نبتدأ الْحَمد لله الْعلي الحميد ونتوجه إِلَيْهِ بالشكر لَهُ والتمجيد على مَا أيدنا بِهِ من التسديد ونرغب إِلَيْهِ فِي العون على مَا قصدنا لَهُ والتأييد فَإِنَّهُ على كل شَيْء شَهِيد ونسأله أَن يصلى على مُحَمَّد أفضل مَا صلى على أحد من خِيَار خلقه وَأَن يُعْطِيهِ سؤله وَأَن يلحقنا بِهِ بجوده فَإِنَّهُ غنى كريم
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ أما بعد فَإِنِّي تَأَمَّلت وَجه اخْتِلَاف الْبشر فِي الْعَالم بعد ظُهُور آيَات حَدثهُ وأدلة جرى تَدْبِير غَيره عَلَيْهِ إِذْ مَا من شَيْء من جَوْهَر الْعَالم وأركانه إِلَّا وَهُوَ بجوهره يشْهد بِأَنَّهُ مُدبر مفطور وَأَنه مُضْطَر إِلَى عليم بأحواله غنى بِملك حَوَائِجه حَكِيم يضع كل شَيْء مَوْضِعه لِئَلَّا يتناقض فيتبدد وَأَنه لَا يحْتَمل بجوهره أَن يرجع إِلَى عدد من المدبرين بِمَا لَدَيْهِ تمكن الإختلاف الَّذِي عِنْده يُرِيد كل أَن يظْهر سُلْطَانه ويغلب ملكه ويقهر كل من نازعه وَفِي ذَلِك التفاني وَالْفساد اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون لوَاحِد مِنْهُم فضل قُوَّة أَو نصر يخضع لَهُ الْجَمِيع فَيصير كل خاضعا لَهُ ذليلا بِمَعْنى كل جَوْهَر من جَوَاهِر الْعَالم فِي خُرُوجه على مَشِيئَة غَيره وجريه عَلَيْهِ سُلْطَانه وَهُوَ
[ ١١٠ ]
الْمَعْنى الَّذِي هُوَ دَلِيل مُدبر الْعَالم عليم حَكِيم ليقوم بِهِ هُوَ وَيتم وَيخرج من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود إِذْ الأعجوبة فِي ابْتِدَاء كَونه إِلَى من يعلم كَيْفيَّة إنْشَاء الْأَشْيَاء لَيست بِدُونِ الأعجوبة فِي دَوَامه وقيامه على مَا هُوَ عَلَيْهِ بل كَانَت أظهر وَالْحَاجة فِي ذَلِك إِلَى غَيره أعظم إِذْ هُوَ عَن تَدْبِير نَفسه أعجز وَأَسْبَاب آجاله لَهُ بِهِ أعظم مَعَ مَا فِي كل براهين كَونه بعد أَن لم يكن أيبن إِذْ كل ذِي عقل وبصر لَعَلَّه يذكر ابتداءه أَو تقلبه من أَحْوَال تقدّمت من الصغر واللطافة مِمَّا إِذا لم يَجْعَل لتِلْك الْجُمْلَة ابْتِدَاء يبطل كَونه ثمَّ احْتِمَال كل الوهن والضعف إِلَى أَن يتلاشى وَيبْطل مِمَّا يضطره إِلَى الْعلم بِكَوْنِهِ بعد أَن لم يكن وَإِن كَانَ ذَا أَمر من يملك التَّدْبِير وَيعلم بالأحوال فالموات هُوَ الَّتِي تَحت تَدْبِير الْأَحْيَاء يَنْتَفِعُونَ بِهِ من حَيْثُ لَا يشْعر بذلك أَحَق بذلك ثمَّ دلّ كَون الْأَمْوَات على مَا للأحياء بهَا الإستمتاع على أَن الَّذِي دبرهَا هُوَ الَّذِي دبر الْأَحْيَاء إِذْ جعلهَا مستمتعا لَهُم بهَا صَلَاحهمْ
