قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ نذْكر أقاويل الدهرية على مَا ذكره ابْن شبيب وَغَيره ليظْهر مذاهبهم فَإِن ظُهُورهَا أحد أَدِلَّة فَسَادهَا بعد أَن يعلم إتفاقهم فِي قدم طِينَة الْعَالم وإختلافهم فِي قدم الصَّنْعَة وحدثها وَهَذَا جملَة مذاهبهم
زعم أَصْحَاب الطبائع أَنَّهُنَّ أَربع حر وَبرد وندوة ويبس وَاخْتلف الْعَالم باخْتلَاف الإمتزاج مِنْهَا واعتدل مَا اعتدل مِنْهَا بإستواء المزاج مِنْهَا وعَلى ذَلِك مجْرى الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَلم يزل يجرى بِمثل الَّذِي يجرى كَمَا ترى لَا أول للأشياء وَسموا حركاتها أعراضا وضربوا لباطلهم هَذَا مثلا من نَحْو الأصباغ كالبياض والحمرة والسواد والخضرة إِنَّهَا عِنْد الإمتزاج على قدر الْكَثْرَة والقلة والرقة والكثافة تخْتَلف ألوانها لَا أَن يكون ثمَّة حَادث لون وَإِن كَانَ رُبمَا يخرج على مَا لَا يعرف أهل هَذِه الألوان أَن ذَلِك مِم خرج فَمثله مَا ذكرُوا من الطبائع
قَالَ الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور ﵀ فَمن تَأمل هَذَا القَوْل بِمَا ضربوا لَهُ من الْمثل وجده يثبت قَول أهل التَّوْحِيد لِأَن الأصباغ لأنفسها لَا تمتزج ثمَّ هِيَ لَو
[ ١٤١ ]
امتزجت لأنفسها خرجت على لون مستسمج مِمَّا عد ذَلِك فِي الْعُقُول فَسَاد للأصباغ فَإِذا مزجها حَكِيم عليم يعلم عواقب ذَلِك المزاج خرج متقنا مستحسنا ثمَّ كَانَ الْعَالم خرج متقنا ثَبت أَن الَّذِي بِهِ كَانَ الْعَالم عليم حَكِيم يعرف عواقب الْأَشْيَاء فأخرجها على ذَلِك وَفِي ذَلِك فَسَاد أَن يكون تِلْكَ الطبائع أَو الطينة أَو ماسموا من الْأَسْمَاء لنَفسهَا صَارَت بِحَيْثُ يكون على مَا عَلَيْهِ يخرج فَثَبت أَن الَّذِي أَنْشَأَهَا كَذَلِك مُدبر حَكِيم وَيجب تكوينها لَا من شَيْء مَعَ مَا كَانَت الألوان كل لون مِنْهَا لَا يُوصف بِشَيْء مِمَّا ذكرُوا من الْحَرَارَة والبرودة إِذْ قد يكون فِي الْأَشْيَاء شَيْء يغلب عَلَيْهِ لون مِنْهَا وَهُوَ حَار وَآخر يغلب عَلَيْهِ ذَلِك وَهُوَ مَعَ ذَلِك بَارِد فَثَبت أَنه لم يكن شَيْء من ذَلِك الألوان بِمَا ذكرُوا وَلَا مَا ذكرُوا بهَا وَفِي ذَلِك إِيجَاب غير الَّذِي قَالُوا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَكَذَلِكَ يجد مَا فِيهَا من الطعوم مُخْتَلفَة حَتَّى يكون بلون وَاحِد وطبيعة وَاحِدَة تخرج على نوع من الطّعْم نَحْو الملوحة أَو الحموضة أَو المرارة أَو الطينة الَّتِي لَا يضْرب إِلَى شَيْء من ذَلِك ثَبت أَن ذَلِك كَانَ بتدبير من يملك جعل كل على مَا شَاءَ من غير أَسبَاب وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
