ٥٠ ]
عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ [الجن: ٢٨] (^١).
ويقول ابن القيم -﵀-: ولا ريب أن البصر يعرض له الغلط ورؤية بعض الأشياء بخلاف ما هي عليه، ويخيل ما لا وجود له في الخارج فإذا حكم عليه العقل تبين غلطه (^٢).
رابعًا: أن هذه الأمراض والأوبئة من آيات الله التي يرسلها الله سبحانه لعباده كما قال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]، وهذه الآيات يرسلها سبحانه لعباده؛ حتى يريهم مقدار عجزهم أمام قدرته، وضعفهم أمام أصغر مخلوقات الله، والتي تأتي بأمره وترتفع بأمره دون غيره.
وهذه الآيات قد تكون للتحذير والتخويف كما قال سبحانه: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء: ٥٩]، يقول الماوردي -﵀-: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الآيات معجزات الرسل جعلها الله تعالى من دلائل الإنذار تخويفًا للمكذبين، والثاني: أنها آيات الانتقام تخويفا من المعاصي، والثالث: أنها تقلب الأحوال من صغر إلى شباب ثم إلى تكهل ثم إلى مشيب؛ لتعتبر بتقلب أحوالك فتخاف عاقبة أمرك (^٣).
_________________
(١) شأن الدعاء، ص (٥٧).
(٢) بدائع الفوائد، (٣/ ٢٠٠).
(٣) النكت والعيون، (٣/ ٢٥٢).
[ ٥١ ]