فَرَأَيْت الشُّبْهَة اعترضت الْبشر من بعد مَا بَينا مِمَّا يجب أَن يكون بِهِ دفع الشُّبْهَة لمن تصح من أوجه ثَلَاثَة أَحدهَا التَّقْلِيد بِمن ألفت نَفسه بِهِ ومالت إِلَيْهِ فَترك التفكر فِي الْأَدِلَّة وَأَقْبل على أماني النَّفس ثِقَة بهم أَو رَغْبَة فِي صحبتهم والوصول بهم إِلَى شهوات النَّفس أَو أتهاما لآرائهم أَن تهيء بهم إِلَى رشد أَو إنعامهم وَغَيره من أَسبَاب الشَّقَاء حَتَّى يبلغ بهم العياذ بشره النَّفس وَسُوء عاداتها
وَالثَّانِي نظر إِلَى الْوُجُود مِمَّا يَقع تَحت الْحَواس فَوَجَدَهُ يتقلب من حَال إِلَى حَال بالمواد والأغذية وتولد بعض عَن تعض وظنوا أَن كَون الْأَشْيَاء لَا عَن شَيْء وَالْفُرُوع لَا عَن أصل محَال وجوده لأَنهم لم يعاينوا ذَلِك وَالشَّاهِد عِنْدهم هُوَ دَلِيل الْغَائِب ثمَّ تفَرقُوا فَمنهمْ من يَقُول على هَذَا أَمر الْعَالم فِي الْأَزَل
[ ١١١ ]
لكِنهمْ اخْتلفُوا فَمنهمْ من يَجعله كَذَلِك على مَا بَينا من غير أَن يكون لَهُ صنع وعَلى هَذَا يخرج مَذْهَب أَصْحَاب الطبائع إِن التَّفَاوُت والإختلاف على اخْتِلَاف الطبائع وتفاصيلها وسماها قوم هيولي والتفاوت فِي الَّذِي ذكرت على مِثَال الأصباغ إِنَّهَا تخرج على ألوان مُخْتَلفَة بتفاوت المزاج واعتداله وعَلى ذَلِك جعلُوا جَوْهَر الْبشر من اعْتِدَال الطبائع وَالدَّوَاب من اضطرابه وعَلى هَذَا كل شَيْء
وَمِنْهُم من يرى أَصله الْأَرْبَع من الطبائع وَلَكِن لكل جَوْهَر أصلا والطبائع دخيلة فِيهَا وَمِنْهُم من يَجعله كَذَلِك بالطبائع وَيَقُول هُوَ وَاحِد ويجعله عِلّة لكَون الْعَالم فَيُوجب قدمه بِوُجُودِهِ وَيذْهب فِي إِثْبَات الصَّانِع إِلَى اتساق الْأَشْيَاء واتقانها إِذْ ذَلِك لَا يكون إِلَّا بمدبر عليم إِذْ الطَّبْع لَا يرجع إِلَى قدرَة وَبِه صَلَاح الْأَشْيَاء فَقَالُوا بالصانع ثمَّ إِذْ هُوَ كَانَ فِي الْأَزَل فأوجبوا كَون الْعَالم فِي الْأَزَل على نَحْو اقتران الْأَشْيَاء بعللها على أَنه إِذْ كَانَ الْعَالم مواهبه ونعمه وَأَنه قَادر بِذَاتِهِ فَثَبت وجوده وَكَرمه بِذَاتِهِ فَيلْزم كَون الَّذِي كرمه يُوجِبهُ وَقدرته توجده وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَمِنْهُم من يَقُول هَذَا الْعَالم كَانَ عَن أصل حدثت الصَّنْعَة فِيهِ لكِنهمْ اخْتلفُوا فَمنهمْ من يَجْعَل أصلة طِينَة أحدث الْبَارِي مِنْهَا هَذَا الْعَالم
