قَالَ الْفَقِيه ﵀ اخْتلف منتحلو الْإِسْلَام فِي أَفعَال الْخلق فَمنهمْ من جعلهَا لَهُم مجَازًا وحقيقتها لله بأوجه أَحدهَا وجوب إضافتها إِلَى الله على مَا أضيف إِلَيْهِ خلق كل شَيْء فِي الْجُمْلَة فَلم يجز أَن يكون الْإِضَافَة إِلَى الله مجَازًا لِأَنَّهُ الْفَاعِل الْحق والقادر الَّذِي لَا يعجزه شَيْء وَفِي ذَلِك إِخْرَاج عَن قدرته وَإِزَالَة عَن حَقِيقَة فعله وَقد أضيف كثير مِمَّا لَا يشك على أَن الله هُوَ منشئه إِلَى الْعباد بالحرف الَّذِي هُوَ حرف الْعِبَادَة عَن الْأَفْعَال كالموت والحياة والطول وَالْقصر الْحَرَكَة والسكون والإجتماع والتفرق وَالله سُبْحَانَهُ لكل ذَلِك فَاعل وعَلى كُله قَادر فَمثله مَا ذَكرْنَاهُ وَإِضَافَة ذَلِك فِي الْقُرْآن ظَاهر وَذهب هَؤُلَاءِ فِي التعذيب وَنَحْو ذَلِك إِلَى أَن لَهُ الْخلق وَالْأَمر بكليته لَهُ فِي ذَلِك مَا شَاءَ على مَا قدر كل مَالك فِي ملكه مَا لَهُ فِيهِ وَإِن كَانَ ذَلِك كُله على هَذَا القَوْل مجازى وَالثَّانِي أَن بتحقيق الْفِعْل لغيره تشابها فِي الْفِعْل وَقد نفى الله ذَلِك بقوله ﴿أم جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقه فتشابه الْخلق عَلَيْهِم﴾ وَإِذا لم يكن حَقِيقَة الْأَمْلَاك فِي الْجَوَاهِر وَفِي الْإِلْزَام يَقع تشابه فِي الْملك فَمثله فِي الْأَفْعَال وَأَيْضًا أَنه لَو جعل للْعَبد إِيجَاد وَإِخْرَاج من الْعَدَم لَكَانَ فِي معنى ﴿خلق﴾ فَيلْزم اسْم ﴿خَالق﴾ وَذَلِكَ مِمَّا أَبَاهُ الْجَمِيع حَيْثُ قَالُوا لَا خَالق إِلَّا الله
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَعِنْدنَا لَازم تَحْقِيق الْفِعْل لَهُم بِالسَّمْعِ وَالْعقل والضرورة الَّتِي يصير دَافع ذَلِك مكابرا فَأَما السّمع فَلهُ وَجْهَان الْأَمر بِهِ والنهى عَنهُ وَالثَّانِي الْوَعيد فِيهِ والوعد لَهُ على تَسْمِيَة ذَلِك فِي كل هَذَا فعلا من نَحْو قَوْله ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ وَقَوله ﴿وافعلوا الْخَيْر﴾ وَفِي الْجَزَاء ﴿يُرِيهم الله أَعْمَالهم حسرات﴾
[ ٢٢٥ ]
وَقَوله ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ وَقَوله ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة﴾ وَغير ذَلِك مِمَّا أثبت لَهُم أَسمَاء الْعمَّال ولفعلهم أَسمَاء الْفِعْل بِالْأَمر والنهى والوعد والوعيد وَلَيْسَ فِي الْإِضَافَة إِلَى الله سُبْحَانَهُ نفى ذَلِك بل هِيَ لله بِأَن خلقهَا على مَا هِيَ عَلَيْهِ وأوجدها بعد أَن لم تكن وللخلق على مَا كسبوها وفعلوها على أَن الله إِذا أَمر وَنهى ومحال الْأَمر بِمَا لَا فعل فِيهِ للْمَأْمُور أَو المنهى قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ وَلَو جَازَ الْأَمر بذلك بِلَا معنى الْفِعْل فِي الْحَقِيقَة لجَاز الْيَوْم الْأَمر بِشَيْء يكون لأمس أَو للعام الأول أَو بإنشاء الْخَلَائق وَإِن كَانَ لَا معنى لذَلِك فِي أَمر الْخلق ثمَّ فِي الْعقل قَبِيح إِن انضاف إِلَى الله الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة وإرتكاب الْفَوَاحِش والمناكير وَأَنه الْمَأْمُور والمنهى والمثاب والمعاقب فَبَطل أَن يكون الْفِعْل من هَذِه