في فضل أهل البيت وما يجب لهم
من غير جفاء ولا غلو أهل البيت هم آل النبي ﷺ الذين حرم عليهم الصدقة وهم آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس وبنو الحارث بن عبد المطلب وأزواج النبي ﷺ وبناته، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]
قال الإمام ابن كثير ﵀: ثم الذي لا يشك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي ﷺ داخلات في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] فإن سياق الكلام معهن، ولهذا قال بعد هذا كله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] أي واعلمن بما ينزل الله ﵎ على رسوله ﷺ في بيوتكن من الكتاب والسنة، قال قتادة وغير واحد، واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس،
[ ١١٨ ]
وأن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة الصديقة بنت الصديق ﵂ أوْلاهنَّ بهذه النعمة وأخَضَهُن من هذه الرحمة العميمة، فإنه لم ينزل على رسول الله ﷺ الوحي في فراش امرأة سواها، كما نص على ذلك صلوات الله وسلامه عليه، وقال بعض العلماء: لأنه لم يتزوج بكرا سواها، ولم ينم معها رجل في فراشها سواه ﷺ (يريد أنها لم تتزوج غيره) فناسب أن تخصص بهذه المزية، وأن تفرد بهذه المرتبة العلية، ولكن إذا كان أزواجه من أهل بيته فقرابته أحق بهذه التسمية - انتهى من تفسير ابن كثير.
فأهل السنة والجماعة يحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم (اسم موضع): «أذكركم الله في أهل بيتي» (١) فأهل السنة يحبونهم ويكرمونهم، لأن ذلك من محبة النبي ﷺ وإكرامه، وذلك شرط أن يكونوا متبعين
_________________
(١) رواه مسلم.
[ ١١٩ ]
للسنة مستقيمين على الملة. كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه وعلي وبنيه، أما من خالف السنة ولم يستقم على الدين فإنه لا يجوز موالاته ولو كان من أهل البيت.
فموقف أهل السنة والجماعة من أهل البيت موقف الاعتدال والإنصاف، يتولون أهل الدين والاستقامة منهم. ويتبرءون ممن خالف السنة وانحرف عن الدين ولو كان من أهل البيت، فإن كونه من أهل البيت ومن قرابة الرسول لا تنفعه شيئا حتى يستقيم على دين الله، فقد روى أبو هريرة ﵁ قال: «قام رسول الله ﷺ حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] فقال يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد ﷺ سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله
[ ١٢٠ ]
شيئا» (١) والحديث: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه» (٢) ويتبرأ أهل السنة والجماعة من طريقة الروافض الذين يغلون في بعض أهل البيت ويَدَّعون لهم العصمة، ومن طريقة النواصب الذين ينصبون العداوة لأهل البيت المستقيمين ويطعنون فيهم ومن طريقة المبتدعة والخرافيين الذين يتوسلون بأهل البيت ويتخذونهم أربابا من دون الله.
فأهل السنة في هذا الباب وغيره على النهج المعتدلة والصراط المستقيم الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، ولا جفاء ولا غلو في حق أهل البيت وغيرهم، وأهل البيت المستقيموَن ينكرون الغلو فيهم ويتبرءون من الغلاة، فقد حرّق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ الغلاة الذين غلوا فيه بالنار. وأقره ابن عباس ﵁ على قتلهم، لكن يرى قتلهم بالسيف بدلا من التحريق، وطلب علي ﵁ عبد الله بن سبأ رأس الغلاة ليقتله لكنه هرب واختفى.
_________________
(١) رواه البخاري.
(٢) رواه مسلم.
[ ١٢١ ]