قَالَ الشَّيْخ ﵀ زعمت المنانية أَن الْأَشْيَاء على مَا عَلَيْهِ من امتزاج النُّور والظلمة وَكَانَا متباينين النُّور فِي الْعُلُوّ لَا يتناهى فِي أَربع جِهَات شمال وجنوب وصبا ودبور والظلمة فِي السّفل كَذَلِك وَلها من جِهَة الإلتقاء تناه قبعت الظلمَة على النُّور فامتزجا فَكَانَ الْعَالم من امتزاجهما على قدر الإمتزاج وَلكُل وَاحِد مِنْهُمَا خَمْسَة أَجنَاس حمرَة وَبَيَاض وصفرة وَسَوَاد وخضرة فَكل شَيْء مِمَّا جَاءَ من هَذَا الْجِنْس من جَوْهَر النُّور فَهُوَ خير وَمَا كَانَ من جَوْهَر الظلمَة فَهُوَ شَرّ وَكَذَلِكَ لكل وَاحِد مِنْهُمَا حواس خمس سمع وبصر وذائق وحاسة الشم واللمس فَمَا أدْرك جَوْهَر النُّور بهَا فَهُوَ خير وَمَا أدْرك جَوْهَر الظلمَة فَهُوَ شَرّ وللنور روح وللظلمة روح وروح الظلمَة يُسمى همامة وَهِي حَيَّة فغلب الْعَالم ليحبس النُّور فِيهَا والنور لَيْسَ بحساس وَمَا كَانَ مِنْهُ يكون بالطبع وَيكون خيرا كُله والهامة حساسة وسيصير كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى حيزه ثمَّ وجد أَعلَى الْأَشْيَاء أصفاها وأسفلها أكدرها وَمن طبعهما الخفة والثقل وَأَمرهمَا على التنافر إِذْ الْخَفِيف يَعْلُو صعدا والثقيل ينحدر سفلا فيمر الدَّهْر إِذْ كَانَا كَذَلِك يتخلصان من وَجه التناهي كَمَا امتزجا
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَمن تَأمل القَوْل وجده كُله متناقضا من غير أَن يحْتَاج إِلَى تكلّف الدّلَالَة على إبِْطَال القَوْل سوى تَفْسِيره أول شَيْء بِهِ أَنه أَرَاك النِّهَايَة من الْوُجُوه وأثبتها من وَجه فَجعل المتناهي غير المتناهي إِذْ النِّهَايَة حد وَالْحَد قصر عَمَّا هُوَ أعظم مِنْهُ وَذَلِكَ تَدْبِير غَيره فِيهِ وَهُوَ دَلِيل حدث جَانب مِنْهُ وَذَلِكَ جُزْء وبعيد كَون كُلية الْأَجْزَاء المتناهية غير متناهية لِأَن ذَلِك الْمَعْنى يتَمَكَّن فِي كل جُزْء مِنْهَا يتَّصل على أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي الْوُجُوه الَّتِي لَا تتناهى إِمَّا أَن يكون الآخر فِيهَا فَيبْطل قَوْله امتزجا من جَانب بل كَانَا
[ ١٥٧ ]
إِلَّا من جَانب ثمَّ امتزجا وَإِن لم يكن زَالَ كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن الْأَوْجه الْأَرْبَعَة الَّتِي هِيَ للْآخر فَصَارَ من تِلْكَ الْوُجُوه متناهيا وَالله الْمُوفق
ثمَّ إِن كَانَ من طبع السُّفْلى التسفل والعلوى الْعُلُوّ وَذَلِكَ معنى التنافر وَإِلَيْهِ مرجع الْعَاقِبَة فَكيف صَار السُّفْلى يذهب صعدا وَذَلِكَ طبع العالي الصافي وَهُوَ معنى الْخَيْر فقد صَار من السُّفْلى الْأَمْرَانِ جَمِيعًا فَبَطل الْمَعْنى الَّذِي لَهُ لزم القَوْل بإثنين ثمَّ من العلوى النفار إِلَى العلوى وَلم يقم بوفاء ذَلِك وَلَا امْتنع بِهِ عَمَّا كَانَ بجوهر ينحدر حَتَّى ارْتَفع عَلَيْهِ وَخلق الْعَالم بحبسه فَكيف يطمعون أَن ينخلص من يدى الهمامة وَهِي مَعَ ذَلِك حساسة فعاله بالحيل أوثقته وقيدته وحبسته وَلَيْسَت لَهُ قُوَّة يتَخَلَّص بهَا وبطبعه لم يمْتَنع عِنْد التَّخْلِيَة فَكيف يتَخَلَّص بعد الوثاق إِلَّا أَن يَقُول تخلى الهمامة سَبيله فيجعلها فاعلة الْخَيْر
وَبعد فَإِن جَوْهَر الظلمَة إِن كَانَ هُوَ رأى النُّور وَهُوَ الَّذِي أيس النُّور ليحبسه فَهُوَ الْمَوْصُوف بِالْعلمِ والرؤية لَا الَّذِي لم يره ليتحصن مِنْهُ وَلم يعلم مَا بِهِ يتَخَلَّص من قهره فَإِذا الْعلم والرؤية والمقدرة والغنى والشرف كُله فِي جَوْهَر الظلمَة والقهر وَالْجهل وَالْعجز والذل والهوان فِي جَوْهَر النُّور فَإِن كَانَ ذَا كُله خيرا وَالْأول كُله شرا فَمَا أبصركم بِالْخَيرِ وَالشَّر
وَكَذَلِكَ عنْدكُمْ إِن النُّور فعله طباع والهمامة فعلهَا اخْتِيَار والعالم أنشأه الهمامة بَطل القَوْل بإثنين بل الْعَالم كُله فعل الْوَاحِد لكنه مزج أجزاءه بأجزاء الآخر وَلَو كَانَ الآخر بِمَا يفعل بِهِ وَفِيه يصير آخر لتَحْصِيل القَوْل بالإثنين لَكَانَ كل ذِي طبع هُوَ من بِهِ وَفِيه الْعَالم فَيصير القَوْل بِمَا لَا يُحْصى عدده ثمَّ إِذْ كَانَت
[ ١٥٨ ]
الظلمَة هِيَ الَّتِي بَغت على النُّور ثمَّ تخلص مِنْهَا فَأَما أَن يكون التَّخَلُّص مِنْهُ بالجوهر وَذَلِكَ محَال لِأَنَّهُ لم يمْتَنع مِنْهَا بِهِ مَعَ مَا يُوجب تخلص أَجْزَائِهِ من حبس الهمامة وَلَيْسَ فِيمَا علاهُ مَوضِع يسير إِلَيْهِ مَا انتزع مِنْهَا إِذْ غير هَذَا الْجَانِب غير متناه وَهُوَ التخليص يرجع إِلَى مَا لَا نِهَايَة فَلَا يجد لنَفسِهِ مَوضِع قَرَار فَلَا معنى للتخلص إِلَّا أَن يكون الظلمَة تَدْفَعهُ عَن نَفسهَا فَيكون دَفعه خيرا إِذْ كَانَ حَبسه شرا مَعَ مَا إِذا دفع أجزاءه وَمَا علا لَيْسَ إِلَّا أجزاؤه فَهُوَ يدْخل بعضه وَلذَلِك نِهَايَة لكنه كَانَ يحْبسهُ فِي جوهره ثمَّ قهر كُلية النُّور فَجعله سجنا لنَفسِهِ يحبس فِيهِ عدوه فَيصير عدوه بجوهره حَبِيسًا لنَفسِهِ
وَبعد فَإِن الظلمَة لَيْسَ لَهَا فِي غير وَجه الإمتزاج حد فَهُوَ الى مَاذَا يصير بالتخلص فَهُوَ يبين أَن لَا معنى للتخلص وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ الشَّيْخ ﵀ ثمَّ الْعجب من قَوْلهم إِن الْخَيْر كُله فِي الْعَالم من جَوْهَر النُّور فَمن أَيْن يكون مِنْهُ الْخَيْر وَهُوَ المقهور الْمَحْبُوس وَالْفِعْل كُله من الآخر ليحبسه بِهِ فَلَيْسَ من النُّور غير الْبَقَاء فِي سجن الآخر ووثاقه فَمن يجنى مِنْهُ خير إِلَّا أَن يرى ذَلِك من سَائِر الْأَجْزَاء الَّتِي لم تَبْغِ عَلَيْهِ فَيلقى أجزاءه فِي حبس آخر وَذَلِكَ هُوَ الشَّرّ وأنى لملك الْخَيْر وَهُوَ كُله فِي الْخَلَاص وَهُوَ غير مَمْنُوع
ثمَّ التَّنَاقُض أَنهم جعلُوا التباين بالجوهر فمحال امتزاجهما وهما بالجوهر متباينين وَذَلِكَ قَائِم بِحَالهِ إِذْ هم يرَوْنَ الإمتزاج غيرا على أَنه يُقَال لَهُم الإمتزاج
[ ١٥٩ ]
أَلَيْسَ بعد أَن لم يكن لَا بُد من بلَى قيل أَكَانَ هُوَ النُّور أَو الظلمَة أَو غَيرهمَا فَإِن قَالَ بالأولين أحَال لِأَنَّهُ أثبت الإمتزاج والتباين لنَفسِهِ وَلَو جَازَ ذَلِك لجَاز وجودهما مَعًا وَهُوَ بَين وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ إثباتهم الْحَد من حَيْثُ الإلتقاء إِمَّا إِن كَانَا متماسين فِي الْأَزَل أَو غير متماسين فَإِن كَانَا متباينين قَالَ إِن تماسا حَدثا فَحدث الْجُزْء يُوجب الْكل بِحَق الإستدلال بِالشَّاهِدِ على الْغَائِب وَإِن كَانَا متماسين فَلَا بُد من أَن يزْدَاد أَحدهمَا حَتَّى يمتزج بِالْآخرِ أَو يحيد من الآخر حَتَّى يدْخل فِي نَفسه وَأيهمَا كَانَ فَفِيهِ زِيَادَة لم يكن أَو قطع وَإِدْخَال فِي جَوْهَر فَيبْطل القَوْل بِأَنَّهُ غير متناه لِأَنَّهُ إِذا لم يكن لأجزائه تناه لم يكن للْآخر فِيهِ تدَاخل ليمتزج بِهِ ثَبت أَنه متناه إِذا احْتمل الإمتزاج مَعَ الْبعد أَن تبقى الظلمَة مَعَ كثافتها على النُّور مَعَ رقته فيقتطع مِنْهَا إِذْ كل ممتلئ بِمَا يلطف من الْأَشْيَاء لَا يتَمَكَّن فِيهِ مَا يكثف وَلَو كَانَ ذَلِك من النُّور فقد اكْتسب الشَّرّ وَألقى نَفسه فِي الْحَبْس مَعَ ثبات الكيف جوهرا وَاحِدًا وَإِنَّمَا يحد اللطف المنفذ فِي الكثيف إِذا كَانَ من جَوَاهِر مُخْتَلفَة يبْقى بَينهَا الْفرج وَأما الَّذِي سَبيله مَا ذكر فَلَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَإِن سبقت بِمَا حدث من الإمتزاج بعد أَن لم يكن فإمَّا أَن كَانَ بِأَحَدِهِمَا أَو بهما وَفِيه احْتِمَال الْحُدُوث فَمثله الْكل أَو لَيْسَ بهما فَفِي ذَلِك تثبيت ثَالِث أَو لأنفسهما كَانَ فَلَزِمَ نفى التباين أَو تبقى الظلمَة بِنَفسِهَا فَلم يكن ذَلِك الْوَقْت بِأولى مِمَّا قبله وَإِذا لم يحدث فِي الجزئين اللَّذين لم يمتزجا شَيْء وَقد وجد لم لَا كَانَ كَذَلِك فِي الْكل
مَعَ مَا لَا يَخْلُو من الإفتراق إِذْ الإمتزاج أَن يكون بالطبع والطبائع لَا تنْقَلب فَيجب أَن يكون أبدا كَذَلِك وَأَطْنَبَ فِي نوع الطبائع لكنه روى أَن
[ ١٦٠ ]
الظلمَة فعاله بِاخْتِيَار فَالْقَوْل فِي الطباع على ذَلِك فَاسد وَأخْبر عَنْهُم تحرّك الظلمَة إِلَى أَن لقِيت النُّور فَدخلت عَلَيْهِ إِن قَالُوا أبدا مَا مر فِي كَلَام الدَّهْر وَإِن قَالُوا بالإبتداء لزم الْحَدث وَالله الْمُوفق
ثمَّ تَمام الْجَهْل فِي قَوْلهم يتخلصان بِمَا كَانَ من طبع الثقيل الإنحدار وطبع الْخَفِيف الإرتفاع ثمَّ فِي الإبتداء مَعَ هَذَا الطَّبْع قد امتزجا فلولا أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا على طبع الآخر فِي الثّقل والخفة مَا احْتمل الإمتزاج وَإِذا احْتمل دلّ أَن الطبعين كَانَا فِي كل وَاحِد وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَإِذا احْتمل الْوَاحِد الْأَمريْنِ احْتمل الْخَيْر وَالشَّر فَيبْطل الثَّانِي وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
على أَن اللَّازِم إِذْ جعلوهما متضادين فِي الطبيعة أَن يجْعَلُوا أَحدهمَا شَأْنه الإمتزاج وَالْآخر الْبَيْنُونَة وَقد غلب أَحدهمَا أَن يكون على ذَلِك ثمَّ من قَوْلهم إنَّهُمَا إِذا تفَرقا لَا يمتزجان من بعد فَمَا أدراهم وَوجدنَا بِالْيَقِينِ لم يؤنس الإجتماع فَكيف وجود تفرق بِجهْد وَمَا يدريهم أَنهم أبدا على تفرق وإجتماع وَكَذَلِكَ فِي الْأَزَل فَيبْطل القَوْل بِالنورِ والظلمة
وَبعد فَإِن حكمهم هَذَا عَجِيب لأَنهم لَا يخبرون عَن أَحْوَال كَانَت وَيكون مَا عِنْدهم من جَوْهَر هذَيْن وَلم يكن لَهما علم من قبل بالإمتزاج وَلَا علم بكيفية الْفِرَاق وَالله الْمُوفق
ثمَّ يُطَالب على كل فصل مِمَّا قَالُوا من قطع النِّهَايَة وَمَا قَالُوا من ابْتِدَاء الْعَالم دون أَن يكون عَالم على أثر عَالم بِلَا نِهَايَة وَكَذَلِكَ يكون بِالدَّلِيلِ وَكَذَلِكَ
[ ١٦١ ]
الإمتزاج والإنفصال ليعلموا تعنتهم وَيُقَال لم يعاينوا شَيْئا ممتزج من خير وَشر وَلم يرد لكم خبر يحْتَمل الصدْق فَإِن قَالَ علمنَا بالأدلة أَن شَأْن الْأَشْيَاء التَّفَرُّق وكل شَيْء يرجع إِلَى أصل جوهره
قَالَ الشَّيْخ ﵀ يُقَال بل شَأْنهمْ الإجتماع فمنتهى كل على أصل جوهره وَإِذا كَانَ وَقع هَذَا قد اجْتمع فَاجْعَلْ ذَلِك أبدا كَذَلِك وَيُقَال إِذْ التَّفَرُّق تبدد والإجتماع تَأَكد وُقُوعه لم لَا كَانَ شَأْنهمْ الإجتماع وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَلَو جَازَ تثبيت مَا لَا شَاهد لَهُ فِي الشَّاهِد مَعَ كَونه من جوهره لجَاز القَوْل بِفعل الْحَواس على الْمَعْرُوف أَو الدَّرك باضداد مَا بِهِ الدَّرك وعورضوا بقَوْلهمْ لَا يكون من النُّور غير الْخَيْر وَلَا من الظلمَة غير الشَّرّ فَإِذا قتل رجل ثمَّ أقرّ فَإِن كَانَ الْمقر هُوَ الَّذِي قتل وَهُوَ صدق فقد عمل بِهِ الْخَيْر بعد الشَّرّ وَإِن كَانَ الْمقر هُوَ الَّذِي لم يقتل فَهُوَ كذب وَهُوَ شَرّ قد كَانَ مِنْهُ الْخَيْر وَهُوَ ترك الْقَتْل
وَكَذَلِكَ من قَوْلهم إِن كل حاسة لَا تدْرك مَا تُدْرِكهُ الْأُخْرَى ثمَّ فِيمَا سمع قَالَ سَمِعت أَو فِيمَا رأى قَالَ رَأَيْت وَمَا قَالَ بِهِ رَأَيْت وَسمعت غير الَّذِي بِهِ سمع وَرَأى وَذَلِكَ جَوَاب بِمَا لم يدْرك
وَسُئِلَ عَن سَواد الظلمَة إِذا زيد على سَواد النُّور وَهل زَاد فِي السوَاد شَيْئا فَإِن قَالُوا لَا صيروا مَا كثر هُوَ الَّذِي لم يكثر فَإِن قَالُوا ازْدَادَ قيل أهوَ النُّور أَو الظلمَة أَو غَيرهمَا فَإِن قَالَ بالأولين فازداد النُّور أَو الظلمَة وَذَلِكَ بعيد إِذْ يزْدَاد كل وَاحِد مِنْهُمَا بالجوهر الآخر وَإِن قَالَ غَيرهمَا أثبت للآمرين غيرا ثمَّ مَا يدريهم أَن لَيْسَ فِي النُّور أَو الظلمَة زِيَادَة على تِلْكَ الْأَجْنَاس الْخَمْسَة وهم لَا يعلمُونَ بِجَمِيعِ أَجزَاء الجنسين بِمَا لَا نِهَايَة لكل وَاحِد فَإِن ادّعى الإستدلال بِالشَّاهِدِ على الْغَائِب أبطل فوله بالتفرق وارتفاع النِّهَايَة لِأَنَّهُ لم يشْهد
[ ١٦٢ ]
ذَلِك فَإِن قَالَ علمنَا بالرسل قيل إِذْ كَانَ الرُّسُل من أَجزَاء النُّور والظلمة مَانِعَة فَمَا يدريكم أَن يكون الظلمَة منعت وسترت أغيارا فيهمَا غير الْخمس فَلم يعلم وَإِن زعم فِي الأول أَنه يدْرك بِكُل حاسة مَا يدْرك بغَيْرهَا فَبَطل قَوْلهم خمس حواس وَحصل على الْوَاحِد ثمَّ مَوْجُود الْعَجز مَعَ السّمع وَكَذَلِكَ سَائِر ذَلِك فَثَبت بِهِ الإختلاف ثمَّ عورض بحواس الظلمَة إِنَّهَا إِذا أدْركْت مَا أدْرك حواس النُّور وكل شَيْء على مَا هُوَ عَلَيْهِ كَيفَ صَار أحد الإدراكين خيرا وَالْآخر شرا ثمَّ عَارض بِالْعَفو عَن الذَّم إِنَّه فعل من فَإِن قَالَ فعل النُّور فَهُوَ نفع عدوه وَذَلِكَ شَرّ وَإِن كَانَت من الظلمَة فقد عَفا فَهُوَ خير وَالْأَصْل إِنَّا نجد فِي الشَّاهِد جَاهِلا يعلم ومخطئا ينْدَم وقائلا يرجع عَن قَوْله فَأَما إِن كَانَ الثَّانِي هُوَ الأول فَيثبت الفعلان المتضادات عَن وَاحِد وَمن غَيره فَثَبت كذب الْخَيْر بالوجوه الثَّلَاثَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق