من النوازل العقدية التي حدثت مع حلول وباء كورونا هو: التنزيل الخاطئ للأدلة الشرعية؛ ليُستدل بها على وقائع أو أحداث، دون الاستناد على دليل صحيح من الكتاب والسنة، بل قد تكون مخالفة لمفهوم ومنطوق أدلة الكتاب والسنة، ومثال ذلك: الاستدلال على أن فيروس كورونا هو جند من جنود الله.
يقول أحد زعماء الأحزاب في المغرب: أن سبب انتشار فيروسات كورونا يعود إلى تخلي الإنسان عن وظيفته، فتغضب لله وتنتقم لله، فهي جند من جنود الله يسخرها الله ﷾ ليؤدب بها الإنسان؛ ليرجع إلى مولاه (^١).
ويقول أحد أعضاء المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر: إن فيروس كورونا من جنود الله غير المرئية؛ لكسر غرور العالم. لافتًا إلى أن ما يحدث من انتشار المرض هو نوع من التحذير وليس الإفناء، ولا داعي للفزع (^٢).
وقال أحد الوعاظ في المغرب: إن الفيروس هو بلاء ورسالة من الله للعباد. مضيفًا: أن الله ﷿ أراد بهذا المرض أن يذل الجبابرة والفراعنة بفيروس صغير، الذي يعتبر جندًا من جنود الله التي لا يعلمها إلا هو، وفق تعبيره (^٣).
وقال أحد الباحثين في أحد المواقع: هذه الفيروسات على اختلاف أنواعها -ومنها فيروس كورونا المستجد- معدودةٌ من جند الله تعالى وإن لم تكن كائنات حية؛ لأنها جميعا من مخلوقات الله تعالى، يسلطها على من شاء متى شاء كيفما شاء، ويرفعها أو يدفعها أو يمنعهما عمن شاء وفق حكمته البالغة وإرادته النافذة، وما من شيء يقع في الكون إلا بإذن الله ومشيئته (^٤).
_________________
(١) ينظر: موقع الصباح https:// assabah.ma/ ٤٥٣٨٣٨.html
(٢) ينظر: صحيفة الشروق https:// www.shorouknews.com/ news/ view.aspx؟ cdate=٠١٠٤٢٠٢٠&id=f ٦٣ bc ٣ cc-c ٦٠٧ - ٤ caf-٨٧٣٤ - ٨ da ٠١ ffd ٢٦٩٠
(٣) ينظر: موقع هبة برس https:// ar.hibapress.com/ details-٢١٤٨٧١.html
(٤) ينظر: موقع هوية بريس http:// howiyapress.com/
[ ٣٨ ]
التوجيه العقدي الصحيح لهذه النازلة كالآتي:
أولًا: لا يصح وصف وباء كرونا بأنه جند من جنود الله؛ لأن الآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، جاءت في سياق وصف للملائكة بهذا الوصف، وليس هناك دليل أو مسوغ شرعي يدل على خلاف هذا الوصف، وهذا القول هو ما ذكره العلماء من أهل التفسير وغيرهم بأن الآية لا تأتي إلا في وصف الملائكة والاستدلال بهم.
ومن الأدلة التي توضح هذا الأمر ما ورد في حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - حدثهم ليلة أسري به قال: «تصعدت أنا وجبريل إلى السماء الدنيا، فإذا أنا بملك، يقال له: إسماعيل، وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف ملك، مع كل ملك جنده مائة ألف»، وتلا هذه الآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] (^١).
قال عطاء -﵀-: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ من الملائكة الذين خلقهم؛ لتعذيب أهل النار، ولا يعلم عدتهم إلا الله (^٢).
وقال القرطبي -﵀-: وهم الملائكة، يقوون المؤمنين بما يلقون في قلوبهم من الخواطر والتثبيت، ويضعفون الكافرين بالتجبين لهم من حيث لا يرونهم ومن غير قتال (^٣).
وقال ابن عطيه -﵀-: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾: إعلامًا بأن الأمر فوق ما يتوهم وأن الخبر إنما هو عن بعض القدرة لا عن كلها، والسماء كلها عامرة بأنواع من الملائكة كلهم في عبادة متصلة وخشوع دائم وطاعة لا فترة في شيء من ذلك ولا دقيقة واحدة (^٤).
