وَنَذْكُر بعض مَا ذكر الكعبي لِتَعْلَمُوا مبلغه فِي معرفَة الله وَالْعلم بِهِ فَيكون فِي ذَلِك الْإِحَاطَة بمبلغ مَذْهَب الإعتزال إِذْ هُوَ عِنْدهم إِمَام أهل الأَرْض وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٤٩ ]
قَالَ مَا احْتمل اخْتِلَاف الْحَال والشخص فَهُوَ صفة الْفِعْل نَحْو القَوْل يرْزق فلَانا وَيرْحَم فِي حَال وَلَا يرحم فِي حَال وَكَذَلِكَ الْكَلَام وَمثله فِي الْأَشْخَاص وَمثله فِي الْقُدْرَة وَالْعلم والحياة لَا يحْتَمل فَهُوَ صفة الذَّات
وَقَالَ كل مَا يَقع عَلَيْهِ الْقُدْرَة فَهُوَ صفة الْفِعْل نَحْو الرَّحْمَة وَالْكَلَام وَمَا لَا يَقع عَلَيْهِ فَهُوَ صفة الذَّات نَحْو أَن لَا يُقَال أيقدر أَن يعلم أَو لَا ثمَّ يسْأَل عَن صفة الذَّات أَنه لم لَا يجب الْوَصْف بضده قَالَ لِأَنَّهُ يرجع إِلَى ذَاته وذاته غير مُخْتَلف وَذَلِكَ يُوجب الإختلاف ثمَّ قَالَ وَإِذا كَانَ ذَاته غير مُخْتَلف لم يجز الإختلاف ثمَّ مَا بقيت نَفسه كالشيء الَّذِي يجب لعِلَّة يَدُوم بدوامها
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَمن قَوْله أَن لَيْسَ لله فِي الْحَقِيقَة صفة وَإِنَّمَا هُوَ وصف الواصف لَهُ أَو تَسْمِيَة الْمُسَمّى وَقد وجد الْأَمْرَانِ جَمِيعًا فِي وصف الواصفين أَنى وصفوه بِالْعلمِ وَالْقُدْرَة وَالْفِعْل على غير اخْتِلَاف من حَيْثُ الْوَصْف ثمَّ سمى هُوَ فِي الْحَقِيقَة عَالما خَالِقًا قَادِرًا فِي التَّحْقِيق فَلَا وَجه لتعريفه من حَيْثُ وصف إِذْ حقيقتهما ترجع إِلَى مَا فِيهِ الْوِفَاق
ثمَّ قد يُقَال سمع دُعَاء فلَان وَلم يسمع دُعَاء فلَان وَيَقُول الرجل مَا علم الله ذَلِك مني وَيَقُول علم مني فِي وَقت كَذَا وَلم يعلم مني فِي وَقت كَذَا ثمَّ لم يجب بِهِ أَن السّمع وَالْعلم لَا يكونَانِ من صِفَات الذَّات فَمَا منع كَذَلِك فِي التكليم وَالرَّحْمَة
فَإِن قَالَ يُرِيد نفى الْمَعْلُوم والمسموع
قيل لَهُ كَذَلِك فِي الأول يُرِيد نفى فِرْعَوْن من بره وإكرامه بِذكر نفى الْكَلَام وَهُوَ شَيْء يُرِيد بِهِ بره وَذَلِكَ مَعْرُوف مِمَّا بشر الْمُؤمنِينَ بالْكلَام وأيأس الْكفَّار وَذَلِكَ عندنَا على ذَلِك
[ ٥٠ ]
وَبعد فَإِن الْمَسْأَلَة سَاقِطَة لِأَنَّهُ علق الحكم بِجَوَاز القَوْل وَقد بَينا الْمَسْأَلَة قد عرفنَا بِمَا سبق أَن لَا يجوز أَن يُوصف الله بحادث وَلَو جَازَ ذَلِك لجَاز الْوَصْف بمصلح ومفسد وَخير وشرير وَذَلِكَ بَاطِل فَثَبت أَنه لَا بِمَا ظن وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا أَن كل غير الصَّوْت لَا يتَكَلَّم فِيهِ بتسميع وَجَائِز أَن يتَكَلَّم فِيهِ بِعلم ثمَّ لم يجب التَّفْرِيق بَينهمَا بالإختلاف فِي حرف الْإِثْبَات وَلم يُوجب فِي ذَاته إختلافا فَمَا منع كَذَلِك فِي حق النفى وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا أَنه لَا يجوز وصفى الله تَعَالَى بنفى الْعدْل ثمَّ لم يقل هُوَ صفة الذَّات عِنْدهم ثَبت أَن تَقْدِيره فَاسد