الْوُجُوه لَهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا إِن الله تَعَالَى إِنَّمَا وعد الثَّوَاب لمن أطاعة فِي الدُّنْيَا وَالْعِقَاب لمن عَصَاهُ فَإِذا كَانَ الْأَمْرَانِ فعله فَإِذا هُوَ المجزى بِمَا ذكر وَإِذا كَانَ الثَّوَاب وَالْعِقَاب حَقِيقَة فالائتمار والإنتهاء كَذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَكَذَلِكَ فِي أَنه محَال أَن يَأْمر أحد نَفسه أَو يطيعها أَو يعصيها ومحال تَسْمِيَة الله عبدا ذليلا مُطيعًا عَاصِيا سَفِيها جَائِزا وَقد سمى الله تَعَالَى بِهَذَا كُله أُولَئِكَ الَّذين أَمرهم ونهاهم فَإِذا صَارَت هَذِه الْأَسْمَاء فِي التَّحْقِيق لَهُ فَيكون هُوَ الرب وَهُوَ العَبْد وَهُوَ الْخَالِق والمخلوق وَلَا غير ثمَّة وَذَلِكَ مَدْفُوع فِي السّمع وَالْعقل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا أَن كل أحد يعلم من نَفسه أَنه مُخْتَار لما يَفْعَله وَأَنه فَاعل كاسب
[ ٢٢٦ ]
فَلَو جَازَ صرف مثله مِمَّا طَرِيق الْعلم بِهِ الْحس وإبطاله نَحْو الْعلم لجَمِيع الْعَالم مثله وَذَلِكَ مهجور فَمثله قَول أهل الْجَبْر وَهَذَا قَول يغنى الْحِكَايَة عَن الإطناب فِيهِ لما لَيْسَ لَهُ كثير اتِّبَاع وَلما لَيْسَ لهَذَا القَوْل معنى تكلم عَلَيْهِ صَاحبه إِذْ هُوَ ينفى عَن نَفسه حَقِيقَة كل قَول وَفعل وَإِذا انْتَفَى بَطل القَوْل وَبِه يناظر ويحاج فَزَالَ الَّذِي بِهِ يكون الْحجَّاج واضمحل
وَمن النَّاس من عارضهم عِنْد ظنهم وُقُوع التشابه بِالْعلمِ والوجود والكون وَغير ذَلِك وَذَلِكَ لَازم لَو كَانَ ثمَّة عقل يحْتَمل الْإِدْرَاك وَلَكنهُمْ قوم أَنْكَرُوا علم الضروريات وَمَا هُوَ فِي حد العيان فَلَا معنى لمناظرتهم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَمِنْهُم من حقق الْأَفْعَال لِلْخلقِ وَنفى عَنْهُم التَّدْبِير فِيهَا وأزال عَنْهُم قدرَة خلقهَا وصير مشيئتهم فِيهَا كبعض مَا تتمنى بِهِ الْأَنْفس أَن يكون حقائق الْأَشْيَاء خَارِجَة مِنْهَا وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِالْأَمر والنهى ثمَّ الْوَعْد والوعيد ومحال رُجُوع مثله إِلَى مَا للْآمِر والناهي حَقِيقَته أَو عَلَيْهِ وَعِنْده وَله وعده على مَا ذكرنَا وتلوا ذَلِك آيَات الْأَمر والنهى وَذكر الْعقل ثمَّ آيَات الْجَزَاء وَهِي بَينه بِحَمْد الله لمن قَرَأَ الْقُرْآن ثمَّ هُوَ قد سوعد على ذَلِك بِمَا بَينا فِي فَسَاد قَول الْمُجبرَة وَقَالُوا فِي الْإِضَافَة إِلَى الله إِنَّهَا تخرج على وَجْهَيْن سوى حَقِيقَة الْفِعْل أَحدهمَا بِالسَّبَبِ الَّذِي كَانَ مِنْهُم الْأَفْعَال مَعَ الْأَمر بالخيرات والتخلية فِي الشرور وَقد تُضَاف الْأَفْعَال إِلَى من لَهُ الْأَسْبَاب وَإِن لم يكن حَقِيقَتهَا لَهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَالثَّانِي أَن الأضافة إِلَيْهِ عِنْد المحنة بِمَا لَهُ بهَا حَال التَّصْدِيق والتكذيب كَمَا أضيف إِلَى الْقُرْآن زادهم إِيمَانًا ورجسا وَإِلَى الدُّعَاء أَنه زادهم نفورا وَإِلَى الْقَوْم أَن أنسوهم ذكر الله وَإِلَى الْأَصْنَام أَن أهلكن كثيرا من النَّاس بِمَا عبدُوا كَانَت أَفعَال
