من النوازل العقدية التي حدثت مع حلول وباء كورونا هي: الزعم بأن التداوي بالأدوية الطبية هو السبب الوحيد للعلاج من هذا الوباء وغيره من الأمراض، وأن التداوي الشرعي لا ينفع ولا يرفع البلاء، فلابد من ترك كل ماله صلة بالدين؛ لأن ذلك مجرد خرافات وأساطير.
فقد دعا أحد الباحثين في علم النفس الاجتماعي بالمغرب: إلى الاستعانة بالمتخصصين؛ لفهم مختلف حيثيات وجوانب الموضوع، كما أشار حسب زعمه إلى استغلال الوضع من لدن البعض؛ لتمرير خطابات دينية خاطئة تقوم على التهويل النابع من الجهل والإيمان بالأسطورة، مشددا على أن خطورة تلك التفاسير تكمن في تشجيع خطاب الاستسلام، فضلا عن غرس الرعب في نفوس الناس، داعيًا إلى التشبث بالحقيقة الطبية التي تفيد بأن الفيروس الحيواني أصبح ينتقل بين الإنسان (^١).
وقال أحد الكتاب: أقرأ تفسيرات واقتراح علاجات غريبة لرجال دين عند الإصابة بفيروس كورونا ، والمفارقة أن رجال الدين هؤلاء يسمحون لأنفسهم أن يتدخلوا بالطب وغيره من العلوم الحديثة، ويعطوا آراء على الضد من الخبراء فيها، لكنهم لا يسمحون للطبيب أو غيره من أهل العلم أن يفهم الدين، أو أن يعطى رأيًا في فهم نصوصه؛ بذريعة أنه ليس متخصصًا في الدين كما يقولون.
وقال كاتب آخر: لقد انتصر العلم هو الذى يشفي، وعلى الناس بما فيهم رجال الدين أن يصغوا إلى العلم، لا التعاويذ الدينية تنفع، ولا الابتهالات الدينية تنفع. يأخذ رجال الدين تعليماتهم حول السلوك اليومي من علماء العلم الحديث والتقني لا من رجال دين آخرين.
وليس في كتاب مقدس أو مجموعة من الأحاديث النبوية أو الرأي الديني أو القياس أو الإجماع أي فائدة بالنسبة لعموم البشر. عليهم أن ينصتوا لعلماء لم يسمعوهم إلا لمامًا في الأحوال العادية. الآن يقود الدفة العلماء والممرضون (^٢).
_________________
(١) ينظر: موقع صحيفة هسبريس الإلكترونية https:// www.hespress.com/ orbites/ ٤٦٢٥٠٣.html
(٢) ينظر: الشروق لإلكترونية https:// www.shorouknews.com/ columns/ view.aspx؟ cdate=١٧٠٣٢٠٢٠&id=c ٥٦٥ dad ٢ - ac ٦ c-٤٦ e ٣ - af ١ d-a ١٦٩١ ad ٠٩٤ e ٩
[ ٥٢ ]
التوجيه العقدي الصحيح لهذه النازلة كالآتي:
أولًا: إن الاعتقاد بأن هذه الأمراض والأوبئة مؤثرة بدون تقدير الله تعالى ومشيئته اعتقاد يقدح في التوحيد؛ لأنه ليس هناك شيء يستقل بالتأثير بدون مشيئة الله تعالى، وأن الأسباب وإن عظمت لا تأثير لها إلا بإذن الله ﷿ قال الله تعالى في السحرة: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي بقضاء الله (^١)، فإنه لا يحدث شيء إلا بمشيئته وإرادته ﷾ (^٢).
والله تعالى شرع لنا الأخذ بالأسباب، وأمرنا بذلك في مواضع كثيرة، والتداوي بالعلاجات والأدوية من الأخذ بالأسباب، والمؤمن يحقق التوحيد فيعلم أن الأمر كله لله، ويمتثل الشرع فيأخذ بالأسباب ويستعمل كل ما فيه نفع لبدنه وصحته.
يقول ابن تيمية -﵀-: وأهل السنة لا ينكرون وجود ما خلقه الله من الأسباب ولا يجعلونها مستقله بالآثار، بل يعلمون أنه ما من سبب مخلوق إلا وحكمه متوقف على سبب آخر، وله موانع تمنع حكمه، كما أن الشمس سبب في الشعاع، وذلك موقوف على حصول الجسم القابل به، وله مانع كالسحاب والسقف والله خالق الأسباب كلها، ودافع الموانع (^٣).
أما اعتماد العبد على الأسباب اعتمادًا كليًا مع اعتقاده أنها تنفع من دون الله شرك الأكبر، وإن اعتمد على السبب مع اعتقاده أن الله هو النافع الضار فقد وقع في الشرك الأصغر، فالمؤمن مأمور بفعل السبب مع التوكل على مسبب الأسباب جل وعلا، وإن ترك الأسباب واعتقد أن الشرع أمر بتركها وأنها لا نفع، فإنه يقع في مخالفة لما أمر الله به.