ثمَّ يُقَال لَهُ تعنى بِصفة الْفِعْل الْفِعْل نَفسه وَهُوَ الْخلق أهوَ عنْدك فعل أَو غَيره
فَإِن قَالَ الْخلق قيل لم قلت إِن الْخلق صفة وَهُوَ صفة من إِذْ لَا صفة إِلَّا لموصوف
فَإِن قَالَ هُوَ صفة الله أعظم القَوْل بِأَن يَجْعَل الْخلق لله صفة والخلق فَسَاد وقبيح وضرورة وَعجز وأنجاس وخبائث وكل بِصفتِهِ مَوْصُوف وَهَذِه الْأَوْصَاف مِمَّا يَأْبَى كل من لَهُ عقل أَن يُوصف بهَا فَكيف يُوصف بهَا الله
وَإِن قَالَ غير الْخلق لزمَه القَوْل أَن المُرَاد أَن صفته هِيَ فعل وَقد بَينا ذَلِك تَعَالَى الله عَن الْوَصْف بخلقه فَثَبت أَن صفته الَّتِي هِيَ الْفِعْل هِيَ صفة ذَاته
[ ٥١ ]
وَكَذَلِكَ يُقَال الله خَالق رَحْمَن رَحِيم فَإِنَّمَا سمى بِهِ ذَاته فَمثله صفة الْفِعْل أَي الْفِعْل وتوصف بِهِ ذَاته وَذَلِكَ كَمَا يُقَال كَلَام حِكْمَة وَصدق وَكذب على أَنه كَذَلِك وَهُوَ صفة لصَاحبه فَمثله يُضَاف إِلَى الله
وَبعد فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ قَوْلك رَحْمَة ومغفرة صفة للْفِعْل ولعنة وَشتم أَيْضا عنْدك صفة الْفِعْل فَمَا الْفِعْل الَّذِي سمى رَحْمَة ولعنة حَتَّى يُوصف الله بِهِ
فَإِن قَالَ جنَّة ونار وَقبُول ورد وَنَحْو ذَلِك بَطل قَوْله فِي الْمسَائِل الَّتِي ذكر فِي الْأَصْلَح وَالتَّعْدِيل والتجوير إِن الله رَحِيم لَا يفعل بعباده ذَلِك وكل ذَلِك مِمَّا فعل بعباده وَإِن أثبت معنى سوى ذَلِك فصارا غير خلقه بهما يُوصف على أَن قَوْله يشْتم كَلَام قَبِيح لَا يُوصف الله بِهِ
ثمَّ يُقَال لَهُ لم اعْتبرت بِالَّذِي ذكرت فِي صفة الذَّات وَالْفِعْل وَقد رَأَيْت صِفَات الذَّات مُخْتَلفَة فِي الإستعمال من وَجه الْإِثْبَات نَحْو أَن يُقَال بِالْعلمِ فِي أَشْيَاء لَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ فِيهَا وبالقدرة على أَشْيَاء لَا يُوصف بِالسَّمْعِ فِيهَا وبالرؤية فِي أَشْيَاء لَا يُوصف بِالْكَرمِ فِيهَا وبالجود وبالحكمة فِي أَشْيَاء لَا يُوصف بِالسَّمْعِ لَهَا وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يكثر الإختلاف بِهِ لم يجب بهَا الْفرق بل هُوَ الْمَوْصُوف بهَا فِي الْأَزَل لم لَا قلت كَذَلِك فِي جَمِيع مَا يُوصف بِهِ إِذْ هُوَ يتعالى عَن الإستحالة وَالْفساد إنَّهُمَا آيتان للْحَدَث أمارتان للكون بعد أَن لم يكن