[ ٢٢٧ ]
الْبشر أُولَئِكَ فَمثله الْإِضَافَة إِلَى الله وَقد يحْتَمل الْأَحْوَال كَمَا أضيف إِلَى الدُّنْيَا الْغرُور وَإِلَى زينتها بِمَا هِيَ تظهر مَا يكون مثله الْغرُور وَإِن لم يكن مِنْهَا حق الْفِعْل وَكَذَا مَا أضيف إِلَى الْقرى الخاوية على عروشها والقيود من النُّطْق وَإِلَى الْبَهَائِم من الشكاية مِمَّا لَو كَانَت تنطق بقول فَمثله فِي الْإِضَافَة إِلَى الله بِمَا مِنْهُ من الْإِمْهَال وَإِظْهَار النعم الَّذِي كَاد أَن يكون حجَّة لَهُم فِي الرِّضَا بأفعالهم وَلذَلِك ظنُّوا أَن الله أَمرهم بِمَا هم فِيهِ من الْأَفْعَال بالإمهال وَالتَّأْخِير وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَمِنْهُم من حقق الْأَفْعَال لِلْخلقِ وَبهَا صَارُوا عصاة تقاه وجعلوها لله خلقا اعْتِبَارا بِمَا سبق من الْإِضَافَة إِلَى الله جلّ ثَنَاؤُهُ مرّة وَإِلَى الْعباد ثَانِيًا وَالْمَذْكُور الْمُضَاف إِلَى الْعباد هُوَ الْمُضَاف إِلَى الله تَعَالَى لَا غير بِمَعْنى يُؤَدِّي إِلَى اخْتِلَاف الْجِهَة فِي الْعقل نَحْو الإضلال والإزاغة وَالْهِدَايَة والعصمة ثمَّ الإنعام والإمتنان ثمَّ الخذلان وَالْمدّ ثمَّ الزِّيَادَة من الْوَجْهَيْنِ ثمَّ الطَّبْع والتيسير ثمَّ التشرح والتضييق ومحال وجود هَذِه الْأَحْوَال على وجود مضادات مَا يُوصف بهَا وَإِضَافَة الإهتداء والضلالة والرشد والغي والإستقامة والزيغ إِلَى الْخلق وَكَانَ فِي وجود أحد الْوَجْهَيْنِ تَحْقِيق الآخر إِذْ لَا يُضَاف الَّذِي أضيف إِلَى الله مُطلقًا مَعَ إِضَافَة أضداد الْوَاقِع عَلَيْهِ مَعَانِيهَا ثَبت أَن حَقِيقَة ذَلِك الْفِعْل الَّذِي هُوَ للعباد من طَرِيق الْكسْب وَللَّه من طَرِيق الْخلق دَلِيل ذَلِك أَن فعل الله تَعَالَى فِي التَّحْقِيق خلقه وكل ذَلِك لَو أضيف إِلَيْهِ باسم الْخلق لم يفهم مِنْهُ فِي ذَلِك غير إنْشَاء وَفهم من الَّذِي مِنْهُم من العَبْد فعله وَكَسبه نَحْو أَن نقُول خلق الشَّرْح والضيق وَخلق الضلال والإهتداء وَنَحْو ذَلِك فَمثله الأول مَعَ مَا لَو جَازَ صرف أحد الْوَجْهَيْنِ عَن حَقِيقَة الْمَفْهُوم أَو الْأَسْبَاب أَو الْأَحْوَال فالآخر مثله وكل ذَلِك مجَاز لَا حَقِيقَة وَلذَلِك جَاءَ مُقَابلَة الْقَوْلَيْنِ من الجبرية والقدرية وَهَذَا معنى
[ ٢٢٨ ]
مَا روى من لعن المرجئة والقدرية إِن المرجئة أرجأت الْأَفْعَال إِلَى الله وَلم تجعلها للْعَبد والقدرية أثبتتها لله على مَا تنْسب الْخلق إِلَى الله تَعَالَى وَلم تجْعَل لله فِيهَا تدبيرا وَالْعدْل هُوَ القَوْل بتحقيق الْأَمريْنِ ليَكُون الله مَوْصُوفا بِمَا وصف بِهِ نَفسه مَحْمُودًا بِهِ كَمَا قَالَ ﴿خَالق كل شَيْء﴾ وَقَالَ ﴿فَهُوَ على كل شَيْء قدير﴾ وليكون عدلا مفصلا كَمَا قَالَ ﴿وَمَا رَبك بظلام للعبيد﴾ وقا ل ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته لاتبعتم الشَّيْطَان إِلَّا قَلِيلا﴾ ثمَّ الدَّلِيل على لُزُوم القَوْل بِهَذَا مَعَ مَا فِيمَا بَينا كِفَايَة وجود أَحْوَال فِي أَفعَال العَبْد لَا يبلغهَا أوهامهم وَلَا يقدرها عُقُولهمْ وأحوال فِيهَا يَنْتَهِي إِلَيْهَا قصدهم وتبلغها عُقُولهمْ فَثَبت أَنَّهَا من