وقال ابن تيمية -﵀- في تفسير الآية: الذي في الكتاب والسنة من ذكر الملائكة وكثرتهم أمر لا يحصر (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري في التفسير، (١٧/ ٣٥٤)، والطبراني في الأوسط، ح (٧٠٩٧)، (٧/ ١٣٨)، والآجري في الشريعة، ح (١٠٢٧)، (٣/ ١٥٢٩).
(٢) ينظر: معالم التنزيل، البغوي، (٥/ ١٧٨)، وزاد المسير، ابن الجوزي، (٤/ ٣٦٤).
(٣) الجامع لأحكام القرآن، (٨/ ١٠١).
(٤) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، (٥/ ٣٩٧).
(٥) مجموع الفتاوى، (٤/ ١٢٠).
[ ٣٩ ]
وقال -﵀- أيضًا: هم الملائكة الذين هم عباد الرحمن الذين يدبر بهم أمر السماء والأرض، وأولئك لا يعلم عددهم إلا الله، ولا يعلم صفتهم غيره، ولا يعلم كيف يأمرهم يفعلون إلا هو، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (^١).
وقال ابن كثير -﵀-: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾، أي: ما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو تعالى؛ لئلا يتوهم متوهم أنهم تسعة عشر فقط، كما قد قاله طائفة من أهل الضلالة والجهالة ومن الفلاسفة اليونانيين. ومن تابعهم من الملتين الذين سمعوا هذه الآية، فأرادوا تنزيلها على العقول العشرة والنفوس التسعة، التي اخترعوا دعواها وعجزوا عن إقامة الدلالة على مقتضاها، فأفهموا صدر هذه الآية وقد كفروا بآخرها (^٢).
ثانيًا: أن نسبة الجند إلى الله هي نسبة من جنس الإضافة التشريفية، وقد اختص الله الملائكة بهذه الإضافة الشريفة في القرآن الكريم فكان لها مزية وشرف على غيرهم من الجنود، مع أنهم من خلق الله؛ ولكن لأن الله أضافهم إلى نفسه فقد شرفوا بهذه الإضافة.
قال ابن القيم -﵀-: فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، ومصنوع إلى صانعه؛ لكنها تقتضي تخصيصًا أو تشريفًا يتميز به المضاف إليه عن غيره ..، وهذه إضافة إلى إلهيته تقتضي محبته لها وتكريمه وتشريفه (^٣).
وقال ابن عثيمين -﵀-: والمضاف إلى الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إما أن يكون أوصافًا؛ أو أعيانًا؛ أو ما يتعلق بأعيان مخلوقة؛ فإذا كان المضاف إلى الله وصفًا فهو من صفاته غير مخلوق، مثل كلام الله، وعلم الله؛ وإذا كان المضاف إلى الله عينًا قائمة بنفسها فهو مخلوق وليس من صفاته، مثل مساجد الله، وناقة الله، وبيت الله؛ فهذه أعيان قائمة بنفسها إضافتها إلى الله من باب إضافة المخلوق لخالقه على وجه التشريف؛ ولا شيء من المخلوقات يضاف إلى الله ﷿ إلا لسبب خاص به؛ ولولا هذا السبب ما خص بالإضافة؛ وإذا كان المضاف إلى الله ما يتعلق بأعيان مخلوقة فهو أيضًا مخلوق؛ وهذا مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾ [الحجر: ٢٩]؛ فإن الروح هنا مخلوقة؛ لأنها تتعلق بعين
_________________
(١) مرجع سابق، (٥/ ٢٣٤).
(٢) تفسير القرآن العظيم، (٨/ ٢٧٠).
(٣) ينظر: الروح، ابن القيم، ص (١٥٤)، بتصرف.
[ ٤٠ ]
مخلوقة (^١).
ثالثًا: جاءت النصوص الصحيحة من السنة التي تصف الأوبئة بالرجز ولم تصفها بجند الله، فقد ورد أن النبي - ﷺ - وصف الطاعون بأنه عذاب يبتلي الله به بعضًا من عباده، فعن أسامة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن هذا الوجع أو السقم رجز (^٢) عذب به بعض الأمم قبلكم، ثم بقي بعد بالأرض، فيذهب المرة ويأتي الأخرى، فمن سمع به بأرض، فلا يقدمن عليه، ومن وقع بأرض وهو بها فلا يخرجنه الفرار منه (^٣)».