وَأَيْضًا يُقَال لَهُ رَأَيْت الْخلق أقساما يُسمى الله عنْدك بِبَعْض الْخلق وَلَا يُسمى بِبَعْض ثمَّ لم يدل على اخْتِلَاف فِي حق الصّفة مَا منع كَذَلِك فِي أَمر الصِّفَات وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ قَوْله مَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ من صِفَات الذَّات فَهُوَ عِنْد خَصمه لَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ على شَيْء من صِفَاته إِلَّا على مجَاز اللُّغَة من إِرَادَة الْمَفْعُول فِي ذَلِك كَمَا يُسمى مَا يفعل بِالْأَمر أمرا وَنَحْو ذَلِك
[ ٥٢ ]
وَبعد فَإنَّا قد بَينا اخْتِلَاف أَحْوَال الصِّفَات فِي التوسيع والتضييق فِي أَشْيَاء على الإتفاق فِي أَنَّهَا صِفَات الذَّات فلنقل فِيمَا ذكر كَذَلِك
ثمَّ من مذْهبه أَن الله تَعَالَى كَانَ غير خَالق وَلَا رَحْمَن وَقدر على أَن يَجْعَل ذَاته خَالِقًا رحمانا وَيجوز أَن نعْبد الرَّحْمَن الْخَالِق فَيكون على قَوْله قدر على أَن يَجْعَل لِلْخلقِ معبودا وَذَلِكَ اسْم تقع عَلَيْهِ الْقُدْرَة فَيصير فِي الْحَقِيقَة يعبد غير الله وَهُوَ أَيْضا من وَجه هَذِه الْأَسْمَاء مُحدث من حَيْثُ كَانَت مِمَّا تقع عَلَيْهِ الْقُدْرَة
ثمَّ يُقَال لَهُ أيقدر الله أَن لايخلق الْخلق
فَإِن قَالَ لَا صيره خَالِقًا بِالضَّرُورَةِ أَو بِنَفسِهِ وَبَطل قَوْله وَإِن قَالَ يقدر فَيلْزمهُ أَن يَجْعَل غير الْمَخْلُوق خلقا بِوُقُوع الْقُدْرَة عَلَيْهِ وَفِي ذَلِك إِثْبَات قدم الْخلق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَاحْتج فِي حدث الْكَلَام بِذكر الْإِتْيَان والمجئ وَهُوَ من ذَلِك الْوَجْه مُحدث وَقد بَينا أَن الله تَعَالَى إِذْ وصف بالْكلَام على تعاليه عَن إحتمال التَّغَيُّر والزوال فَمثله فِي صفة الْكَلَام وَالْفِعْل وَمَا ذكرت
على أَن الله قد أضَاف المجئ إِلَى نَفسه ثمَّ لم يجب أَنه حدث بل صرف إِلَى الْوَجْه الَّذِي يحِق بالربوبية فَمثله الأول
وَكَذَلِكَ وَجب صرف الْإِتْيَان إِلَى الْوَجْه الَّذِي يحِق بالربوبية لَا إِلَى مَا عرف بِهِ الْخلق من التَّغَيُّر والزوال فَمثله فِي حَقِيقَة الْفِعْل وَالْكَلَام على مَا قَالَ إِبْرَاهِيم ﴿لَا أحب الآفلين﴾ وَمن يكون على حَال ثمَّ على أُخْرَى فَهُوَ من الآفلين بالتحقيق وَالله أعلم
[ ٥٣ ]
وَاحْتج بِمَا يحفظ وَقد يحفظ الله وَقد يكون ذَلِك على حفظ حُدُوده وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْكَلَام وَمَا يُضَاف إِلَى الله من الْكَلَام بَين الْخلق فَهُوَ مجَاز على الْمُوَافقَة بِمَا يعرف بِهِ الْكَلَام الَّذِي هُوَ صفته وَذَلِكَ كَمَا ذكرنَا من المجئ وَغَيره والعهد وَنصر الرب وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يُحَقّق ذَلِك الْمَعْنى لذاته فَمثله الْقُرْآن