الْوَجْه الأول لَيست لَهُم وَمن الْوَجْه الثَّانِي لَهُم فَالْأول كتصوير خُرُوج الشَّيْء من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود وكأخذ الْفِعْل من قدر الجو وَالْمَكَان وَالْحَد الَّذِي لَو أحب أَن يعود إِلَيْهِ مَا أمكنه بِلَا فِيهِ وَالثَّانِي نَحْو التحرك والسكون بالمنهى والمأمور بِهِ ثَبت أَن فعلهم من الْوَجْه الأول لَيْسَ لَهُم وَمن الثَّانِي لَهُم وَلَو جَازَ تَحْقِيق فعلهم من الْوَجْه الأول على ظُهُور خُرُوجه من قصدهم وجملتهم مُخْتَلفَة مِمَّا ذكر وعجزهم عَن الْعود إِلَى مثله لجَاز كَون الْعَالم على مَا عَلَيْهِ بِمن لَا يقدر وَلَا يعلم وَلَا يعرف مقادير كل شَيْء وَيجوز أَيْضا آيَات على مَا هِيَ عَلَيْهِ بالبشر وَإِن لم يكن بِمِثْلِهَا علم وَلَا عَلَيْهَا قدرَة فَإذْ لَزِمَهُم القَوْل بالصانع وَالرسل بِخُرُوج الَّذِي ذكرت عَن وسع الْخلق فَمثله أَفعَال الْخلق وَلذَلِك قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ وَأوجب أَن تشابه الْخلق من الْوَجْه الَّذِي قلت تماثلا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٢٢٩ ]
وَأَيْضًا إِنَّا نجد أَفعَال الْعباد تخرج على حسن وقبح لَا يعلم أَهلهَا أَنَّهَا تبلغ فِي الْحسن ذَلِك وَلَا فِي الْقبْح بل هم عِنْدهم نفسهم فِي تحسينها وتزيينها وَهِي تخرج على غير ذَلِك بِأَن جعل أفعالهم على مَا هِيَ عَلَيْهِ لَيست لَهُم وَلَو جَازَ كَونهَا على ذَلِك لَهُم وهم لَا يعْرفُونَ مبلغ الْحسن والقبح فَإِذا لَا جهل يقبح الْفِعْل وَلَا علم يُحسنهُ فَثَبت أَن فعلهم من هَذَا الْوَجْه لَيْسَ لَهُم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يَقُولُوا هِيَ لأنفسها كَانَت كَذَلِك فَإِذا استقام حسن الْفِعْل وقبحه لأتمر لَهُ الْفِعْل نَفسه فَالله تَعَالَى بِهِ أَحَق من الشَّيْء من نَفسه إِذْ الشَّيْء بِحَيْثُ نَفسه جَاهِل بِمَا هُوَ عَلَيْهِ
مَعَ مَا لَو جَازَ كَون حسن وقبح بِلَا منشيء لَهُ لجَاز كَون كل شَيْء بِلَا منشيء وَفِي ذَلِك الْخُرُوج من الْإِسْلَام وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا إِنَّا نجد الْأَفْعَال مؤذية لأَهْلهَا ومتعبة ومؤلمة ومحال تأذى الطَّبْع بِلَا مؤذ وتعبه بِلَا مُتْعب وتألمه بِلَا مؤلم فَثَبت أَنَّهَا مؤلمة متعبة مؤذية إِن قصد أَرْبَابهَا إِلَى أَن يتلذذوا بهَا ويتمتعوا فَثَبت أَنَّهَا كَذَلِك لَا بهم ولاقوة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا القَوْل بالمتعارف فِي الْخلق أَن لَا خَالق غير الله وَلَا رب سواهُ وَلَو جعلنَا حدث الْأَفْعَال وخروجها من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود ثمَّ فناءها بعد الْوُجُود ثمَّ خُرُوجهَا على تَقْدِير من أَرْبَابهَا لجعلنا لَهَا وصف الْخلق الَّذِي بِهِ صَار الْخلق خلقا وَفِي ذَلِك لُزُوم القَوْل بخالق سواهُ وَفِي جَوَازه مناقضة قَول من ذكرت مَعَ مَا لَو جَازَ ذَلِك لجَاز القَوْل بِرَبّ فعله وَذَلِكَ مَدْفُوع وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَأَيْضًا إِن الْعباد إِذْ أفعالهم فِي الْحَقِيقَة حركات وَسُكُون فِي الظَّاهِر وَالله قَادر عَلَيْهَا لَوْلَا ذَلِك مَا أقدرهم عَلَيْهَا فَصَارَت هِيَ لأنفسها تَحت قدرته عَلَيْهَا