ومع ذلك فالميت به المحتسب أجره كالشهيد كما في الحديث عن عائشة -﵂- قالت: سألت النبي - ﷺ - عن الطاعون، فأخبرني «أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين، ليس من أحد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرا محتسبا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر شهيد» (^٤).
رابعًا: ورد وصف الملائكة بأنهم جند الله في عدة نصوص من الكتاب والسنة وبينت بأن مهمتهم هي: مساندة ومناصرة المؤمنين المتقين، والانتقام من الظالمين والمفسدين والمعاندين.
ومن ذلك أمداد الله المؤمنين بالملائكة في معركة بدر كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩]، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٥].
_________________
(١) تفسير القرآن الكريم، (٢/ ٩).
(٢) الرجز: هو العذاب، وهو من الرجس أيضًا، وقيل: العذاب المقلقل؛ لشدته وله قلقلة شديدة متتابعة. ينظر: مجمل اللغة، ابن فارس، (١/ ٤٢٠)، والغريبين في القرآن والحديث، الهروي، (٣/ ٧١٧)، وتاج العروس، (١٥/ ١٤٩).
(٣) رواه مسلم في كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها، ح (٢٢١٨)، (٤/ ١٧٣٨).
(٤) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار، ح (٣٤٧٤)، (٤/ ١٧٥).
[ ٤١ ]
وعن ابن عباس - ﵄ - أن الرسول - ﷺ - قال في يوم بدر: «هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة حرب (^١)».
وقد بين الله الحكمة والغاية من هذا الإمداد، وهو تثبيت المؤمنين، والمحاربة معهم، وقتال الأعداء، وقتلهم بضرب أعناقهم وأيديهم: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: ١٢]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٦ - ١٢٧].
وسمع أحد المقاتلين من المسلمين صوت ضربة ملك، ضرب بها أحد الكفار، وصوته وهو يزجر فرسه ، فحدث بذلك رسول الله - ﷺ - فقال: «صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة (^٢)».
وقد حاربت الملائكة في مواقع أخرى ففي غزوة الخندق أرسل الله ملائكته: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾ [الأحزاب: ٩]، والمراد بالجنود التي لم يروها الملائكة، كما ثبت أن جبريل جاء الرسول - ﷺبعد رجوعه من الخندق وقد وضع سلاحه واغتسل، فأتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال للرسول - ﷺ -: وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه، أخرج إليهم. فقال رسول الله - ﷺ -: «فأين؟» فأشار إلى بني قريظة (^٣).
خامسًا: هذا الوباء يمكن هزيمته والقضاء عليه بالأدوية أو اللقاحات أو غير ذلك، فلا يصح وصفه بأنه من جند الله؛ لأن جند الله لا يغلبون كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة أحد، ح (٤٠٤١)، (٥/ ٩٤).
(٢) رواه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم، ح (١٧٦٣)، (٣/ ١٣٨٣).
(٣) رواه البخاري في كتاب المغازي، باب مرجع النبي - ﷺ - من الأحزاب، ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته إياهم، ح (٤١٢٢)، (٥/ ١١٢)، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب جواز قتال من نقض العهد، وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهل للحكم، ح (١٧٦٩)، (٣/ ١٣٨٩).
[ ٤٢ ]
(١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧٣]، فجند الله لهم الغلبة والنصرة في العاقبة؛ لأنهم ينجون من عذاب الدنيا والآخرة (^١)، وقيل: أي سبق الوعد بنصرهم بالحجة والغلبة (^٢).