وَقد احْتج بأنواع هُوَ من ذَلِك الْوَجْه مُحدث مَخْلُوق من النّسخ والسور والآيات وَنَحْو ذَلِك وَمن ذَلِك الْوَجْه لَا يُوصف الله بِهِ ثمَّ رَجَعَ إِلَى أَنه لَو قيل هُوَ صفة الذَّات كَالْعلمِ فَزعم أَنه لَا يَقُول لَهُ علم فِي الْحَقِيقَة
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ وَمَا قَالَه فَاسد لِأَنَّهُ عورض بقوله صفة الذَّات فَلْيقل بِهِ كَمَا قلت فِي الْعَالم بِلَا حَقِيقَة وَكَذَا السّمع وَنَحْوه وَنحن قد بَينا بِحَمْد الله مَا يكفى ذَا الْعقل دونه
ثمَّ عَارض الْكَلَام بِالْفِعْلِ وَلَا فرق بَينهمَا عِنْد خَصمه ثمَّ عَارض بِمَا لَا يَخْلُو فِي الشَّاهِد من يجوز مِنْهُ الْكَلَام يجوز مِنْهُ خرس أَو سكُوت وَقد أَخطَأ فِي السُّؤَال إِنَّمَا هُوَ من عجز أَو سكُوت وعارض بِالْفِعْلِ وَهُوَ كَذَلِك عِنْد الْخصم مَعَ مَا ذكر فِيهِ الْفِعْل وَالتّرْك وَمَا التّرْك إِلَّا الْفِعْل لَكِن الْحيرَة تعْمل بِهِ مَا ذكر ثمَّ عَارض بِالصَّبِيِّ أَنه لَيْسَ بأخرس وَقد بَينا أَنه يعجز عَن ذَلِك مَعَ مَا كَانَ من عظم الْجُزْئِيَّة أَن لَا يجد لنَفسِهِ مثلا يعرف بِهِ الرب إِلَّا الصّبيان والمجانين وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأجَاب لما عورض بِمَا لَا يَخْلُو الْقَادِر مِمَّا لَهُ الْقُدْرَة من فعل وَكَلَام بِهِ فِي
[ ٥٤ ]
حَال حُدُوث الْقُدْرَة من فعل وَذَلِكَ جهل الْمُعْتَزلَة جعله دَلِيلا فبورك لَهُ فِي توحيده الَّذِي ذَلِك دَلِيله
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن الْوَصْف بالْكلَام وَالْعلم وَالْفِعْل الْحَمد عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ وصف بِالْبَرَاءَةِ من الْآفَات والتعالى عَن الْعُيُوب وَهُوَ كَذَلِك فِي الْأَزَل مَعَ مَا لَو كَانَ بِغَيْرِهِ خَالِقًا رحمانا متكلما يجوز أَن يصير لَا كَذَلِك وَالْقَوْل بيا من لَيْسَ برحمن وَلَا رَحِيم وَلَا خَالق قَول ذمّ وإلحاق بِغَيْرِهِ من الْخَلَائق ثَبت أَنه بِذَاتِهِ رَحْمَن رَحِيم خَالق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
على أَنه لَو كَانَ يُسمى بِمَا يحل فِي غَيره ليجب أَن يُسمى بِكُل شَيْء يحل فِي غَيره مَعَ مَا لَو جَازَ ذَلِك لجَاز أَن يكون أحد يحْتَمل مثله فِي الشَّاهِد وَفِي امْتنَاع ذَلِك فِي مُحْتَمل التَّغَيُّر وصف لَهُ بالعلو عَن ذَلِك وَالله الْمُوفق
ثمَّ قَالَ يُرِيد بِصِفَات أَن لَا يثبت ثمَّة غير وَلم يرد أَنَّهَا ذَاته بل كل صفة لقديم أَو حَدِيث فَهِيَ غَيره وَهِي قَول أَو كتاب وصفات الله هِيَ قَوْلنَا الَّذِي نصفه أَو قَوْله وَكتابه وهما محدثان