[ ٢٣٠ ]
فَإِذا أقدر العَبْد على ذَلِك ذهبت عَنهُ الْقُدْرَة فَإِذا قدرته زَالَت عَنهُ وَصَارَ قَادِرًا بقدرة تَزُول وَمن ذَلِك وَصفه فَهُوَ عبد لَا رب وَالله الْمُوفق مَعَ مَا كَانَت الْحَرَكَة والسكون ليسَا بمخالفين فِي رَأْي الْعين لما كَانَا عَلَيْهِ وَلَا سَبِيل للنَّاظِر إِلَى التَّفْرِيق بَينهمَا وَلَوْلَا حَقِيقَة الإشتباه لاحتمل التَّفْرِيق وَفِي تشابه الْفِعْل لُزُوم القَوْل فيهمَا بِمَا لَهُ وَجَبت التَّسْمِيَة فِي أَحدهمَا وَفِي ذَلِك تشابه لِأَن اسْتِوَاء الْأَفْعَال فِي الشَّاهِد يُوجب تشابه الفاعلين وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا إِن الَّذِي بِهِ عرف أهل التَّوْحِيد حدث الْأَعْيَان امتناعها عَن الْخُرُوج من التَّفْرِيق والإجتماع والتحرك والسكون فَإِذا لم يكن هَذِه الْأَحْوَال فِي الْحَقِيقَة خلقا من الله على يَدي من جرت عَلَيْهِ يَدَيْهِ لم نقدر أَن نثبت جسم وَعين يدْرك على مَا هُوَ عَلَيْهِ بِفعل الله إِذْ الْأَفْعَال الَّتِي ذكرنَا من الْأَسْمَاء يجوز تحقيقها لَا بِاللَّه وَإِن كُنَّا نبصر من بِهِ ذَلِك فَيصير دَلِيل حدث الْعَالم يقيمه غير الله إِذْ لَا سَبِيل لَهُ إِلَى إِظْهَار الَّذِي مِنْهُ من الْأَحْوَال الَّذِي ذكرنَا مِمَّا لَيست مِنْهُ وَلَوْلَا تِلْكَ الْأَحْوَال لم يعرف حدث الْعَالم فَيبْطل طَرِيق الْعلم بِهِ بِدَلِيل أَقَامَهُ هُوَ ثمَّ لما احْتمل جَمِيع الْأَحْوَال بِغَيْرِهِ لم يثبت بهَا أَنه صانع تِلْكَ والأجسام لَا تعاين إِلَّا بهَا فَيبْطل أَن يكون الله تَعَالَى جعل لوحدانيته دَلِيلا يعرف ولربوبيته شَاهدا يشْهد على هَذَا القَوْل وَبِاللَّهِ الْعِصْمَة والنجاة
وَأَيْضًا أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿مَا اتخذ الله من ولد وَمَا كَانَ مَعَه من إِلَه﴾ ثمَّ قَالَ ﴿إِذا لذهب كل إِلَه بِمَا خلق﴾ ثمَّ الله جلّ ثَنَاؤُهُ لم يخلق عرضا قطّ إِلَّا جعل عَلَيْهِ دَلِيلا يعلم أَنه خلق لما كَانَت الْأَعْرَاض لما ذكرنَا وَيجوز أَن يكون فِي خلقه خلق يجمع وَيفرق ويحرك ويسكن وَنحن لَا نرَاهُ كَمَا كَانَ
[ ٢٣١ ]
فيهم من لَا نرَاهُ بجوهره وَإِن كَانَ يرى وَتلك الْأَفْعَال لأنفسها لَا ترى إِنَّمَا ترى وَتعلم بِتَغَيُّر الْأَحْوَال على الْجَوْهَر فَإِذا كَانَت جَوَاهِر لَا ترى جَائِز مِنْهَا مثلهَا لم يَجْعَل لما خلق علما وَلَا ذهب بِهِ فَكيف نَاقض بِهِ قَول الْمُعْتَزلَة قَول الملحدة وهم شركاؤهم فِي هَذَا الْوَجْه فنسأل الله النجَاة من قَول هَذَا عقباه
على أَن الْقُدْرَة النَّاقِصَة هِيَ الَّتِي تكون لكل أحد من الْخلق وَلكُل قدرَة على مَا لَيْسَ لغيره فَإِذا لم يكن لله قدرَة على مَا لعَبْدِهِ فَإِذا قدرته نَحْو قدرَة كل مَنْقُوص جلّ الله عَن صفة الْمَخْلُوق وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَأَيْضًا أَنه لَو جَازَ خُرُوج شَيْء هُوَ تَحت الْقُدْرَة عَن أَن يكون لله عَلَيْهِ قدرَة بل لَيْسَ هُوَ شَيْئا وَاحِدًا بل لَعَلَّه أَكثر من جَمِيع الْخلق كَيفَ نؤمن بوعده ووعيده وَكَيف يطمئن