قال الألوسي -﵀-: وظاهر السياق يقتضي أن ذلك في الدنيا وأنه بطريق القهر والاستيلاء والنيل من الأعداء إما بقتلهم أو تشريدهم أو إجلائهم عن أوطانهم أو استئسارهم أو نحو ذلك، والجملتان دالتان على الثبات والاستمرار فلا بد من أن يقال: إن استمرار ذلك عرفي، وقيل: هو على ظاهره واستمرار الغلبة للجند مشروط بما تشعر به الإضافة فلا يغلب اتباع المرسلين في حرب إلا لإخلالهم بما تشعر به بميل ما إلى الدنيا، أو ضعف التوكل عليه تعالى، أو نحو ذلك، ويكفي في نصرة المرسلين إعلاء كلمتهم وتعجيز الخلق عن معارضتهم، وحفظهم من القتل في الحروب، ومن الفرار فيها ولو عظمت هنالك الكروب، ولا يخفى وجه التعبير بمنصورون مع المرسلين وبالغالبون مع الجند (^٣).
وقال السعدي -﵀-: وهذه بشارة عظيمة، لمن قام بأمر الله وصار من حزبه وجنده، أن له الغلبة، وإن أديل عليه في بعض الأحيان؛ لحكمة يريدها الله تعالى، فآخر أمره الغلبة والانتصار، ومن أصدق من الله قيلا (^٤).
وقال الشنقيطي -﵀-: هذه الآية الكريمة تدل على أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وأتباعهم منصورون دائما على الأعداء بالحجة والبيان، ومن أمر منهم بالجهاد منصور أيضًا بالسيف والسنان، والآيات الدالة على هذا كثيرة; كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧] (^٥).
_________________
(١) ينظر: التفسير الوسيط، الواحدي، (٣/ ٥٣٥).
(٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن، (١٥/ ١٣٩).
(٣) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، (١٢/ ١٤٩).
(٤) تفسير الكريم الرحمن، ص (٢٣٦).
(٥) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، (٦/ ٣٢١).
[ ٤٣ ]
سادسًا: أن لفظ الجنود في القرآن لفظ شرعي وقد جاء على صنفين:
الصنف الأول: المنسوبون إلى الله، وهم على قسمين:
القسم الأول: هم الملائكة كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، وقد ذكرهم الله في آية أخرى كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التوبة: ٢٦]، قال ابن عباس - ﵄ -: يعني الملائكة (^١).
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾ [الأحزاب: ٩]، قال الطبري -﵀-: هي الملائكة التي ذكرتُ في الأخبار التي قد مضى ذكرها (^٢)، وهذا ما ذكره أيضًا ابن أبي حاتم -﵀- في تفسيره (^٣)، وابن زمنين -﵀- في تفسيره (^٤)، والثعلبي -﵀- في تفسيره (^٥)، والواحدي -﵀- في تفسيره (^٦)، والسمعاني في تفسيره (^٧)، وذكر مثل ذلك كثير من أهل العلم والتفسير.
وقد تقدم ذكر أن الجنود في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، هم الملائكة.
القسم الثاني: الأنس المؤمنون كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧٣].
الصنف الثاني: المنسوبون إلى غير الله، وهم على أربعة أقسام:
القسم الأول: قوم فرعون كما في قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)﴾ [الدخان: ٢٣].
_________________
(١) ينظر: تفسير الوسيط، الواحدي، (٢/ ٤٨٨)، وزاد المسير، (٢/ ٢٤٧).
(٢) تفسير الطبري، (١٤/ ١٨٩).
(٣) تفسير القرآن العظيم، (٦/ ١٧٧٤).
(٤) تفسير القرآن العزيز، (٢/ ٢٠٠).
(٥) الكشف والبيان عن تفسير القرآن، (٥/ ٢٦).
(٦) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، (١/ ٤٥٩).
(٧) تفسير القرآن، (٢/ ٢٩٩).
[ ٤٤ ]
القسم الثاني: هم جنود سليمان ﵇ من الجن كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾ [النمل: ١٧].
القسم الثالث: هم جنود سليمان ﵇ من الطير كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾ [النمل: ١٧].
القسم الرابع: هم جنود إبليس كما ورد في قوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾ [الشعراء: ٩٤ - ٩٥].
فلفظ الجنود لفظ شرعي ورد لهذه الأصناف الأربعة، وإطلاق وصف الجنود على الفيروس مخالف للآيات ومعارض للألفاظ الشرعية، ولا يجوز مخالفة آيات الله أو العدول عنها أو التوسع في إدخال لفظ لم يرد في كتاب الله، ومن ثم الاستدلال على أنه جند من جند الله.