على أَن هَذِه الطبائع لَا يَخْلُو من أَن يكون جَوَاهِر أَو أعراضا فَإِن كَانَت جَوَاهِر صيرت بالأعراض الَّتِي اعترضت فِيهَا على مَا ذكر من الإختلاف وَهِي الإجتماع والإفتراق ولولاهما لَكَانَ كل جَوْهَر من ذَلِك مُتَفَرقًا وَدلّ اخْتِلَاف الْجَوَاهِر مَعَ إجتماع الأخلاط فِيهَا على غَلَبَة الْأَعْرَاض عَلَيْهَا وَأَنَّهَا تصرفها من حَال إِلَى حَال ثمَّ كَانَت الْأَعْرَاض لأنفسها لَا تقوم وَلَا تقدح فِي الْأَشْيَاء ثَبت أَنَّهَا عملت فِيهَا هَذَا الْعَمَل يمن يعلم أَنَّهَا تعْمل كَذَا وَلم يجز أَن يكون بِعلم أحد ذَلِك إِلَّا بِمن يملك جعل تِلْكَ الْجَوَاهِر يصلح لاحْتِمَال تِلْكَ الْأَعْرَاض ومحال علم مثله إِلَّا بِمن يَجْعَلهَا كَذَلِك وَفِي ذَلِك لُزُوم القَوْل بِوَاحِد عليم قَادر لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء وَلَا يصعب عَلَيْهِ تكوين مَا يُرِيد كَونه وَإِن كَانَت أعراضا فمحال وجودهَا
[ ١٤٢ ]
لأنفسها وقيامها فَلَزِمَ القَوْل بموجد قديم مَعَ إِيجَاد مَا فِيهِ وَبِه يدْخل فِي حد الْوُجُود على أَن حدث الْأَعْرَاض مِمَّا لَا نمانع فِيهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَبعد فَإِنَّهُ مَعْلُوم أَن تِلْكَ الطبائع هِيَ متضادة وَحقّ التضاد التدافع وَفِي ذَلِك تفرق وَفِي التَّفَرُّق تبدد وتفان فَلم يحْتَمل أَن يكون أصُول الْأَشْيَاء لأنفسها كائنة وقائمة مَعَ التَّنَاقُض الَّذِي ذكرت ثَبت أَنَّهَا إِن كَانَت كَانَت بمانع عَن التدافع الَّذِي فِيهِ التبدد وَهُوَ الْجَامِع ببنها بعد التَّفَرُّق القاهر لَهَا وبالجمع كَانَ الْعَالم ثَبت حُدُوثه وَفِي ذَلِك فَسَاد القَوْل بالطبائع لِأَن كَون شَيْء لَا عَن شَيْء لَيْسَ بأبعد فِي الْعُقُول من قيام الشَّيْء مَعَ ضِدّه وَهُوَ مَا ينْقضه ولبعد ذَلِك عَن عُقُولهمْ صَارُوا إِلَى مَا قَالُوا فَإِذا لَزِمَهُم فِيمَا قَالُوا مثل الَّذِي عَنهُ فروا بَطل قَوْلهم وَذهب عذرهمْ وَبِاللَّهِ الْعِصْمَة
وَقوم قَالُوا بِمثل ذَلِك إِلَّا أَنهم زَعَمُوا أَن لَيْسَ لأجناس الطبائع عدد يعرفونه وَكلهمْ قَالُوا بقدم الْأَشْيَاء فِي جَمِيع جُمْلَتهَا من مهب الشمَال والجنوب وَالدبور وَالصبَا وَمن أَعْلَاهَا وأسفلها
وَزعم قوم من المنجمة أَن النُّجُوم لم تزل تدبر أَمر الْعَالم وَهِي مُتَّصِلَة بِهِ وَمِنْهَا سعد فاختلافه باخْتلَاف مَا اتَّصل بِهِ مِنْهَا كأداة صَاحب الديباج بالخيوط الموصولة من الإبر بِسم بِأَعْلَى أداتها بِمَا يظْهر فِيهِ من الظُّهُور وَغَيره بِرَفْع الْخشب وحفظها فَمثله أَمر النُّجُوم بالعالم تخْتَلف صورته باخْتلَاف تحرّك النُّجُوم وَفِي اختلافها وائتلافها السَّعَادَة والنحس وَهِي لم تزل تتحرك فَيحدث من كل حَرَكَة غير الَّذِي يحدث من غَيرهَا ويتولد ذَلِك وبمثل ذَلِك يَقُولُونَ فِي الْبَيْضَة والدجاجة أَنه يكون ذَلِك بِضَرْب من حركات النُّجُوم كالديباج الَّذِي ذكرت
وَزَعَمُوا أَن الْأَجْسَام قديمَة وَهِي غير الْأَعْرَاض والحركات أَعْرَاض تحدث إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهَا وصيروا أَمر جَمِيع الْعَالم أضطرارا بِمَا كَانَ كَذَلِك بالنجوم