ويقول -﵀-: ولهذا قال طائفة من العلماء: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، وإنما التوكل المأمور به ما اجتمع فيه مقتضى التوحيد والعقل والشرع (^٤).
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري، (٢/ ٤٥٠).
(٢) ينظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، (٥/ ٥٧٦).
(٣) درء تعارض العقل والنقل، (٩/ ٢٩).
(٤) مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٥).
[ ٥٣ ]
وقال ابن سعدي -﵀-: يجب على العبد أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور:
أحدها: ألا يجعل منها سببًا إلا ما ثبت أنه سبب شرعًا أو قدرًا.
ثانيها: ألا يعتمد العبد عليها، بل يعتمد على مسببها ومقدرها، مع قيامه بالمشروع منها، وحرصه على النافع منها.
ثالثها: إن الأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره لا خروج لها عنه، والله تعالى يتصرف فيها كيف يشاء. (^١)
ثانيًا: أن الله أخبر في كتابه إنه ينبغي على المسلم المبتلى بمرض معدٍ أو مرض لا يرجى برؤه أن يصبر ويحتسب الأجر عند الله تعالى، ولا ييأس من الشفاء؛ لأن الشفاء بيد الله تعالى وحده، ولابد من التضرع والالتجاء إليه وحده والانكسار بين يديه، فإن الله سبحانه قريب لا يرد سائلًا، وما الطبيب ولا الدواء إلا وسائل لوقوع قضاء الله وقدره، كما أخبر سبحانه عن قصة أيوب ﵇ مع المرض والبلاء، قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وقال سبحانه في آية أخرى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾ [ص: ٤٢] أي: اذكر عبدنا ورسولنا، أيوب - مثنيا معظما له، رافعا لقدره - حين ابتلاه ببلاء شديد فوجده صابرا راضيا عنه، فتوسل إلى الله بالإخبار عن حال نفسه، وأنه بلغ الضر منه كل مبلغ، فاستجاب الله له فركض برجله فخرجت من ركضته عين ماء باردة فاغتسل منها وشرب، فأذهب الله عنه ما به من الأذى ، ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ أي: جعلناه عبرة للعابدين، الذين ينتفعون بالعبر، فإذا رأوا ما أصابه من البلاء، ثم ما أثابه الله بعد زواله، ونظروا السبب، وجدوه الصبر، ولهذا أثنى الله عليه به في قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ فجعلوه أسوة وقدوة عندما يصيبهم الضر (^٢).
_________________
(١) القول السديد شرح كتاب التوحيد، ص (٤٦).
(٢) ينظر: تيسير الكريم الرحمن، ص (٥٢٨).
[ ٥٤ ]
ثالثًا: أن التداوي بالأدوية من سنة الإسلام، ومن هدي النبي - ﷺ -، مع إيمان المسلم بأن الله وحده هو الشافي، فعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء» (^١)، وفي رواية: عن جابر - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله ﷿ (^٢)».
فما بين المريض وبين الشفاء إلا أن يعرف أي الأدوية يصلح لمرضه، فإن عرفه وتناوله وتداوى به كان الشفاء بإذن الله تعالى وبرحمته، ويوضح ذلك حديث ابن مسعود - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الله لم ينزل داء إلا أنزل معه دواء، جهله من جهله، وعلمه من علمه (^٣)».
وجاء بعض الأعراب يسألونه - ﷺ -: أعلينا حرج في كذا؟ أعلينا حرج في كذا؟ فقال لهم: «عباد الله، وضع الله الحرج، إلا من اقترض، من عرض أخيه شيئا، فذاك الذي حرج» فقالوا يا رسول الله: هل علينا جناح ألا نتداوى؟ قال: «تداووا عباد الله، فإن الله، سبحانه، لم يضع داء، إلا وضع معه شفاء، إلا الهرم (^٤)».
وكان النبي - ﷺ - إذا جاءه مريض أو مرضى يشتكون من المرض دلَّهم على ما يتداوون به وما يستشفون به، فعن أبي سعيد - ﵁ -: أن رجلا أتى النبي - ﷺ - فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال: «اسقه عسلًا» ثم أتى الثانية، فقال: «اسقه عسلًا» ثم أتاه الثالثة فقال: «اسقه عسلًا» ثم أتاه فقال: قد فعلت؟ فقال: «صدق الله، وكذب بطن أخيك، اسقه عسلًا» فسقاه فبرأ (^٥).