سابعًا: من القواعد المقررة التي وردت في الشريعة والتي تتعلق بالأحكام والآداب العامة بأنه إذا كان يلزم من تخصيص خلق الشيء نقص فإنه لا يسوغ التخصيص، وكذلك إذا كان يلزم من التخصيص معنى قبيح أو مخلوقات وضيعة فإنه لا يسوغ التخصيص أيضًا؛ حتى لا يكون هناك عدم تقدير أو سوء أدب مع الله ﷿.
ومثال ذلك كقول القائل: الله خالق كل شيء، فلا يقال: الله خالق الكلاب، فإنه لا يصح هذا الوصف مع أن الله خالق كل شيء ومن ذلك الكلاب؛ لأن مثل هذا يوهم معنى قبيحًا، والحكم العام إذا كان تخصيصه يقتضي معنى قبيحًا فإنه لا يسوغ أن يأتي به الإنسان، ويقاس على ذلك الأمراض فلا يقال: يا خالق الأمراض، أو يا خالق الأوبئة أو الطواعين.
قال ابن تيمية -﵀-: إن الله خالق كل شيء ومريد لكل حادث ومع هذا يمنع الإنسان أن يخص ما يستقذر من المخلوقات، وما يستقبحه الشرع من الحوادث بأن يقول على الانفراد: يا خالق الكلاب، ويا مريدًا للزنا ونحو ذلك، خلاف ما لو قال: يا خالق كل شيء ويا من كل شيء يجري بمشيئته (^١).
وقال ابن عادل -﵀-: فالتمسك بالآيات بأنه كان الكل من الله، فإنه لا يضاف إليه ذلك؛ لما فيه من سوء الأدب، كما يقال: يا
_________________
(١) مجموع الفتاوى، (٦/ ٥٠٤).
[ ٤٥ ]
خالق المحدثات والعرش والكرسي، ولا يقال: يا خالق الكلاب والخنازير، وقال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ [الإنسان: ٦]، فخص اسم العباد بالمتقين، وإن كان الكفار أيضا من العباد (^١).
ثامنًا: استشكل على بعضهم ورود حديث يُذكر فيه بأن الجراد من جند الله، كما في حديث سلمان - ﵁ - قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن الجراد؟ فقال: «أكثر جنود الله، لا آكله، ولا أحرمه» (^٢).
والجواب على هذا الإشكال ما يلي:
١ - أن أهل العلماء ضعفوا هذا الحديث؛ فبطل الاستدلال به.
٢ - ورد في الحديث الصحيح أن النبي - ﷺ - أكل الجراد، فعن عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ -، قال: «غزونا مع رسول الله - ﷺ - سبع غزوات نأكل الجراد (^٣)».
٣ - أنه قد أجمع المسلمون على إباحة أكل الجراد (^٤)، والجمهور على حله (^٥).
٤ - أنه ثبت في نصوص كثيرة أن الملائكة هم أكثر خلق الله.
_________________
(١) اللباب في علوم الكتاب، (١/ ٢٩٣).
(٢) رواه أبو داود ح (٣٨١٤)، (٣/ ٣٥٨)، وابن ماجه، ح (٣٢١٩)، (٢/ ١٠٣٧)، والبزار في مسنده، ح (٢٥٠٩)، (٦/ ٤٧٧)، والطبراني في الكبير، ح (٦١٤٩)، (٦/ ٢٥٦)، والبيهقي في الكبرى، (١٨٩٩٤)، (٩/ ٤٣١)، وقال البغوي في مصابيح السنة، (٣/ ١٤٠): ضعيف، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة، (٤/ ٤٣): ضعيف.
(٣) رواه البخاري في كتاب الذبائح والصيد، باب أكل الجراد، ح (٥٤٩٥)، (٧/ ٩٠)، ومسلم في كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب إباحة الجراد، ح (١٩٥٢)، (٣/ ١٥٤٦).
(٤) ينظر: شرح صحيح مسلم، النووي، (١٣/ ١٠٣).
(٥) ينظر: زاد المعاد، (٤/ ٣٥٢).
[ ٤٦ ]