[ ١٤٣ ]
والأفلاك من اجْتِمَاع وتفرق فَمثله فِي النُّجُوم نقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ الشَّيْخ ﵀ أما القَوْل بحركات لَا نِهَايَة لَهَا فقد بَينا فِيمَا تقدم فَسَادهَا مَعَ مَا لَا يشك فِي حَرَكَة انْقَضتْ إِلَّا أَنَّهَا نِهَايَة مَا تقدم من الحركات حَتَّى لَا يكون شَيْء مِمَّا تقدم بعد هَذِه وَإِذا ثَبت نِهَايَة الفناء لَهَا والإنقضاء لم يجز أَن يتناهى الإقتضاء لما لَا يتناهى لَهُ الإبتداء ثَبت لذَلِك الإبتداء
وَبعد فَإنَّا رَأينَا الْجَوَاهِر كلهَا فِي رَأْي الْعين مُتَفَاوِتَة الْحُدُود لَا يحْتَمل أَن تكون هِيَ كَذَلِك على غير أَن تكون كَذَلِك إِلَّا عَن أقل متفاوت يظْهر فِي أَكْثَره ذَلِك فَثَبت أَن كَانَ لذَلِك عَن أَصْغَر حَال يكون عَظمَة وكثافته بعد أَن لم يكن ولطف عظمه وكثافته فِي الْكَوْن بعد أَن لم يكن لَا بِشَيْء تقدمه لِأَن فِي التَّقْدِيم إِيجَاب الإستواء وَقد ثَبت التَّفَاوُت فَثَبت أَن الَّذِي تقدم هُوَ حدث بعد أَن لم يكن إِذْ هُوَ فِي معنى مَا هُوَ كَذَلِك مَعَ مَا لَو كَانَت الحركات إِذْ هِيَ مستديرة لَو جعلت مُسْتَقِيمَة من جِهَة ليَكُون بَعْضهَا على أثر بعض وَفِي وجود بَعْضهَا فنَاء الْبَعْض وَلَو وَجب قدم الحركات ليجب قدم فنائها فَتكون فِي الْأَزَل مَعْدُومَة مَوْجُودَة وَذَلِكَ متناقض إِذْ لَا يجوز اجْتِمَاع الْوُجُود والفناء فِي حَال فَكَذَا فِي كل الْأَحْوَال وَفِي ذَلِك لُزُوم الإبتداء مَعَ مَا لَو تفَاوت فِي رَأْي الْعين ذهَاب سرعَة أحد سبق آخر يسيران سيرا مُسْتَقِيمًا لَا يحْتَمل أَن لَا يكون ابْتِدَاء أَحدهمَا قبل ابْتِدَاء الآخر أَو يسير أَحدهمَا أسْرع من الآخر وَفِي رفع النِّهَايَة عَنْهُمَا بطلَان النِّهَايَة بَينهمَا وَفِي بُطْلَانه نقض المحسوس ثَبت لَهما الإبتداء وَكَذَلِكَ هَذَا الْمَعْنى فِي المستدير من الحركات وَالله الْمُوفق
وَبِهَذَا كُله ننقض على جَمِيع الْقَائِلين بقدم الْأَعْيَان غير خَارِجَة عَن الْأَعْرَاض وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وبمثله تكلم أَصْحَاب الطبائع
[ ١٤٤ ]
ثمَّ يُقَال لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا بِمَ عَرَفْتُمْ أَنه كَذَلِك فَإِن أدعوا السّمع فِيهِ عورضوا بِالسَّمْعِ الَّذِي ورد مِمَّن فيهم حجج الصدْق فهم أَحَق أَن يصدقُوا وهم الرُّسُل وَإِن ادعوا العيان والحس أكذبهم علمهمْ بِأَنْفسِهِم إِنَّهُم لَا يذكرُونَ قدمهم وَلَا شهدُوا تَدْبِير النُّجُوم والطبائع وَإِن رجعُوا إِلَى الإستدلال بِمَا عاينوا فَلَيْسَ فِي شَيْء مِمَّا عاينوا دَلِيل تَدْبِير النُّجُوم وَلَا قدم الطبائع وتولد الْعَالم من امتزاجها بل لَو قلب على الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا القَوْل كَانَ أقرب إِلَى الْوُجُود وأحق فِي الإستدلال فَأَما أَمر الطبائع فَإِنَّهُ فِي الْوُجُود إِن كَثْرَة الإضطراب والتحرك تولد الْحَرَارَة فِي نفس المضطرب المتحرك وَكَثْرَة السّكُون والقرار تولد الرُّطُوبَة فَتكون الطبائع هِيَ الْحَادِثَة من أَحْوَال الْعَالم دون أَن يكون الْعَالم هُوَ الْمُتَوَلد عَنْهَا وَهَذَا أقرب إِلَى حق الْحَواس ثمَّ يُقَال أَن اضْطِرَاب الْفلك وتحرك النُّجُوم وَتَقَلُّبهَا على أَحْوَال الإجتماع والتفرق يكون بتقلب أَحْوَال الْأَرْضين وَمَا فِيهَا من أَنْوَاع الْأَشْجَار الْبحار والمياه وجوهر التَّفَرُّق الَّتِي يَعْلُو بخارها أَو هِيَ بجوهرها كالنيران والجواهر الْحَقِيقِيَّة وَبهَا يَنْقَلِب أَمر النُّجُوم وَمَا ذكر فَهَذَا أَحَق إِذْ هُوَ أقرب إِلَى الْعين وَأولى أَن يكون دَلِيلا لما غَابَ عَنَّا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ تكلم هَؤُلَاءِ بِمَا تكلم بِهِ أَصْحَاب الطبائع إِن ذَلِك الصَّانِع إِنَّمَا خرج فعله محكما متقنا بِمَا عِنْده من الْعلم وَله من الْقُدْرَة وَلَوْلَا ذَلِك لما احْتمل مَا ذكرت فَإِنَّهُ بِمَا سبق من التَّدْبِير استقام ذَلِك فَمثله أَمر النُّجُوم لَو كَانَ على مَا يَقُول كَانَ يكون ذَلِك كَذَلِك بتدبير عليم حَكِيم أنشأه على ذَلِك وَلَو كَانَ إِلَيْهَا التَّدْبِير لما يحْتَمل أَن تتعب نَفسهَا بالسير والحركات الدائمة وتؤلمها إِذْ كَذَلِك حَال الْأَحْيَاء فِي الشَّاهِد إِن تِلْكَ الْأَحْوَال تتعبهم وتؤلمهم أَو أَن يكون من الْموَات
[ ١٤٥ ]
فَيكون بتدبير غَيرهَا كَانَ الَّذِي كَانَ على مَا ذكر من قصَّة الديباج على أَنه يعلم أَنه لَو قدر على ذَلِك بِلَا اتعاب نَفسه لاختاره عَلَيْهِ ليعلم أَن كل ذَلِك بتدبير حَكِيم عليم غنى اسْتعْمل جَمِيع مَا ذكر فِيمَا ذكر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَبعد فَإِنَّهُ لَو جَازَ القَوْل فِي عالمنا إِنَّه بتدبير من ذكر لجَاز مثله فِيمَن ذكر أَنه كَانَ بتدبير من يعلوه كَذَلِك إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَفِي ذَلِك بطلَان قَوْلهم فِي تَدْبِير النُّجُوم أَو يرجع إِلَى نِهَايَة وَفِي ذَلِك فَسَاد قَوْلهم فِي رفع النِّهَايَة عَن الْأَشْيَاء وَإِيجَاب القَوْل بِوَاحِد إِلَيْهِ يرجع تَدْبِير جَمِيع مَا ذكر وَهُوَ الْعَالم بعواقب الْأُمُور الْمُقدر فِي كل مَا إِلَيْهِ ينتهى على أَن هَؤُلَاءِ قد أقرُّوا بقَوْلهمْ أَن لَيْسَ لَهُم قَول لأَنهم زَعَمُوا أَن لَا اخْتِيَار لَهُم لكِنهمْ مضطرون فِيمَا يَقُولُونَ وَكَذَلِكَ خصومهم فِيمَا يكذبونهم فَيكون ذَلِك التكاذب والتناقض من هَذَا الْمُدبر وَمن ذَلِك تَدْبيره فَهُوَ الْمُفْسد وَمن ذَلِك قدر قَوْله فَهُوَ لم يقل عِنْد نَفسه وَفِي ذَلِك وَجْهَان أَحدهمَا سُقُوط قَوْله فَيبقى قَول الْمُوَحِّدين وَالثَّانِي إِنْكَاره العيان والإختيار الَّذِي يُعلمهُ كل أحد وكل عَاقل وَمن أنكر العيان الَّذِي يُحِيط بِهِ حسه ثمَّ يدعى غَائِبا لَا يبلغهُ حسه بِالَّذِي أنكر مِمَّا أدْركهُ حسه فَهُوَ بِحَمْد الله مكفى المؤونة حقيق الهجر وَبِاللَّهِ المعونة