السَّامع إِلَى مَا وعده من الْبَعْث أَن يكون وَمَا أخبر أَنه لَو شَاءَ لخلق مثل الَّذِي خلق وَهُوَ لايقدر على فعل بعوض فضلا عَن فعل هُوَ أقوى مِنْهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا أَن الله إِذْ هُوَ مَالك كل شَيْء وَملكه الْأَشْيَاء لَيْسَ بِمَا أوجب لَهُ فِيهِ الْملك لملك العَبْد بل هُوَ بِذَاتِهِ مَالك بِمَا هُوَ خَالق كل شَيْء فَأَما أَن يكون غير مَالك لفعل الْعباد وَلَا رب لَهَا فَيجب بِهِ أَن يكون للعباد ذَلِك فَيكون ربوبيته وَملكه ملكا نَاقِصا وَذَلِكَ لكل مَخْلُوق يملك أَشْيَاء بل هُوَ أَكثر لِأَنَّهُ يملك فعله وَفعل غَيره وَالله لَا يملك وَإِذا ثَبت لَهُ الْملك فِي كل شَيْء لزم القَوْل بخلقه إِذْ لَا يملكهُ العَبْد وَيملك الْأَشْيَاء بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا أَو تمْلِيك من لَهُ تِلْكَ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا إِن العَبْد يقدر بإقدار الله إِيَّاه فَلَا يجوز أَن يقدر بإقدار من لَيست لَهُ الْقُدْرَة عَلَيْهِ كَمَا لايجوز أَن يعلم بإعلام من لَا علم لَهُ بِهِ أَو لَا يرى أَنه
[ ٢٣٢ ]
إِذا لم يجز لأحد الْقُدْرَة على إقدار غَيره على شَيْء لم يقدر هُوَ عَلَيْهِ وَمن لَهُ علم يعلم بِهِ غَيره لم يجز أَن لَا يعلم هُوَ فَمثله الَّذِي بَينا وَإِذا ثبتَتْ قدرَة الله عَلَيْهِ وَمَا يقدر الله عَلَيْهِ فَهُوَ محَال وجوده بِغَيْرِهِ ثَبت أَنه خَالق ذَلِك
وَأَيْضًا إِن الْعَالم لَا يَخْلُو من الْأَعْرَاض والأجسام وكل أَنْوَاع الْأَعْرَاض أمكن فِي الْحَقِيقَة أَن تكون فعلا لغيره فَيكون الْعَالم لله ولخلقه من طَرِيق الْإِنْشَاء والوجود وَفِي ذَلِك بطلَان القَوْل بوحدانية صانع الْعَالم
وَلم يخْتَلف أهل الْإِسْلَام فِي إِطْلَاق القَوْل بِأَن صانع الْعَالم وَاحِد وَقَول من يبطل قَوْله عِنْد التَّحْصِيل هَذِه الْجُمْلَة الَّتِي شَارك فِيهَا الْجَمِيع مَرْدُود بِالْجُمْلَةِ على نَحْو قَول الله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ وَقَوله ﴿؟﴾ إِلَه كل شَيْء إِن قَول النَّاس فِي التَّحْصِيل يَجْعَل لَهُ شبها وعدلا فِي الْعباد منقوض بِتِلْكَ الْجُمْلَة وَإِن احتال فَمثله الأول بل الأول أَحَق لِأَنَّهُ طَرِيق الْعلم بالحرف الثَّانِي وَهُوَ أَن فِي تَحْقِيق الْعَالم تَحْقِيق الوحدانية للخالق وَبِه يسلم لَهُ القَوْل ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ وَأَنه الْوَاحِد لَا شريك لَهُ فَإِذا أثبت الْعَالم بشركاء لَهُ فِيهِ لم يكن هُوَ أَحَق بِأَن لَيْسَ كمثله شَيْء من أَن يكون لمثله أَشْيَاء أَو أَن يكون إِلَهًا لما أنشأه وَأخرجه من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود من غَيره فِي ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا أَنه لَو لم يكن خَالِقًا لأفعال الْخلق عَامَّة لما قدر على إِظْهَار حجَّته الَّتِي أظهرها على أَيدي رسله وَالتَّدْبِير الَّذِي جرى عَلَيْهِ من أَمر عالمه من أول مَا أنشأه خلقه إِلَى آخر مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ أمره منتقصا فَاسِدا لَوْلَا مساعدة خلقه
[ ٢٣٣ ]
