قَالَ الشَّيْخ ﵀ قَالَت الْمَجُوس أعجب الله حسن خلقه فتخوف مَا يضاده فِيهِ فتفكر فِي ذَلِك فكرة فَحدث مِنْهَا إِبْلِيس وَقَالَ بَعضهم أَصَابَته بعينة فَالْتَفت وَرَاءه فَرَأى إِبْلِيس فَصَالحه على أَن يمهله إِلَى مُدَّة ووادعه على ذَلِك حَتَّى إِذا مَضَت الْمدَّة أهلكه الله فَكَانَ من إِبْلِيس كل شَرّ وَمن الله كل خير
وَهَذَا الَّذِي حكوا إِن كَانَ هُوَ قَوْلهم فِي الْحَقِيقَة فهم شَرّ من جَمِيع الثنوية لِأَن الثنوية قَالَت بإثنين لما رَأَوْا خلق الشَّيْء لَا عَن شَيْء غير مُتَصَوّر فِي الْوَهم
[ ١٧٢ ]
عظم عَلَيْهِم القَوْل بِحَدَث الْعَالم لَا عَن شَيْء ثمَّ رَأَوْا الْعَالم مُشْتَمِلًا على خير وَشر مَوْصُوفا كل من فعله الْخَيْر وَالْعدْل بِالصِّفَاتِ المحمودة وَمن فعله الشَّرّ والجور بِالصِّفَاتِ المذمومة استعظموا نسبتهما إِلَى الْوَاحِد فَيكون وَاحِدًا مَحْمُودًا مذموما بِمَا عَلَيْهِ الْعرف فَقَالُوا بإثنين قديمين
وَالْمَجُوس قد استجازوا حدث الْعَالم لَا عَن شَيْء وأصل وَإِنَّمَا عظم عِنْدهم وصف من مِنْهُ الْخيرَات بِفعل الشَّرّ لم ألزموه فعل شَرّ الشَّرّ صيروه أمه إِذْ الفكرة الردية شَرّ وَمَا حدث وَهُوَ إِبْلِيس شَرّ وَكَانَ مِنْهُ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا وَهُوَ السَّبَب الَّذِي دعاهم إِلَى القَوْل بإثنين فتناقض قَوْلهم مَعَ مَا لَا يُؤمن مِنْهُ حُدُوث الْفِكر وقتا بعد وَقت فَيكون جَمِيع الشَّرّ بذلك وَإِن أُرِيد إِحَالَة ذَا دلّ وجوده مرّة على دفع الإحالة إِلَّا أَن يَقُول بِالْخَيرِ فَلَعَلَّ بداه عَن الفكرة الَّتِي هِيَ شَرّ على أَنه إِذا وادعه على التّرْك إِلَى تِلْكَ الْمدَّة فَأَما أَن لم يعلم أَنه يعْمل مَا يعْمل بِهِ الشَّرّ وَالْجهل شَرّ فَهُوَ شَرّ آخر أَو علم فَتَركه على مَا علم من الْفساد بِهِ فَذَلِك مِنْهُ الشَّرّ وَمثله إِمَّا أَن يكون علم من قبل مَا يعْمل فكره ففكر على الْعلم بِمَا يكون مِنْهُ وَهُوَ شَرّ وَإِمَّا لم يعلم وَالْجهل شَرّ ثمَّ لَا يَخْلُو من أَن يكون مِنْهُ وَهُوَ شَرّ وَإِمَّا لم يعلم وَالْجهل شَرّ ثمَّ لَا يَخْلُو من أَن يكون قَادِرًا على منع إِبْلِيس وقهره أَو لَا فَإِن قدر ثمَّ أمهله ليفسد الْخلق فَهُوَ شَرّ عِنْدهم وَإِن لم يقدر فَلَا يكون الْعَاجِز رب الْعَالمين مَعَ مَا يُقَال ثمَّ علم أَن إِبْلِيس عِنْد الْمدَّة يفى لَهُ بِالَّذِي وعد وَفَاء الْوَعْد خير وَحقّ فَإِذا يكون من الشَّرّ خير ذَلِك مَعَ مَا كَانَ هَذَا لَازِما لَهُ إِنَّه إِذا كَانَ مِمَّن هُوَ أصل الْخَيْر يجِئ الشَّرّ فنعكس عَلَيْهِم ونجعل كل خير من إِبْلِيس وكل شَرّ من غَيره وَبعد فَكيف يَأْمَن بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فِي الْوَقْت الَّذِي لم يكن لإبليس غير نَفسه عون وللذي بِهِ
[ ١٧٣ ]
كَانَ كل الْأَشْيَاء أعوان ثمَّ اخْتَلَط خلقه الَّذين هم أعوانه بالذين هم أعوان الله فِي مَنعهم عَن المعونة عَلَيْهِ جلّ الله عَمَّا وَصفه الْمُلْحِدُونَ
وَإِن قَالُوا الْمُوَادَعَة كَانَت لبَعض الْمصَالح فَمثله الْهَوَام الضارة والأشياء المؤذية
وَبعد فَإِن تخوفه من يضاده يُوجب الْجَهْل بِأَنَّهُ رب كل شَيْء وَكَذَلِكَ إِصَابَة الْعين فَإِذا ضرّ بِهِ الْعين وَمن تقهره الْعين وتزيل قدرته وتدفع علمه فَهُوَ رب بِغَيْرِهِ لَا بِنَفسِهِ خَالق بِغَيْرِهِ فَيلْزم القَوْل فِي معبودهم إِنَّه عبد لَا معبود
ثمَّ لَا شَيْء من تِلْكَ الْجَوَاهِر المؤذية إِلَّا وَهِي تَنْفَع خلقا فَلَا تضر وَلَا تؤذي لأنفسها وَلَكِن بمدبر حَكِيم عليم جعلهَا بِحَيْثُ تؤذى أحدا وَتَنْفَع آخر ثَبت أَن القَوْل بإنفراد منشئ الشَّرّ بعيد