يقول الشيخ ابن باز -﵀-: لا بأس بالتداوي إذا خشي وقوع الداء؛ لوجود وباء أو أسباب أخرى يخشى من وقوع الداء بسببها، فلا بأس بتعاطي الدواء؛ لدفع البلاء الذي يخشى منه لقول النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: «من تصبح بسبع تمرات من تمر المدينة لم يضره سحر ولا
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، ح (٥٦٧٨)، (٧/ ١٢٢).
(٢) رواه مسلم في كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي، ح (٢٢٠٤)، (٤/ ١٧٢٩).
(٣) رواه ابن حبان في صحيحه، ح (٦٠٦٢)، (١٣/ ٤٢٧)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، (١/ ٨١٤).
(٤) رواه ابن ماجه، ح (٣٤٣٦)، (٣/ ١١٣٧)، وأحمد في المسند من دون لفظ أول الحديث، ح (١٨٤٥٥)، (٢٠/ ٣٩٨)، والحاكم في المستدرك، ح (٨٢٠٦)، (٤/ ٤٤١)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي في التلخيص، وقال الأرناؤوط في حاشية المسند، (٢٠/ ٣٩٨): حديث صحيح.
(٥) رواه البخاري في كتاب الطب، باب الدواء بالعسل، ح (٥٦٨٤)، (٧/ ١٢٣)، ومسلم في كتاب السلام، باب التداوي بسقي العسل، ح (٢٢١٧)، (٤/ ١٧٣٦).
[ ٥٥ ]
سم (^١)»، وهذا من باب دفع البلاء قبل وقوعه فهكذا إذا خشي من مرض وطعم ضد الوباء الواقع في البلد أو في أي مكان لا بأس بذلك من باب الدفاع، كما يعالج المرض النازل، يعالج بالدواء المرض الذي يخشى منه، لكن لا يجوز تعليق التمائم والحجب ضد المرض أو الجن أو العين؛ لنهي النبي - ﷺ - عن ذلك. وقد أوضح - ﷺ - أن ذلك من الشرك الأصغر فالواجب الحذر من ذلك (^٢).
رابعًا: كان من سنته - ﷺ - التداوي بالدعاء فكان يدعو الله تعالى بأدعية حال المرض؛ يطلب بها الشفاء منه ﷾، ولم يكن يهمل التداوي أو لا يحرص عليه، وإنما كان يريد تعلق المسلم بالله في صحته ومرضه، والتضرع له سبحانه برفع ضره؛ لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله.
فعن عثمان بن أبي العاص الثقفي - ﵁ -، أنه شكا إلى رسول الله - ﷺ - وجعا يجده في جسده منذ أسلم فقال له رسول الله - ﷺ -: «ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل باسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر» (^٣).
قال ابن القيم -﵀-: الدعاء، من أقوى الأسباب في دفع المكروه، وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف أثره عنه، إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله؛ لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء؛ فيكون بمنزلة القوس الرخو جدًا، فإن السهم يخرج منه خروجا ضعيفا، وإما لحصول المانع من الإجابة: من أكل الحرام، والظلم، ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والشهوة واللهو، وغلبتها عليها (^٤).
وعن عطاء بن أبي رباح -﵀-، قال: قال لي ابن عباس - ﵄ -: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي - ﷺ - فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الطب، باب شرب السم والدواء به وبما يخاف منه والخبيث، ح (٥٧٧٩)، (٧/ ١٤٠)، ومسلم في كتاب الأشربة، باب فضل تمر المدينة، ح (٢٠٤٧)، (٣/ ١٦١٨).
(٢) مجموع فتاوى ابن باز، (٦/ ٢١).
(٣) رواه مسلم، في كتاب السلام، باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء، ح (٢٢٠٢)، (٤/ ١٧٢٨).
(٤) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي أو الداء والدواء، ص (٩).
[ ٥٦ ]
الله لي، قال: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك» فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها» (^١).
قال ابن حجر -﵀-: وفيه دليل على جواز ترك التداوي وفيه أن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير وأن تأثير ذلك وانفعال البدن عنه أعظم من تأثير الأدوية البدنية ولكن إنما ينجع بأمرين أحدهما من جهة العليل وهو صدق القصد والآخر من جهة المداوي وهو قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل (^٢).
وقال ابن باز -﵀-: إن الله ﷾ جعل فيما أنزل على نبيه - ﷺ - من الكتاب والسنة العلاج لجميع ما يشكو منه الناس من أمراض حسية ومعنوية وقد نفع الله بذلك العباد وحصل به من الخير ما لا يحصيه إلا الله ﷿ (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري، في كتاب المرضى، باب فضل من يصرع من الريح ح (٥٦٥٢)، (٧/ ١١٦)، ومسلم، في كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض، أو حزن، أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها، ح (٢٥٧٦)، (٤/ ١٩٩٤).
(٢) فتح الباري، (١٠/ ١١٥).
(٣) مجموع فتاوى بن باز، (٩/ ٤١١).
[ ٥٧ ]