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵁ ذكرت جملَة قَوْله الَّذِي بِهِ ختم مَسْأَلته لِتَعْلَمُوا مبلغ علمه بِاللَّه ثمَّ بِالصِّفَاتِ مرّة قَالَ لَا يثبت ثمَّة غير وَلَا يُرِيد أَنَّهَا هُوَ فَإِذا لم يرد بِالصِّفَاتِ هُوَ وَلَا غَيره أما يعلم أَنه قَول أهل الْإِثْبَات ثمَّ قَالَ هُوَ قَوْلنَا فقولنا هِيَ لَيست غَيره حَتَّى نقُول لَيْسَ ثمَّة غير ثمَّ ذكر أَن صِفَات الله هِيَ مَا ذكر وَقَالَ هِيَ صِفَات الذَّات فَإِذا مَا ذكر هِيَ صِفَات الذَّات وَهُوَ لم يزل بهَا مَوْصُوفا وَهِي أغيار لَهُ جلّ رَبنَا عَمَّا يصفه المبطلون
[ ٥٥ ]
ثمَّ قَالَ فَإِن قيل لم لَا جعلتم الرَّحْمَة صفة فِي الْحَقِيقَة دون أَن يَقُول رَحِيم فَزعم أَن رَحِيم صفة دون الرَّحْمَة إِذْ كل من فعل صفة الشَّيْء فقد وَصفه كمن يشْتم آخر أَو يسوده أَنه شَتمه وسوده فَكَذَلِك خلق الرَّحْمَة وَلَا يجوز أَن يُوصف بهَا إِذْ خلقهَا حَتَّى يَقُول إِنِّي رَحِيم فبذلك علمنَا أَن الصّفة قَوْله إِنَّه رَحِيم
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ مَا أعرف هَذَا التائه بِالصِّفَاتِ حَتَّى يشرع فِي تَفْسِير صِفَات الله جلّ الله عَن مثل هَذَا المتحير الخيال وَتَعَالَى وَلَو كَانَت الصّفة فِي الْحَقِيقَة وصف الواصف ليبطل قَول الْخلق بِأَن الْخلق أَعْيَان وصفات وَيبْطل قَوْله فِي الإجتماع والتفرق وَالْحَرَكَة والسكون الَّتِي لَا تَخْلُو الْأَعْيَان عَنْهَا فِي إِثْبَات حديها إِذْ هِيَ تَخْلُو عَن وصف واصف لَهَا فَثَبت أَنَّهَا صِفَات تلْزم الْأَعْيَان لَا مَا ذكر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ نتم هذاالنوع من حماقته لتحمدوا الله معاشر إخْوَانِي على مَا أكْرمكُم الله بمعرفته ولتعلموا عَظِيم مقت الله على من زعم أَنه قد استوعب جَمِيع مَا عِنْد الله من الْمصَالح لَهُ فِي الدّين حَتَّى لَو أَرَادَ الله أَن يزِيد لَهُ شَيْئا لَا يملكهُ مِمَّا بِهِ صَلَاحه لَا يقدر عَلَيْهِ بل بِهِ يفْسد لتتبينوا أَنه جعل خذلانه صلاحا فِي الدّين وإضلاله نعْمَة من نعم الرب جلّ ثَنَاؤُهُ
قَالَ لم نقل إِن الله إِذا خلق الْحمرَة فِي الثَّوْب أَنه جعل لَهُ صفة وَلَو كَانَت الْحمرَة صفة لَهُ جَازَ أَن يُقَال إِذْ خلقهَا الله وصف الثَّوْب بهَا وَمثله فِي الْحَرَكَة السّكُون وَكَذَا من يكْتب إِلَى آخر يصف طوله يجوز أَن يُقَال وَصفه لنا فِي كِتَابه زعم أَن هَذَا وَاضح
[ ٥٦ ]
ثمَّ قَالَ إِنَّا لَا ننكر جَوَاز إِطْلَاق القَوْل بِأَن الْحمرَة صفة الْأَحْمَر وَالرَّحْمَة صفة الْفِعْل لَكِن على الْمجَاز والحقيقة مَا ذكرت
ثمَّ عورض بِأَنَّهُ يجوز إِذا أَن يكون للصفة صفة
قَالَ نعم بِمَعْنى أَنَّهَا تُوصَف لَكِن ذَلِك إِنَّمَا يُوجد مَا دَامَ الواصف بِهِ قَائِلا فَإِذا أمسك لَا