وَلَو كَانَت الْأَحْوَال مدفوعة إِلَيْهَا لما ترك أحد الْأكل وَالشرب لخوف وَلما أقدم عَلَيْهَا لشَهْوَة وَلما أصَاب لشَيْء من ذَلِك لَذَّة وكل ذَلِك مَوْجُود فِيمَا عَلَيْهِ الطباع حَتَّى كَانَ فِيمَن عظم من ذَلِك أقل مِنْهُ فِيمَن صغر وَلَو كَانَ بالطبيعة أَو اتِّصَال بالنجوم يجب أَن يكون على كل قلب بِهِ
وَبعد فَإِن خُرُوج الْأَفْعَال الْمُخْتَلفَة وَأَحْوَالهَا محَال وجودهَا من ذِي طبع كالتبريد والتسخين وَالشَّر وَالْخَيْر فَثَبت أَن لَيْسَ أصل شَيْء مِنْهُ بِذِي طبع وَلَكِن بعليم حَكِيم جعل كل شَيْء على ذَلِك بالخلقة والوجود وَلَو كَانَت الْأَفْعَال بِالدفع لم يُمكن الْفَاعِل الإمتناع كالمدفوع فِي قَفاهُ وَالَّذِي يهوى من فَوق بَيت
[ ١٤٦ ]
والموثوق بالحبال وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَفِي الْوُجُود إِن المفلوج يعلم أَنه لَا يمْتَنع عَمَّا تلى وَكَذَلِكَ الْأَعْمَى وكل ذِي آلَة مؤوفه ثمَّ هُوَ يعلم ارْتِفَاع تِلْكَ الْآفَات والتمكين من الْخلاف لتِلْك الْأَحْوَال ثَبت أَن القَوْل بِالضَّرُورَةِ فِي الْجُمْلَة كذب
وَزعم صنف أَن طِينَة الْعَالم كَانَت قديمَة سميت هيولي مَعهَا قُوَّة لم تزل بصفتها وَلَا طول لَهَا وَلَا عرض وَلَا عمق وَلَا وزن وَلَا مساحة وَلَا لون وَلَا طعم وَلَا رَائِحَة وَلَا لين وَلَا خشونة وَلَا حر وَلَا برد وَلَا بلة وَلَا حَرَكَة وَلَا سُكُون وَلَا شَيْء مَعهَا فِي أوليتها من الْأَعْرَاض سميت إِذْ ذَاك هيولي وقلبت الهيولي الْقُوَّة بطباع مِنْهَا لَا بِاخْتِيَار فَحدثت هَذِه الْأَعْرَاض فَسمى جوهرا وَهُوَ جَوْهَر وَاحِد وَهُوَ جَوْهَر الْعَالم والإفتراق والإتفاق إِنَّمَا جَاءَ من قبل الْأَعْرَاض والأعراض لَا تُوصَف بالإختلاف والإتفاق لِأَنَّهُمَا لَا يكونَانِ إِلَّا بِغَيْرِهِمَا وَالْعرض لَا يقوم بِالْعرضِ وَإِنَّمَا يقوم بالجوهر فَاخْتلف بِهِ الْجَوْهَر وَاتفقَ
وَذكر أرسطاطاليس وَهُوَ صَاحب هَذَا القَوْل فِي كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ الْمنطق عشرَة أَبْوَاب بَاب الْعين كَقَوْلِك إِنْسَان سميت عينه وَبَاب الْمَكَان كَقَوْلِك أَيْن وَالصّفة بِقَوْلِك كَيفَ وَالْوَقْت مَتى وَالْعدَد ب كم والمضاف مِمَّا فِي ذكر الْوَاحِد ذكر الآخر كَالْأَبِ وَالْعَبْد وَالشَّرِيك وَنَحْوه وَذُو كَقَوْلِك ذُو شرف وَذُو أهل وَنَحْو ذَلِك سموهُ بَاب الْجدّة والنصبة كالقيام وَالْقعُود وَالْفَاعِل كَقَوْلِك أكل وَنَحْوه وَالْمَفْعُول كَقَوْلِك مَأْكُول لَا يقدر أحد أَن يذكر مَا يخرج عَن جملَة ذَلِك وَزَعَمُوا فِي الْقُوَّة إِنَّهَا جاهلة تفعل بالطباع وَلَيْسَ بالهيولي حَاجَة إِلَى الْأَعْرَاض
