في الصحيح عن عائشة: "أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور؛ أولئك شرار الخلق عند الله" ١. فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل.
ولهما، عنها، قالت: "لما نزل برسول الله ﷺ، طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال -: وهو كذلك- لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا" ٢ أخرجاه.
ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ
_________________
(١) ١ البخاري: الصلاة (٤٣٤)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٥٢٨)، والنسائي: المساجد (٧٠٤)، وأحمد (٦/٥١) . ٢ البخاري: الصلاة (٤٣٦)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٥٣١)، والنسائي: المساجد (٧٠٣)، وأحمد (١/٢١٨،٦/٣٤،٦/١٢١،٦/١٤٦،٦/٢٧٤)، والدارمي: الصلاة (١٤٠٣) .
[ ٦٠ ]
قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد؛ ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" ١. فقد نهى عنه في آخر حياته. ثم إنه لعن - وهو في السياق - من فعله. والصلاة عندها من ذلك وإن لم يبن مسجد، وهو معنى قولها: "خشي أن يتخذ مسجدا" ٢، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا، كما قال ﷺ: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" ٣.
ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد" ٤ ورواه أبو حاتم في صحيحه.
فيه مسائل:
الأولى: ما ذكر الرسول فيمن بنى مسجدا يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل.
الثانية: النهي عن التماثيل، وغلظ الأمر في ذلك ٥.
_________________
(١) ١ مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٥٣٢) . ٢ البخاري: الجنائز (١٣٩٠)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٥٣١)، والنسائي: المساجد (٧٠٣)، وأحمد (١/٢١٨،٦/٣٤،٦/١٢١،٦/١٤٦،٦/٢٥٥)، والدارمي: الصلاة (١٤٠٣) . ٣ البخاري: التيمم (٣٣٥)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٥٢١)، والنسائي: الغسل والتيمم (٤٣٢) والمساجد (٧٣٦)، وأحمد (٣/٣٠٤)، والدارمي: الصلاة (١٣٨٩) . ٤ أحمد (١/٤٠٥) . ٥ في المخطوطة زيادة: (فإذا اجتمع الأمران غلظ الأمر) .
[ ٦١ ]
الثالثة: العبرة في مبالغته ﷺ في ذلك. كيف بين لهم هذا أولا، ثم قبل موته بخمس، قال ما قال، ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم.
الرابعة: نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر.
الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم.
السادسة: لعنه إياهم على ذلك.
السابعة: أن مراده تحذيره إيانا عن قبره ١.
الثامنة: العلة في عدم إبراز قبره.
التاسعة: في معنى اتخاذها مسجدا.
العاشرة: أنه قرن بين من اتخذها ٢ وبين من تقوم عليه الساعة، فذكر الذريعة إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته.
الحادية عشرة: ذكره في خطبته قبل موته بخمس: الرد على الطائفتين اللتين هما شرار أهل البدع، بل أخرجهم بعض أهل العلم من الثنتين والسبعين فرقة، وهم الرافضة والجهمية. وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور ; وهم أول من بنى عليها المساجد.
_________________
(١) ١ في المخطوطة: "أن مراده ﷺ تحذيرنا عن قبره". ٢ في المخطوطة زيادة: "مساجد".
[ ٦٢ ]
الثانية عشرة: ما بلي به ﷺ من شدة النَّزع.
الثالثة عشرة: ما أكرم به من الخلة.
الرابعة عشرة: التصريح بأنها أعلى من المحبة.
الخامسة عشرة: التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة.
السادسة عشرة: الإشارة إلى خلافته.
[ ٦٣ ]