قَالَ الْفَقِيه ﵀ تأملوا عَظِيم منزلَة الْمُعْتَزلَة بِهَذَا الَّذِي هَذَا مبلغ علمه بِالصّفةِ والموصوف وَالْمجَاز والحقيقة مِمَّا لَو قرن بِهِ أَجْهَل أهل تَوْحِيد الله لاستعظمه ثمَّ يقدم قومه يَوْم الْقِيَامَة فيوردهم المورد الَّذِي هَذَا وصف سَبيله نسْأَل الله الْعِصْمَة
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ الأَصْل أَن الله ﷿ قد ثَبت وَصفه بالْكلَام بِحجَّة السّمع وَالْعقل فالسمع قَوْله ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ ذكره بِالْمَصْدَرِ مَعَ غير تمانع بَين الْخلق بِكَلَام الله وَقد وجد الإتفاق على أَنه مُتَكَلم وَأَن لَهُ كلَاما فِي الْحَقِيقَة وَإِن اخْتلفت الآراء فِي مائيته وَلَا أنكر على الَّذين قَالُوا ﴿لَوْلَا يُكَلِّمنَا الله﴾ إِلَّا بِوَصْف التكبر وَالْجهل بِمَنْزِلَة أنفسهم وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَقد كَانَ فريق مِنْهُم يسمعُونَ كَلَام الله﴾
وَأما الْعقل إِن كل عَالم قَادر لَا يتَكَلَّم فَعَن آفَة يكون من عجز أَو منع وَالله عَنهُ متعال ثَبت أَنه مُتَكَلم على أَن الَّذِي لَا يتَكَلَّم فِي الشَّاهِد إِنَّمَا لَا يتَكَلَّم بِالْمَعْنَى الَّذِي لايسمع وَلَا يبصر من الآفة وَالله منزه عَن الْمَعْنى الَّذِي يقتضى الصمم والعمى وَكَذَلِكَ الْبكم وَهُوَ أولى إِذْ هُوَ أجل مَا يحمد بِهِ
[ ٥٧ ]
فِي الشَّاهِد وَبِه ينْفَصل الْبشر من سَائِر الْحَيَوَان مَعَ مَا كَانَ كل مُحْتَمل الْكَلَام فَعَن عجز لَا يتَكَلَّم أَو عَن سكُوت
ثمَّ لَا يَخْلُو من أَن يكون على تَقْدِير كَلَام غَيره فَيكون فِيهِ تشابه وَدلّ قَوْله ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ على نفى الشّبَه لَهُ فِي الصّفة والذات وأيد ذَا قَوْله ﴿خلقُوا كخلقه﴾ دلّ أَن شبه الْفِعْل يُوجب التشابه مَعَ القَوْل أَن الْخلق لَو اجْتمع لَا يأْتونَ بِمثلِهِ فَانْتفى الشّبَه إِذْ فِيهِ تماثل فَثَبت لَهُ الخلافية لكَلَام الْخلق جَمِيعًا على مَا ثَبت لذاته مَعَ مَا لم يمْتَحن جَمِيع كَلَام الْخلق ليدرك مُنْتَهى مَعَانِيه وَقد ذكر كَلَام النَّمْل والهدهد وتسبيح الْجبَال وَغَيرهَا مِمَّا لَا يفهم شَيْء من ذَلِك بالحروف الْمُعْجَمَة وَلَا على الْمَفْهُوم من كَلَام الْبشر
وَإِذ ثَبت أَن من الْكَلَام مَا لَا يبلغ تَقْدِيره وسع الْخلق وَلَا يبلغهُ فهم فَمن أحب تَقْدِير كَلَام الرب بذلك فَهُوَ مُغفل وَكَذَلِكَ فعله تَعَالَى خَارج عَن وصف فعل الْخلق وَفِي ثُبُوت الخلافية من جَمِيع الْوُجُوه نفى الحدثية لما بِهِ يَقع الْوِفَاق وَبَطل معنى الْأَعْرَاض والتفرق والإجتماع وَالْحَد والغاية وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان إِذْ ذَلِك وصف كَلَام الْخلق وَالله الْمُوفق