[ ١٤٧ ]
قَالَ الْفَقِيه ﵀ فَمن تَأمل مَا صَار هَؤُلَاءِ إِلَيْهِ علم أَنهم أُوتُوا ذَلِك لجهلهم نعم الله فعموا عَن سَبِيل الرشد فضلوا ثمَّ بعثتهم حيرة الضلال إِلَى الإستيناس بِمثل هَذَا الخيال الَّذِي لَا يصير عَلَيْهِ عقل وَلَا يستجلبه هوى وَالله الْمُسْتَعَان
وَلَوْلَا ذَلِك مَا الَّذِي كَانَ يعرفهُمْ أَن ابْتِدَاء الْعَالم مَا ذكر ثمَّ اسْمه الَّذِي وصف لَيْسَ فِيهِ ثمَّة مَا ذكر وَعَمله الَّذِي نعت لَيْسَ فِي جَوْهَر الْعَالم دَلِيله وَلَا فِي السّمع احْتِمَاله لكِنهمْ سمعُوا قَول أهل التَّوْحِيد فِي وصف الله بِالَّذِي وصفوا بِهِ الهيولي عِنْدهم وَلم ينْظرُوا فِيمَا ألزمهم القَوْل بِهِ فَرَجَعُوا فنقضوا مَا قد أثبتوه إِذْ صيروا الَّذِي لذاته خَارج عَن احْتِمَال الْأَعْرَاض مُمْتَنع عَن معنى الْجَوَاهِر جوهرا ثمَّ جوهرا ثمَّ جَوَاهِر ثمَّ صَار بِحَيْثُ لم يبْق من أوليته أثر وَمَا بقى مِمَّا انْتهى أَمر الْعَالم من الْقَدِيم والْحَدِيث إِلَّا الْجَوَاهِر والأعراض وَذهب الَّذِي لم يكن بِهَذَا الْوَصْف فَيكون فِي ذَلِك فنَاء الْعَالم بِنَفسِهِ واستحالة الْقَدِيم بِذَاتِهِ بأعراض قهرته وأفنته مِمَّا لَا قيام لَهَا بِنَفسِهَا وَيكون فِي ذَلِك القَوْل بِحَدَث جَمِيع الْعَالم الَّذِي دفعهم عَظِيم هَذَا القَوْل إِلَى ذَلِك الخيال إِذْ كل مَا هُوَ مَأْخُوذ إِنَّمَا هُوَ عرض وجوهر وَلم يكن الأول ثمَّ يبطل قَوْله إِذا سمى نَفسه حكيما ألزم غَيره الصدود عَن رَأْيه وَاتِّبَاع هَوَاهُ بعد قَوْله إِن الأَصْل الَّذِي مِنْهُ كَانَ جَاهِلا سَفِيها وَأَن الْأَعْرَاض هِيَ أغيار ولدتها الْقُوَّة السقيمة الَّتِي لَا حِكْمَة فِيهَا وَلَا علم لَدَيْهَا وَهُوَ أحد أبنائها الَّذِي لم ينل شَيْئا إِلَّا بهَا فَمن أَيْن قدم نَفسه عَلَيْهَا وَإِذا جَازَ كَذَلِك من غير أصل لَهُ بِهِ صَار كَذَلِك فَلْيقل فِي جَمِيع الْعَالم بِمثل الَّذِي قَالَ بِنَفسِهِ ثمَّ لَا يَخْلُو الْقُوَّة الَّتِي هِيَ قلبت الهيولي من أَن يكون لَهَا سُلْطَان عَلَيْهَا بِمَائِهَا قلبتها فَلْيقل هُوَ فِي الله سُبْحَانَهُ أنشأ الهيولي أَو مَا شَاءَ على وَجه
[ ١٤٨ ]
فَيقبل التقليب وَيقوم بِهِ التَّرْكِيب ثمَّ ليسم بِمَا شَاءَ هُوَ على فنَاء مَا قلبه فَإِذا بَطل الأَصْل الَّذِي بِهِ الْعَالم وَهلك مَعَ الإحالة أَن يهْلك الْقَائِم بِذَاتِهِ ليَكُون بهلاكه انقلاب غير وقيامه مَعَ مَا يكون فِي الهيولي تلفهَا فَتَصِير هِيَ بِلَا قُوَّة التقليب فَيكون فِي ذَلِك إبِْطَال الْعَالم وتقلبه من حَال إِلَى حَال دَائِما فَدلَّ وجوده على فَسَاد هَذَا الأَصْل مَعَ مَا فِي الشَّاهِد أَن لَا يُوجد شَيْء يصير بِحَيْثُ يصلح لشَيْء لم يكن يصلح إِلَّا بِحَكِيم يَجعله كَذَلِك فَثَبت أَن ابْتِدَاء الْعَالم إِن صلح أَن يحْتَمل كَون هَذِه الْجَوَاهِر والأعراض كَانَ كَذَلِك كل على جعله كَذَلِك