وَقوم يجعلونه النُّجُوم وَالشَّمْس بِمَا كن يجرين دائبات وبجريهن نشوء الْعَالم ويجعلون للجرى ابْتِدَاء بإحالة كَون شَيْء بِشَيْء إِلَى مَا لَا أول لَهُ وَمِنْهُم من يَجْعَلهَا تعترض فِيهَا الْأَعْرَاض فَمن ذَلِك تولد الْعَالم يسمونه من قبل هيولي ويصفونه على مَا يصف أهل التَّوْحِيد الصَّانِع ثمَّ أبطلوا ذَلِك بإحتمال قبُول الْأَعْرَاض وتغيره من حَال إِلَى حَال
[ ١١٢ ]
وَمِنْهُم من يَقُول أَصله اثْنَان نور وظلمة من النُّور كل خير ونفع وَمن الظلمَة كل شَرّ وضار لَكِن مِنْهُم من يَقُول كَانَا متباينين فامتزجا على مَا مر بَيَانه
وعَلى قَول أَصْحَاب الهيولي والطينة يجب أَن يَكُونَا وَاحِدًا فتفرقا إِذْ هُوَ الأَصْل فصارا أصلا للشر وَالْخَيْر فبالتفريق عمل كل عمله على أَن عَامَّة هَؤُلَاءِ يجْعَلُونَ كَون الْعَالم بالطبيعة لَا بِالْفِعْلِ
وَالثَّالِث الإعتبار بالمعاني فَقَالُوا إِنَّا نجد الْعَالم اشْتَمَل على نفع وضر وعَلى خير وَشر ثمَّ فِي الْعرف أَن فَاعل الْخَيْر مَحْمُود وَمن ينفع غَيره رَحِيم حَكِيم وَأَن فَاعل الشَّرّ مَذْمُوم وَمن يضر غَيره قَاس سَفِيه لم يجز أَن يجِئ من الله الَّذِي هُوَ حَكِيم رَحِيم فعل الشَّرّ أَو الضَّرَر بِأحد وَمثله فِي الشَّاهِد وَلَا لَهُ السَّفه والقساوة وَهَذَا مِمَّا ينْتَفع بِهِ أَو يدْفع الضَّرَر عَن نَفسه فَكيف لمن لَا ينْتَفع بِشَيْء وَلَا يضرّهُ شَيْء على قَوْلهم إِن الْحَكِيم فِي الشَّاهِد من يجر بِفِعْلِهِ النَّفْع بِهِ وَالضَّرَر فَأَما من يضر غَيره بِلَا نفع لَهُ فَلَيْسَ هُوَ بِحَكِيم فَقَالُوا هَذَا باخْتلَاف الأَصْل الَّذِي مِنْهُ الْعَالم ليرْجع كل مَوْجُود فِيهِ إِلَى أَصله من خير أَو شَرّ أَو كَانَ وَاحِدًا فِيهِ الجوهران فتفرقا فَكَانَ من كل مَا يكون من مثله أَو بِمَا اعترضت فِيهِ الْأَعْرَاض اخْتلف فَرجع إِلَى هَذَا قَول الدهرية الْمُنكرَة للصانع والمثبتة جَمِيعًا لعدد فَسَمت الثنوية لقَولهم الْخَيْر بجوهره نور وَالشَّر ظلمَة وَالْمَجُوس سموا الْخَيْر الله وَالشَّر الشَّيْطَان
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ وَلَو أنعم هَؤُلَاءِ الْفرق النّظر فِيمَا تقدم من ذكر الْأَدِلَّة لعلموا قُصُور عُقُولهمْ عَن الْوُقُوف على الْحِكْمَة البشرية فضلا عَن أَن يحيطوا بحكمة الربوبية مَعَ مَا فِيمَا إِلَيْهِ صَارُوا فِي الإختيار منع لَهُم عَن دَعْوَى
[ ١١٣ ]