ثمَّ لَا يَخْلُو من أَن يكون غَيره فيزول عَنهُ مَا ذكرنَا من الآفة بِغَيْرِهِ وَذَلِكَ علم الْحَاجة وأمارة الْحَدث أَو لَيْسَ غَيره فَيكون بِنَفسِهِ متكلما قَادِرًا عَالما وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَيجوز القَوْل بِمَا يسمع من الْخلق كَلَام الله على الْمُوَافقَة كَمَا يُقَال فِي الرسائل والقصائد والأقاويل دَلِيله أَن ذَلِك خلق من الْخلق وَلَا يحْتَمل أَن
[ ٥٨ ]
يكون الله بِذَاتِهِ متكلما مَعَ مَا لَا يَخْلُو أَن يكون المسموع عرضا فمحال كَونه فِي مكانين وَكَذَلِكَ الْجِسْم أَو لَا هما فمحال كَونه فِي مَكَان وَعَن الْمَكَان يسمع فَثَبت أَن وَجه الْإِضَافَة إِلَيْهِ على مَا ذكرنَا مَعَ مَا يجوز أَن يسمعنا الله كَلَامه بِمَا لَيْسَ بِكَلَامِهِ كَمَا أسمع كل منا الآخر كَلَامه وَإِن لم يكن ذَلِك بِعَيْنِه كَلَامه وكما أعلمنَا قدرته وَعلمه وربوبيته بخلقه وَإِن لم يكن هُوَ هُوَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
فَإِن قَالَ قَائِل هَل أسمع الله كَلَامه مُوسَى حَيْثُ قَالَ ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ قيل أسمعهُ بِلِسَان مُوسَى وبحروف خلقهَا وَصَوت أنشأه فَهُوَ أسمعهُ مَا لَيْسَ بمخلوق
وَالْقَوْل بِالْوَقْفِ يخرج على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يُقَال لَيْسَ هُوَ الله وَلَا غَيره فَيكون وَقفا عَن علم وَهُوَ حق على مَا ثَبت فِي الْعلم وَالْقُدْرَة وَالثَّانِي أَن يكون لَا يعلم أخلق هُوَ أَو غَيره فَإِنَّهُ بعيد لما لَا يَخْلُو من أَن يذهب مَذْهَب التَّقْلِيد وَأكْثر الْقَوْم على نفى ذَلِك بل أجمع على لُزُوم الْعلم أَنه الْخلق أَو غَيره
وَبعد فَإِنَّهُ لَا يعدو من أَن يعلم أَنه بِذَاتِهِ مُتَكَلم فَيكون بِمَعْنى مَا ذكرت أَو لَا بِذَاتِهِ فَهُوَ غَيره وكل الأغيار لله خلق على مَا روى فِيهِ سمع أَو لَا ثَبت أَن القَوْل بالغيرية لله يُوجب الْحَدث وَالْحَدَث والخلق إِذْ هُوَ مِنْهُ أَو لَا يعلم أَنه بِذَاتِهِ مُتَكَلم أَو لَا فَيكون الْوَقْف وَقفا للْجَهْل بِهِ فَحق مثله التَّعَلُّم لِأَنَّهُ لَا دَلِيل دَفعه إِلَى ذَلِك القَوْل ليَتَكَلَّم فِيهِ إِنَّمَا هُوَ الْجَهْل أَو أَن يكون الْوَقْف بِمَا لَا يعلم مُرَاد السَّائِل فِيهِ أَنه مَا يعْنى بِكَلَام الله وَالْقُرْآن أهوَ هَذَا المتبعض المتجزئ أَو الَّذِي لَا يُوصف بِشَيْء من ذَلِك وَذَلِكَ على الْوَصْف الَّذِي بَينا فَهُوَ حق أَن لَا يُجيب لأحد يسْأَله عَن كَلَام مُتَوَجّه حَتَّى يعلم مَا يُرِيد بِهِ وَالله أعلم
[ ٥٩ ]