وَبعد فَإِن الْقُوَّة إِذْ هِيَ قلبته بالطبع فَهِيَ غير مُفَارقَة عَنهُ فَمَا بالها خلت عَن عَملهَا فِي الْقدَم وَذُو الطَّبْع لَا يَخْلُو عَن عمله فِي الشَّاهِد على أَن الْأَعْرَاض الَّتِي أحدثت إِمَّا أَن كَانَت فِي الهيولي فَيبْطل قَوْله كَانَت خَالِيَة عَنْهَا حَتَّى حدثت أَو لم يكن فَحدثت من غير شَيْء إِذْ وصف الْقُوَّة بِمَا وصف بِهِ الهيولي وَلم يكن فِيهِ أَعْرَاض فَثَبت أَيْضا كَونهَا لَا عَن شَيْء وَهَذَا الْمَعْنى ألزمهم بالْقَوْل الَّذِي قَالُوا فَبَطل بِحَمْد الله
على أَنه أمكن الْقلب عَلَيْهِم فِي كل مَا قَالُوا للقوة أَن يَجْعَل ذَلِك للهيولي فِي الْقُوَّة على أَنَّهَا لَا تَخْلُو من غير أَن يكون غير الهيولي فهما إثنان وَزعم أَن الْكمّ من بَاب الْعدَد فَلم يكن ثمَّة حدث وَقد أوجب هُنَالك أَو هِيَ هيولي فَيبْطل قَوْله هِيَ مَعَ الهيولي أَو هِيَ الَّتِي قلبت الهيولي وَكَأَنَّهَا قلبت نَفسهَا لَا الهيولي مَعَ مَا زعم أَن تِلْكَ الْأَعْرَاض اعترضت فِي الهيولي فحركته وسكنته ودفعته وخفضته من غير أَن كَانَ ثمَّة غير إِلَيْهِ تتحرك أَو فِيهِ يسكن أَو إِلَيْهِ يرْتَفع وينحط وَوُجُود أَمْثَال فَاسد فِيمَا عَنهُ تولده فَهِيَ فِي أَصله أَشد فَسَادًا
وَزعم مُحَمَّد بن شبيب أَنه يُسمى الْقُوَّة حَرَكَة وَفِي رِوَايَته أَنَّهَا لَا تُوصَف
[ ١٤٩ ]
بِمَا لَا تُوصَف بِهِ الهيولي وَقد ذكر عَنْهُم الآراء فِي الهيولي فَلَا أَدْرِي أيصح ذَا أَو لَا إِلَّا أَن سمى الْقُوَّة حَرَكَة وَهِي فِيهِ فَيبْطل قَوْله إِن الهيولي لَا يُوصف بحركة إِذْ قد وَصفه بهَا
ثمَّ لَا يَخْلُو من أَن يكون مماسة لَهُ أَو مباينة عَنهُ وَأيهمَا قَالَ فِيهِ إِثْبَات الجسمية والعرضية إِذْ الْبَيْنُونَة والمماسة غر الَّذِي يماس ويباين
ثمَّ قَول هَؤُلَاءِ أَن حدثت الْجَوَاهِر من حركات الأَصْل وَكَذَلِكَ قَول المنجمة وَمَعْلُوم وجود جَوَاهِر من علو وسفل من كل جَانب على إِحَالَة تِلْكَ الحركات الْمُخْتَلفَة فَثَبت أَن ذَا بَاطِل
وَبِهَذَا الْفَصْل ناقضهم النظام إِنَّه إِذا كَانَ بقلب الْقُوَّة الهيولي سَبَب حُدُوث الْأَعْرَاض ثمَّ هِيَ تخْتَلف كاللون والطعم وَالْحر واللين وَنَحْو ذَلِك فَيحدث ذَلِك كُله فِي وَقت وَاحِد وبحركة إِنَّمَا هِيَ تكون من جِهَة وَاحِدَة
فَقيل تكون من جِهَات فَزعم أَن أَكْثَرهَا سِتَّة وَقد يحدث الشَّرّ من اثنى عشر من تِلْكَ الْأَعْرَاض فَثَبت أَن ذَلِك لتقليب الْقُوَّة على أَن التقليب يكون من جِهَة والأعراض تكْثر ثَبت أَن ذَلِك لَيْسَ بِمَا ذكر