ثمَّ إِن لم يكن فِي خلق الشَّيْء من غير شَيْء إِلَّا خُرُوجه من وسع الْخلق وارتفاعه عَن التَّصَوُّر فَلَا أحد امْتنع عَن القَوْل بتحقيق مثله لِأَن إنْشَاء الْجِسْم وَكَونه فِي الْأَرْحَام بالطبائع وحدوثه بحركات النُّجُوم أَو خُرُوج الْعَالم عَن هَذَا الطَّبْع وإمتزاج النُّور والظلمة ثمَّ التباين خَارج عَن الْوَجْه الَّذِي ذكر على أَن حَقِيقَة كل شَيْء من تَأمله كَذَلِك نجده لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي النُّطْفَة وَلَا فِي جَمِيع الأغذية وَلَا فِي الْأَرْحَام شي من مَعَاني الْبشر ثمَّ مِمَّا لَهُ من الْعقل والسمع وَالنَّظَر فَإِنَّمَا ذَلِك خَارج عَن ذَلِك بِتَقْدِير عليم حَكِيم وَكَذَلِكَ جَمِيع الطبائع الْمُخْتَلفَة أَو جَوَاهِر الْخَيْر وَالشَّر لَو خلى بَينهَا وَبَين عَملهَا مَا ظهر بهَا جَوْهَر وَلَا يُمكن بهَا خلق فَالْقَوْل بالكون بِمثلِهِ أبعد عَن التَّصَوُّر فِي الْعقل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقد بَينا وَجه الْحِكْمَة فِي خلق الْجَوَاهِر الْمُخْتَلفَة وَأَن فعل الله لَا يُوصف بذلك وَإِن أَنْشَأَهَا على مَا عَلَيْهِ من قبح الْقَبِيح وَحسن الْحسن هُوَ معنى الْحِكْمَة
[ ١٧٤ ]
وَوضع كل شَيْء مَوْضِعه وَأَن الله تَعَالَى إِذْ لم يخلق لحاجات نَفسه وَإِنَّمَا خلق بِذَاتِهِ إِنَّه خَالق ليَكُون الْخلق الَّذِي ركب فيهم الْعُقُول وجعلهم أهل الْمعرفَة بِالنعَم والبلايا يمْتَحنُونَ بِوَضْع كل شَيْء مَوْضِعه وَالْقِيَام بالشكر لما أنعم عَلَيْهِم بِأَن جعل لَهُم جَمِيع الْخَلَائق على اخْتِلَاف جواهرهم أدله وعبرا ومحنة وإبتلاء بمعاداه جَوَاهِر وموالاة أُخْرَى وليعرفوا كَيْفيَّة الإتقاء وَوجه الحذر وَمَا فِيهِ الرعب ووجوه الْمُبَادرَة فِي ذَلِك للعواقب المحمودة فِي الْعُقُول وإبقاء لمكروهة فِيهَا بِمَا عاينوا من مُخْتَلف الْجَوَاهِر وَالْأَحْوَال فِي حق التَّرْغِيب والترحيب ليَكُون الْوَعْد والوعيد مُقَدرا عَن الْحس والعيان إِذْ ذَلِك طَرِيق المعارف وَبِه يُوصل إِلَى دَرك النهايات وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَلَو جَازَ إِنْكَار الشَّيْء لَا من شَيْء بِمَا لَا يتَصَوَّر فِي الْوَهم لجَاز لكل مؤوف الحاسة إِنْكَار مَا يدْرك بهَا إِذْ هُوَ غير مدرك إِنْكَار كل غَائِب لم يبلغهُ الحاسة وَفِي ذَلِك نفض الْمَجُوسِيَّة وَغَيرهم إِذْ هم جَمِيعًا اتبعُوا أوائلهم ثمَّ التَّصَوُّر فِي الْوَهم تَقْدِيره مِمَّا تقع عَلَيْهِ الحاسة إِذا ارْتَفَعت فتصور حَال وُقُوع الحاسة فِي وهمه أَو يقدر مثله فِي الْوَهم ثمَّ الله سُبْحَانَهُ لم يعرف من طَرِيق الْحَواس وَلَا لَهُ مِثَال فِي الْمَعْرُوف بَطل التَّقْدِير بِهِ ثمَّ الأَصْل أَن التَّصَوُّر فِي الْوَهم هُوَ علم الْحس أَو فِي علم الْحس دَلِيل لُزُوم الْعلم بِمَا لم يحس وَلِأَن يعرف إِذْ كل ذِي حس جَاهِل بمائية الْحس وكيفيته فَلَزِمَ ذَلِك فِي كل حس هُوَ كَذَلِك
[ ١٧٥ ]
فَيجب كَون الْحَواس بِمن يعرف حقائقها وينشئها على مَا يرى أهل الْحَواس أَن الَّذِي أَنْشَأَهَا لَا يحْتَمل إِدْرَاكه بالحواس إِذْ كل ذِي حاسة جَاهِل بِمَا عَلَيْهِ أَحْوَاله وعاجز عَن إحتمال وَسعه مَا فسد مِنْهُ فَأوجب ذَا أَن وَرَاء هَذَا عليم حَكِيم لَا يحْتَمل مَا احْتمل المحسوس إِذْ لَو جَازَ وَاحْتمل لم يحْتَمل كَون المحسوس بِهِ كَمَا لم يحْتَمل بأمثالنا وَبِاللَّهِ الْعِصْمَة والنجاة