معرفَة حَقِيقَة الْحِكْمَة والسفه إِذْ من مَذْهَبهم أَن لَا يرَوْنَ بجوهر الشَّرّ إِلَّا الشَّرّ وبجوهر الْخَيْر إِلَّا الْخَيْر ثمَّ لَا يدْرِي فِيمَا سموهُ سفها أَو حِكْمَة إِنَّه فعل الشَّرّ أَو فعل الْخَيْر وكل الْإِنْسَان عِنْدهم مشوب من الْأَمريْنِ يرى بِكُل وَاحِد خلاف مَا يرى بِالْآخرِ فَلَعَلَّهُ رأى الْحِكْمَة سفها والسفه حِكْمَة ثمَّ لَا يوثق بقوله لِأَنَّهُ خير فَهُوَ من جَوْهَر الظلمَة كذب كُله وَمن جَوْهَر النُّور صدق كُله فَلَا يدْرِي بِأَيّ جوهرين ينْطق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ إِذْ لم يكن لوَاحِد مِنْهُمَا قدرَة على الضَّرَر وَلَا للأخر قدرَة على النَّفْع فَانْقَطع مَوضِع الرَّجَاء وَالْخَوْف جَمِيعًا فَيذْهب مَنْفَعَة معرفَة الْحِكْمَة والسفه
ثمَّ إِذْ كَانَ كل وَاحِد من الجوهرين يعْمل بالطبع فوقوع الْعلم بالحكمة إِذا محَال والسفه بالطبع وَالْحكمَة هِيَ وضع كل شَيْء مَوْضِعه والسفه وضع كل شَيْء فِي غير مَوْضِعه ومحال وصف ذِي طبع بِهِ إِذْ هُوَ اخْتِيَار والنور عِنْدهم لَا يعلم مَا السَّفه فيحذره وَلَا الظلمَة تعلم مَا الْحِكْمَة وَالْجهل بمائية الشَّيْء وبالوضع لَهُ شَرّ فَصَارَ جَوْهَر النُّور عِنْدهم هُوَ الَّذِي اجْتمع فِيهِ الْعلم وَالْجهل ثمَّ الْقُدْرَة وَالْعجز بِمَا لَا يقدر على صرف السَّفه عَن نَفسه وَلَا يمْنَع الظلمَة عَن الضَّرَر بِهِ فَصَارَ جَوْهَر الْخَيْر عِنْدهم مشوبا بِالشَّرِّ وجوهر الظلمَة لَا خير فِيهِ فَلَزِمَ على قَوْلهم غَلَبَة الشَّرّ على الْخَيْر وَالَّذِي هُوَ خير لم يعرف الشَّرّ والسفه فَكيف يعرف هَذَا الَّذِي يُولد عَن جَوْهَر الْخَيْر بعد غَلَبَة الشَّرّ عَلَيْهِ الْخَيْر وَالشَّر
على أَن كل ذِي طبع مقهور إِذْ لَا يملك صرف مَا يُوجِبهُ الطَّبْع وَإِيجَاب الْخلاف وَفِي ذَلِك إِيجَاب قاهر يَجْعَل ذَا شرا بالطبع وَهَذَا خيرا وَلَو رد ذَا إِلَى اثْنَيْنِ كَانَ فيهمَا مَا فِي هذَيْن نَحْو التسخين والتبريد أَنه يكون بِمن جعله كَذَلِك وَفِي ذَلِك إِيجَاب القَوْل بِالْوَاحِدِ
وَمن يَقُول بِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا خَالق قَادر فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو كل وَاحِد مِنْهُمَا من أَن يعلم الْوَجْه الَّذِي يمْنَع الآخر عَن عمله أَو لايقدر عَلَيْهِ أَو لَا فَإِن لم يعلم وَلم
[ ١١٤ ]
يقدر اجْتمع فِي النُّور الْجَهْل وَالْعجز وَفِي ذَلِك بطلَان السَّبَب الَّذِي لَهُ قَالُوا بإثنين وَإِن علم وَقدر ثمَّ لم يعْمل فِي الْمَنْع لحقه وصف الشَّرّ
ثمَّ لَا يَخْلُو النُّور من أَن يعادي الظلمَة أَو لَا وَيُحب تَشَاغُله أَو لَا فَإِن كَانَ لَا يعادي وَيُحب فَذَلِك شَرّ لِأَن ترك عَدَاوَة الْعَدو والمحبة لَهُ شَرّ وَإِن كَانَ يعاديه ويبغضه فالعداوة والبغض شَرّ فِي الْمَعْرُوف من الشَّاهِد فَإِن قَالَ ذَلِك فِي الشَّاهِد لثُبُوت الْآفَات فَمثله فِي جَمِيع مَا أنكر من الْحِكْمَة فِي خلق النَّوْعَيْنِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