وعارضهم مُحَمَّد بن شبيب بِمَا الهيولي قبل حُدُوث الْأَعْرَاض لَيست بطويلة والأعراض لَيست بطويلة فَكيف صَارَت عِنْد الْوُجُود طَوِيلَة وَكَذَلِكَ الْعرض وَلَو جَازَ ذَا لجَاز أَن يجمع بَين مَا لَيْسَ يَخْلُو وَمَا لَا يَخْلُو فَيصير خلو وَمثله فِي جَمِيع الْأَعْرَاض كلا سَواد وَلَا سَواد
[ ١٥٠ ]
فَأجَاب عَنْهُم بالنورة والزرنيخ أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا على الإنفراد لَا يحرق وَعند الإجتماع يحرق فَيُقَال مَا يبعد أَن يكون أَحدهمَا يحرق لَكِن فِيهِ مَا يمْنَع عَن الإحراق وَفِي الآخر مَا يمْنَع هَذَا الْمَانِع عَن الْمَانِع فيحرق لَا أَن لم يكن فِيهِ إحراق أَو كِلَاهُمَا كَانَا كَذَلِك وَأمر الْأَعْرَاض عنْدك على مَا ذكرنَا ومحال حُلُول الْمَانِع فِيهِ لَو كَانَ طَويلا أَو سوادا وَكَذَا فِي الهيولي لذَلِك اخْتلفَا
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَالْأَصْل فِي هَذَا عندنَا وَفِيمَا ذكر من النُّجُوم والطبائع أَن لَا يَخْلُو من أَن يرجع فِي ذَلِك إِلَى السّمع وَفِيهِمْ سَماع أهل التَّوْحِيد أثبت لما مَعَهم براهين الصدْق أَو يسْتَدلّ بالحاضر الْمَوْجُود على الْغَائِب فَإِن كَانَ هَذَا طَرِيقه فَيجب إِذْ الْمَوْجُود على حَال وبالوجود اعْتِبَاره أَن يكون الَّذِي بِهِ وجد بِهَذِهِ الصّفة فَيبْطل قَوْلهم فِي حُدُوث الْعَالم بالإمتزاج وبتحرك النُّجُوم وتقليب الْقُوَّة الهيولي والهيولي وَالْقُوَّة جَمِيعًا وَإِن كَانَ على اعْتِبَار معَان فِي الْمَوْجُود يدل عَلَيْهِ فَإِن الأَصْل أَن كل ذِي طبع لَا يتَغَيَّر عَمَّا عَلَيْهِ إِلَى خلاف إِلَّا بمغير حَكِيم أَو سَفِيه لَكِن يظْهر أَمرهمَا بالعواقب فَمثله الأَصْل الَّذِي أشاروا إِلَيْهِ إِنَّه لَا يصير على غير تِلْكَ الْحَال مِمَّا يصلح عواقبه إِلَّا بِحَكِيم إِذْ هِيَ كَذَلِك وَذَلِكَ يبطل أصلهم وَيثبت أَن الأَصْل احْتمل مَا احْتمل يَجْعَل غَيره كَذَلِك وَفِي ذَلِك حَدثهُ بمحدث حَكِيم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَأَيْضًا أَن الْمَعْلُوم فِيمَا كَانَ طبعه الإحراق أَنه لَا يحرق إِلَّا المطبوع لاحْتِمَال الإحتراق وَكَذَا التسويد وكل حَال وجوهر ثمَّ لَيْسَ فِي طبع الْمُحْتَمل الرّفْع إِلَى الْقَابِل فِيهِ بالطبع وَلَا فِي طبع المحرق أَن يصير إِلَى من يحْتَمل ذَلِك وَمن أَرَادَ فِي الشَّاهِد ذَلِك لَا يتهيأ لَهُ دون الْعلم بالوجود وَالْجمع بَينهمَا فعلى ذَلِك أَمر ذَلِك الْغَائِب فَيبْطل الَّذِي راموا إثْبَاته وَيصير هُوَ بِمَعْنى مَا هم فِيهِ وَالله الْمُوفق
مَعَ مَا إِذا كَانَ جَمِيع تِلْكَ الْأُصُول الَّتِي قالوها هِيَ موَات لَا تَدْبِير لَهُنَّ
[ ١٥١ ]
ويعملن بالطبع لَا اخْتِيَار لَهُنَّ لم يجز أَن يكون فِيمَا مِنْهُ وجود بِهِ يحيى عَالما سميعا بَصيرًا قَادِرًا حَيا مَيتا مُحْتملا لجهات ذَلِك خَارِجا من احْتِمَال ذَلِك ثَبت كَون ذَلِك كُله بالمكون الْعَلِيم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه