قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَتَفَرَّقَتْ النَّصَارَى فِي الْمَسِيح فَمنهمْ من جعل لَهُ روحين أَحدهمَا مُحدثا وَهُوَ روح الناسوتيه يشبه أَرْوَاح النَّاس وروح لاهوتي قديمَة جُزْء من الله صَار فِي الْبدن ذَلِك وَقَالُوا لَيْسَ إِلَّا أَب وَابْن وروح الْقُدس
وَآخَرُونَ جعلُوا الرّوح الَّذِي فِي الْمَسِيح الله لَا الْجُزْء لَكِن فريقا مِنْهُم يَجْعَل فِي الْبدن على كَون الشَّيْء فِي الشَّيْء وفريقا التَّدْبِير لَا على إحاطة الْبدن بِهِ وَفِيهِمْ من يَقُول ليصل إِلَيْهِ جُزْء من الله تَعَالَى ويصل جُزْء آخر
قَالَ ابْن شبيب سَمِعت من مولديهم أَنه كَانَ ابْن التبني لَا ابْن الولاد كَمَا سَمِعت أَزوَاج مُحَمَّد ﵇ أُمَّهَات وكما يَقُول الرجل لآخر يَا بني
قَالَ الشَّيْخ ﵀ فَيُقَال لَهُم إِذْ كَانَت الرّوح الَّتِي فِيهِ قديمَة وَهِي بعض كَيفَ صَار ابْنا وَلم يصل غَيره من الأبعاض فَإِن قيل لِأَنَّهُ أقل
[ ٢١٠ ]
لزمَه جعل كل أبعاض الْعَالم الْبَنِينَ للأكبر مِنْهَا وَيلْزمهُ أَن يَجْعَل كل بعض من الْبَقِيَّة كَذَلِك فَيصير بكليته بَنِينَ ثمَّ الْمَعْرُوف أَن الإبن يكون أَصْغَر من الْأَب كَيفَ صَارا قديمين وَإِن جعل الْكل فِي الْبذر قيل لَهُ أَي شَيْء مِنْهُ الإبن فَإِن قَالَ الْكل صير الْكل ابْنا وَأَبا وَفِي ذَلِك جعل الْأَب ابْنا لنَفسِهِ فَإِن قيل هُوَ جُزْء فِيهِ من غير أَن كَانَ فِي كُلية الأَصْل نفصان نَحْو الْجُزْء الْمَأْخُوذ من السراج عورض بِمَا لَو كَانَ الْجُزْء الْمَأْخُوذ حَادِثا كَمَا حدث فِي الَّذِي يُؤْخَذ من السراج فَيبْطل قَوْله فِي قدم الرّوح وَهُوَ الإبن وَإِن زعم أَنه مَنْقُول من الله كالمأخوذ من السراج حل عَلَيْهِ مَا سلف
وَبعد فَمَا يدريه أَن الْمَأْخُوذ من السراج لَا ينْتَقض فَإِن قيل معاينتنا إِيَّاه كَذَلِك قيل لَعَلَّ الله أحدثه أَو يكون كالنار فِي الْحجر فَيخرج وَأيهمَا كَانَ فَهُوَ حَادث والحادث مَخْلُوق فَلم جَازَ أَن يكون إبنا قَالَ من أَن الله أظهر مِنْهُ عجائب قيل وَقد أظهر من مُوسَى فَقولُوا هُوَ ابْن آخر
فَإِن زعمتم أَن ذَلِك كَانَ بِدُعَاء وتضرع فَمثله أَمر غَيره مَعَ مَا يحْكى عَن عِيسَى أَنه كَانَ يَقُول لَيْلَة الْأَحَد اللَّهُمَّ إِن كَانَ من مشيئتك أَن تصرف هَذِه الكأس الْمرة عَن أحد فاصرفها عني فَإِن قيل كَانَ عَن عِيسَى الْبكاء والتضرع ليعلم النَّاس قيل مثله من مُوسَى
وَبعد فَإِنَّهُ ومُوسَى كَانَا يصليان نَحْو بَيت الْمُقَدّس ويتضرعان ثمَّ الْبكاء والتضرع فعل الطباع لَا يمْتَنع عَنْهُمَا فَمَا معنى التَّعْلِيم ثمَّ إِن اسْتحق هُوَ ذَلِك بِالْعَمَلِ لزم ذَلِك فِي مُوسَى وَغَيره فَإِن قيل اسْتحق ذَلِك بإحياء الْمَوْتَى لَا غير قيل قد أَحْيَا حزقيل إنْسَانا فَإِن عَارض بِالْكَثْرَةِ قيل الْيَهُود يَقُولُونَ مُوسَى كَانَ أَكثر مِنْهُ
قَالَ الْفَقِيه ﵀ وَله أَحْيَا عَصا ميتَة ثعبانا غير مرّة فَهُوَ أعظم
[ ٢١١ ]
وَإِن احْتج بإطعام الْبشر الْكثير من طَعَام يسير عورض بنبينا إِنَّه أحدث فِي إِنَاء دَقِيقًا لم يكن فِيهِ فَإِن قيل صير المَاء خمرًا قيل اليسع أحدثه بِلَا عدَّة آنِية لامْرَأَة ثمَّ صيره زيتا وَإِن احْتج بِالْمَشْيِ على المَاء فهم يقرونَ بذلك ليوشع بن نون ولإليا وَالْيَسع وَإِن استدلوا بِالرَّفْع إِلَى السَّمَاء فهم يقرونَ بذلك لإليا وَقَالُوا ارْتَفع إِلَى السَّمَاء بمشهد من جمَاعَة وَإِن احْتَجُّوا بإبراء الأكمه والأبرص وَنَحْو ذَلِك فإحياء الْمَيِّت أعظم مِنْهُ وَقد أقرُّوا بِهِ لإليا وَالْيَسع مَعَ مَا عَلَيْهِم فِي إقرارهم أَن الْيَهُود صلبوه وهزؤا بِهِ فَإِن كَانَ الأول يدل على التَّعْظِيم فَهَذَا يدل على التصغير وهلا صنع كصنيع إيليا حَيْثُ أَتَوْهُ أَن أرسل عَلَيْهِم نَارا فأكلتهم أكْرمه الله بِهِ وَإِن رجعُوا إِلَى إِظْهَار الْعَجَائِب فِي تَحْقِيق التَّخْصِيص عورضوا بِمن ذكرت
وَبعد فَقولُوا الله فِي السَّمَاء وَفِي الأَرْض لما أظهر فِي كل شَيْء مِنْهَا عجائب فَيُوجب تَخْصِيص كل شَيْء من الْوَجْه الَّذِي يخصونه فَإِن قَالَ قوى الْمَسِيح على فعله لَا أَن فعل هُوَ بِهِ قيل أَكَانَ يفعل الْأَجْسَام فَإِن قَالَ نعم قيل أهوَ مَخْلُوق فَإذْ قَالَ نعم قيل بدنه وروحه كبدننا وروحنا مَا باله قدر على مَا لَا نقدر عَلَيْهِ وَقدر على ذَلِك بِقُوَّة هِيَ جُزْء من الله أَو قُوَّة محدثة فَإِن قَالَ بِجُزْء هُوَ يفعل أبطل قَوْله فِي فعل الْمَسِيح وَهُوَ إِلَه الْمَسِيح وَيكون هُوَ الله لَا الْمَسِيح وَإِن انْقَطع الْجُزْء عَن الله فَإِذا فعل كثيرا من الْأَجْسَام غير الله وَإِن ادعوا اتِّصَاله بِاللَّه فَيكون الْفِعْل لَهَا وهما لله فَصَارَ إِلَى أَن الله هُوَ الْفَاعِل وَإِن زَعَمُوا أَن فِيهِ قُوَّة يفعل بهَا الْأَجْسَام لَا أَنَّهَا بِفِعْلِهِ جعلُوا إِلَه الْمَسِيح بعضه يصرفهُ كَيفَ شَاءَ وَإِن قَالَ يفعل بِنَفسِهِ لَا بِقُوَّة حَادِثَة عورض بِنَاء على مَا قَررنَا
[ ٢١٢ ]