على أَنه لَا بُد من الْإِقْرَار بِعلم بعد الْجَهْل فِي الشَّاهِد وبالإحسان بعد الْإِسَاءَة وبالندم بعد ذَنْب وبالإقرار بالإساءة بعد الْعقل وَكَذَلِكَ باعتقاد شَيْء حَقًا بعد أَن اعتقده بَاطِلا للوجود فِي الشَّاهِد فَأَما أَن نجْعَل الْأَمريْنِ من النُّور فَيكون مِنْهُ الْجَهْل والإساءة والذنب والسفه وكل شَيْء فَبَطل قَوْله بالإثنين لهَذَا الْوَجْه أَو نجْعَل الْإِسَاءَة والسفه وَالْجهل من الظلمَة وَالْإِقْرَار وَالْإِحْسَان والندامة من النُّور فَيكون ذَلِك كذبا وتحزبا وإهتماما وكل ذَلِك عِنْده من فعل الظلمَة فقد أثْبته للنور ثمَّ الْإِقْرَار بِمَا لم يكن كذب وسفه وَإِمَّا أَن يَكُونَا من الظلمَة فَيكون مِنْهَا خير وَشر
وَأَيْضًا أَن النُّور لَا يَخْلُو من أَن يهتم للشر يحل بأوليائه ويحزن عَلَيْهِ أَو لَا فَإِن اهتم وحزن بَطل قَوْله هُوَ كُله لَذَّة وسرور وَإِن لم يحزن بَطل قَوْله فِي فعل الشَّرّ وَالضَّرَر إِنَّه الْقَسْوَة والشدة لَا الرَّحْمَة وَذَلِكَ فِي القَوْل بإثنين بِمَ يُقَال لَهُ التحرك بعد السّكُون أَو لَا وَيُرِيد شَيْئا ثمَّ ينفر عَنهُ وَيُحب أمرا ثمَّ يبغضه ويكلم فِي هَذَا بِمثل الَّذِي ذكرت فِي الْفَصْل الأول وَالله الْمُوفق
فَإِن زعمت الثنوية فِي جَمِيع مَا عَارَضنَا من اخْتِلَاف الْأَحْوَال وتضادها أَن ذَلِك كَذَلِك فِي الشَّاهِد لشوائب الْآفَات من الظلمَة فِي جَوْهَر النُّور فَيرى الشَّيْء بِغَيْر صورته وَبهَا يَقع التَّوَاتُر للْعلم بالأشياء قيل فَمَا يبعد أَن يكون قَوْلك كَذَا لَيْسَ
[ ١١٥ ]
بحكمة وَلَا رَحْمَة بل هُوَ سفه وقسوة إِنَّمَا كَانَ مِنْك لما شابك من آفَات الظلمَة فمنعك أَن ترى كل شَيْء بجوهره وَصورته وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الله سُبْحَانَهُ إِذْ هُوَ الْقَادِر عَلَيْهِ بِذَاتِهِ لَا يعجزه شَيْء الْغنى بِنَفسِهِ لَا يحوجه شَيْء الْعَلِيم بِذَاتِهِ لَا يجوز أَن يجهل شَيْئا الْحَكِيم بِذَاتِهِ لَا يجوز الْخَطَأ مِنْهُ فِي الْفِعْل بَطل أَن يكون فِي خلقه تفَاوت تتناقض لَدَيْهِ الشَّهَادَة يتضاد فِيهِ التَّدْبِير وَلزِمَ القَوْل بِكُل مَا لَا تبلغه عقولنا بدرك الْحِكْمَة بعد أَن ثَبت أَنه منشئه ومحدثه أَن نعلم أَن فِيهِ حِكْمَة بليغة لم يبلغهَا على مَا لَا يعلم أَن كل حاسة من حواسنا جعلت لدرك مَا تقع هِيَ عَلَيْهِ وَإِن كَانَت تقصر رُبمَا عَن الْإِحَاطَة وتجيء حاسة أُخْرَى فتحيط بِهِ فَمثله الْعقل إِذْ هُوَ مَخْلُوق مَحْدُود لَا يُجَاوز الْحَد الَّذِي جعل لَهُ مَعَ مَا كَانَ مَوْجُودا فِيهِ قبح كل شَيْء يظْهر حسنه وَفَسَاد شَيْء يظْهر صَلَاحه فَثَبت أَنه رُبمَا يَعْتَرِيه مَا يمْنَع عَن كنه مَا يَقع عَلَيْهِ من الْحِكْمَة والسفه
وَبعد فَإِن تَقْدِير جِهَة الْحِكْمَة مِمَّن هُوَ مُحْتَاج فَقير يحبب إِلَيْهِ حَاجته ويزين فِي عَيْنَيْهِ فقره وَيحسن أَشْيَاء قبيحه بِالْعَادَةِ والإلف وَكَذَلِكَ أضدادها فَإِن من هَذَا وَصفه من الْإِحَاطَة بحكمة الربوبية ولتلك الْآفَات أَيْضا عجز عَن إنْشَاء فعل لَا عَن شَيْء إِذْ هُوَ يتقلب بالجوارح وَيسْتَعْمل الْآلَات فَأنى يكون لمن ذَلِك مَحَله فِي فعله بعد علمه أَنه يعْمل بِقُوَّة أحدثت وَعلم أفيد هُوَ التحكم بِالْعَجزِ وَالْجهل على من هُوَ بِذَاتِهِ قَادر عَالم بِالْعَجزِ عَن مثله وَالْجهل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ عَلَيْهِم فِي الْفَصْل الأول أَن يُقَال أيا من النُّور والظلمة إِذا آذته بالإنتهاء عَنهُ وينهاه عَن ذَلِك فَإِن قَالَ لَا أقرّ بسفهه إِذْ مثله فعل السَّفِيه فِي الشَّاهِد وَإِن قَالَ نعم كلفه مَا لَا يحْتَمل جوهره عِنْده فَهُوَ سَفِيه أَيْضا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأما أَصْحَاب الطبائع فَإِن الطابع مقهور لَا يقدر على الإمتناع عَمَّا طبع عَلَيْهِ بل يقدر غير كل ذِي طبع أَن يمْنَع إِيَّاه عَن توليده فَثَبت أَن عمله لغيره مَا
[ ١١٦ ]
يعْمل إِذْ قد يمْنَع بِغَيْرِهِ عَن الْعَمَل وَلَو كَانَ بِنَفسِهِ يعْمل ذَلِك مَا احْتمل مَا دَامَت نَفسه مَعَ مَا إِذْ كَانَ لَا يمْتَنع من عمل ثَبت أَنه مقهور تَحت قاهر عليم
ثمَّ كل ذِي طبع لَا يعلم فِي شَيْء بطبعه إِلَّا أَن يكون الآخر مجعولا بِحَيْثُ يقبل ذَلِك نَحْو الشَّيْء الَّذِي يتَأَذَّى لَا يُؤْذِيه الْفِعْل الَّذِي فِي غَيره مؤذ وَكَذَلِكَ المؤلم والملذ وَكَذَلِكَ الأصباغ وَلَيْسَ عمل الطَّبْع أَن يَجْعَل شَيْئا يقبل طبعه ويتأثر بِهِ فَثَبت بِهِ كَون غير الطبائع مَعَ مَا لَو خلى بَين ذِي الطَّبْع وَعَمله لَكَانَ لَا يؤلف وَلَا يصور فَدلَّ وجودهَا على غير ذَلِك أَن لَهَا منشئا
وَبعد فَإِنَّهُ لَو خلى بَين الأصباغ وانصباغ الْأَشْيَاء بهَا ليخرج فَاسِدا مسمما وَإِنَّمَا يصلح ذَلِك لحكيم عليم يضع كل شَيْء مَوْضِعه فَمثله أَمر الطبائع وَهُوَ فِي شَأْن الطبائع أَحَق إِذْ هِيَ تتنافر وفيهَا التباعد أَو يقْدَح فِي الْأَشْيَاء بِلَا حد وَفِيه الْفساد فَدلَّ الإتساق وَقيام الْأَعْيَان بهَا على عليم قاهر جمع بَينهَا وقهرها مَعًا مَعَ مَا كَانَ لكل مُجْتَمع الطبائع حَامِل يحملهَا لَيْسَ هُوَ لَهُنَّ فَثَبت بِالضَّرُورَةِ وجودهن وَقد مضى من هَذَا النَّوْع مَا فِيهِ مقنع وَقد نجد الْحَرَارَة ترْتَفع بطبعها والبرودة تنحدر وَقد يَجْتَمِعَانِ فِي جسم فَثَبت أَن ذَلِك لمدبر قاهر عليم
وَمن يَقُول بقدم الْأَعْيَان فَوَجَدْنَاهَا غير خَالِيَة عَن الْحَوَادِث لمنع القَوْل بذلك لوجوه أَحدهَا فِي الْقدَم خلاء وَفِي ذَلِك تَكْذِيب شَهَادَة العيان وَالثَّانِي وجود كثير من الْأَعْيَان وابتداؤها لمدد تعد وَهِي من آخر الْجُمْلَة تحْتَمل مَا يحْتَمل الْكل لذَلِك لزم القَوْل وَلم يجز أَن يُقَال كَانَ كامنا فَظهر أَو مُتَفَرقًا فَاجْتمع لما فِيهِ إِثْبَات غير حكم العيان وَإِذا احْتمل ذَلِك وَإِن ارْتَفع عَن الْإِحَاطَة بِهِ احْتمل كَون الْعَالم من لَا شَيْء وَإِن ارْتَفع وجوده عَن توهم الْبشر بِدَلِيل والكمون لَا يحْتَمل لإحالة كَون شَيْء وَاحِد مَكَانا لعشرة مثله وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَلما لَا يَخْلُو العيان وَصفته من صور ثمَّ لَا يَخْلُو من مُصَور كَسَائِر مَا
[ ١١٧ ]
يحس أَو صفته وَهِي لَا تقوم بِنَفسِهَا وَلَكِن بمقيم فَلَا يحْتَمل الْعَدَم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
مَعَ مَا كَانَ كل شَيْء يعلم من نَفسه عَجزه وجهله بأحواله وَمَا فِيهِ صَلَاحه فَيكون ذَلِك دَلِيل الْكُلية وَغير ذَلِك من الْأَدِلَّة الَّتِي تقدم ذكرهَا
ثمَّ وصف الصَّانِع بِالْقُدْرَةِ فِي الْأَزَل والجود لَازم وَكَذَلِكَ عندنَا بالصنع ليَكُون كل على مَا كَانَ وَيكون أَبَد الآبدين على ارْتِفَاع الْقدَم عَن كل كَائِن بِهِ لِأَنَّهُ نوع الفناء وإحالة معنى التكوين عَنهُ إِذْ هُوَ الْكَوْن نَفسه وعَلى مَا كَانَ مَا لَا تَخْلُو الْأَعْيَان من الْحَوَادِث الَّتِي طريقها الْقُدْرَة وَالْكَرم ثمَّ رجعت إِلَى الْحَوَادِث على مَا يحْتَمل ذَلِك فَمثله الْأَعْيَان وَلَا قُوَّة إِلَّا الله
وَلَو كَانَ الْكل قَدِيما لَكَانَ وصف الْقُدْرَة وَالْفِعْل يَزُول عَنهُ فِي الْحَادِث بل كَانَ تكوينه أَن يكون كل شَيْء على مَا علم أَن يكون وَيُرِيد بتكوين لم يزل بِهِ مَوْصُوفا إِذْ هُوَ يتعالى عَن الْحَوَادِث فِيهِ بِمَا يصير بِمَعْنى الْعَالم الَّذِي دلّ إحاطة الْأَحْدَاث بِهِ على حَدثهُ فَمثله الصَّانِع وَالله الْمُوفق