لَهُ فِيمَا دبر من الْبَقَاء وَفِيمَا جعل من الْعَدَم فِيمَا أنشأ من النَّسْل إِن ذَلِك كُله مِمَّا ظهر بِأَفْعَال خلقه وَتمّ بِهِ وَلَيْسَ بِحَكِيم وَلَا قَادر من أَرَادَ أَن يظْهر حجَّة لَا يقدر عَلَيْهَا إِلَّا بالمعونة بِعلم غَيره وَفعله بل هُوَ جَاهِل عَاجز فَثَبت أَنَّهَا كلهَا ظَهرت بِمَا خلقهَا على يَدي من شَاءَ كَيفَ شَاءَ على مَا شَاءَ جلّ ثَنَاؤُهُ
وَأَيْضًا أَن الْقيَاس مِمَّا لَا يَخْلُو من أَن يكون مُسْتَعْملا فِيمَا نَحن فِيهِ أَو لَا فَإِن كَانَ لَا يسْتَعْمل بَطل مَذْهَب الْخُصُوم فِي معرفَة الصَّانِع لارْتِفَاع الْحَواس عَنهُ فَيجب مَعْرفَته بذلك وَهُوَ على الإستدلال بِالشَّاهِدِ بِمَ تجب جَمِيع الْمعَانِي الَّتِي هِيَ للْعَالم بأعراضه مَوْجُودَة فِي أَفعَال الْخلق فلئن لم يجب القَوْل بخلقها لم يجز معرفَة خلق الْبَتَّةَ إِلَّا بِالسَّمْعِ فَيجب بِهِ اسْتِعْمَال الْعُمُوم بقوله ﴿خَالق كل شَيْء﴾ إِذْ لَا سَبِيل إِلَى وجود خلق شَيْء باسم الخاصية لَهُ أَو يلْزم القَوْل بِالْقِيَاسِ من الْوَجْه الَّذِي ذكر ثمَّ لم يصر العَبْد بِفِعْلِهِ خَالِقًا ثَبت أَنه بِغَيْرِهِ مَعَ مَا إِذْ كَانَ سَبِيل معرفَة الْفَاعِل إِنَّمَا هُوَ بأثار الْفِعْل ثمَّ كَانَ الْإِيمَان من أحسن الْأَفْعَال فِي الْعُقُول وأنور الْأَشْيَاء وأتمها وأجلها قدرا وأبينها لمرضاته فَلَو قُلْنَا إِن الله غير خَالق لَهُ دخل علينا أَمْرَانِ فِي ذَلِك أَحدهمَا تَفْضِيل من يُطِيع الله بِالْإِيمَان وَغَيره على الله بِمَا خلق من الأقذار والأنتان والخبائث والقبائح من الْجَوَاهِر مَعَ مَا كَانَ مَا حسن من الْجَوَاهِر لَا يبلغ قدر الَّذِي ذكر من الْعِبَادَات فِي الْحسن وَالْخَيْر وَإِذا كَانَ كَذَلِك وَمَعْلُوم تفاضل الفاضلين بتفاضل أفعالهم أوجب ذَلِك فضل العَبْد على الله فِي الْفِعْل والخلق وَهَذَا بالمعتزلة أولى لأَنهم زَعَمُوا أَن فعل الْكفْر قَبِيح شَرّ من جَمِيع الْوُجُوه وَلَيْسَ كَذَلِك أَمر القردة والخنازير فَمثله فعل الْإِيمَان من جَمِيع جَوَاهِر الحسان وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٢٣٤ ]
وَالثَّانِي أَن ثَوَابه إِذْ حسنه حسى وَحسن الْإِيمَان عَقْلِي وَمَا حسن فِي الْحس دون الَّذِي يحسن فِي الْعقل إِذْ قد يجوز إنقلاب مثله على مَا مر بَيَانه وَلَا يجوز انقلاب الآخر وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَيقْتَصر الْجَزَاء على قدر المجرى وَالله وعد جَزَاء الْحَسَنَة بِعشْرَة أَمْثَالهَا ثَبت أَن خلق فعل الْإِيمَان حسنا لله وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَبعد فَإِن الله تَعَالَى ذمّ الَّذين قَالُوا وتحبون أَن يحْمَدُوا بِمَا لم يَفْعَلُوا ثمَّ ألزم عباده الشُّكْر لَهُ على الْإِيمَان وَالْحَمْد لله على الْأَنْعَام لم يجز أَن يكون غير خَالق لذَلِك فيستأدى الْحَمد على مَا لم يَفْعَله وَالشُّكْر على مَا لم يسد إِلَى أحد بِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا إِن معنى فعل الله هُوَ الإبداع والإخراج من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود وصيرت الْمُعْتَزلَة ذَلِك معنى فعل العَبْد ثمَّ جعلت للْعَبد قدرَة على الْكسْب وَلم تجْعَل لله فَصَارَ العَبْد بذلك أعظم فِي الْقُدْرَة إِذْ هِيَ تقع على مُخْتَلف الْأَمر من الله إِذْ قدرته ترجع إِلَى أحد الْوَجْهَيْنِ وَمِمَّا يبين أَن كل شَيْء فعله نوع جَعَلُوهُ طباعا وَمن كَانَ فعلين جَعَلُوهُ أخيارا عَن قدرَة فَيجب فِي الأول كَذَلِك وَذَلِكَ هُوَ الْحق عِنْد الْمُعْتَزلَة لأَنهم يجْعَلُونَ للْعَبد قدرَة على منع الرب عَن فعله فِيمَا ينفى عَنهُ الْحيرَة وَلَا يجْعَلُونَ مثله لله إِلَّا أَن يذهب عَنهُ قدرَة العَبْد وَإِذا ثَبت أَن فِي تَقِيّ خلق الْأَفْعَال تَحْقِيق ذَلِك وَذَلِكَ مِمَّا يأباه الْعقل والسمع جَمِيعًا ثَبت أَن الله خَالق الْأَفْعَال كلهَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الأَصْل أَن مَذْهَب الثنوية وَالْمَجُوس فِي صرف خلق الْعَالم إِلَى إثنين وَأَن يوافقوا أهل التَّوْحِيد على أَن الْإِلَه الْحَكِيم الْحق الَّذِي لم يجز وَلَا يجوز وَاحِد عليم قدير فَمن أربى عَلَيْهِم حَتَّى جعل خلق الْعَالم لمن لَا يُحْصى عَددهمْ وأبطلوا
[ ٢٣٥ ]
أَن يكون للإله الَّذِي قَالَ الْخلق بألوهيته قدرَة خلق أَكثر الْعَالم فهم أَحَق بالذم مِمَّن نزهوه عَن الشرور والقبائح وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَمِمَّا يَقُولُونَ فِي فعل الْعباد مِمَّا فِيهِ قبح الْإِضَافَة إِلَى الله تَعَالَى فِي خلق ذَلِك من أَن فِيهَا فواحش ومناكير وَنَحْو ذَلِك فِيهِ مثل ذَلِك للثنوية وَالْمَجُوس فِي الْجَوَاهِر أَن فِيهَا قبائح وخبائث وأقذار وأنتانا وَمَعَ مَا إِضَافَة تِلْكَ الْأَشْيَاء إِلَى الله فَلَيْسَتْ هِيَ عِنْد التَّفْسِير بِأَن الله تَعَالَى خلقهَا قبائح وفواحش من مرتكبيها مُخَالفَة للمحاسن والمصالح من أفعالهم بأقبح مِمَّن يَقُولُوا هُوَ رب الأقذار وإله الخزى والنكال وَملك الشَّيَاطِين والفجار ثمَّ لم يمْنَع القَوْل بتحقيق الربوبية لَهُ على كل شَيْء والإلهية وَإِن كَانَ على التَّفْسِير فِي الْإِضَافَة من الْوَجْه الَّذِي بَينا قَبِيح سمج فَمثله جَمِيع مَا عَلَيْهِ وصف أَفعَال الْخلق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ نذْكر مَا تعلق بِهِ هَذِه الْفرْقَة الَّتِي ظنت أَنهم فرسَان الْكَلَام وَأَنَّهُمْ المخصوصون فِي الْعلم بِهِ من بَين الْأَنَام ليعلموا بذلك جرأتهم فِي الدَّعْوَى وبعدهم عِنْد التَّحْصِيل عَن إحتمال اسْم عوام أَهله فضلا عَن مُجَاوزَة أخطاء حذاقهم ونظهر إِن شَاءَ الله تَعَالَى لمن تَأمل مَا ذكرت عدولهم عَمَّا توجبه حَقِيقَة النّظر ونبين مَا استتروا بِهِ من الْآيَات ليعلم أَنهم لَو دققوا على طرف مِنْهَا لنالوا خير الدَّاريْنِ فضلا من أَن يظفروا بحقيقتها وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه فاحتج من يأتى القَوْل بِهِ فِي خلق الْأَفْعَال أول شَيْء أَنهم أمروا بهَا ونهوا عَنْهَا وَذكروا الْآيَات فِي الْأَمر بهَا وَالنَّهْي وَلَو جعلناها خلقا لَهُ لَكَانَ يصير كَأَنَّهُ أَمر / نَفسه وَنهى عَن خلق ذَلِك
قَالَ الْفَقِيه ﵀ فَيُقَال لمن احْتج بِهِ أَتَقول أَمر العَبْد بِخلق الْإِيمَان وَنَحْوه وَنهى عَن خلق الْكفْر وَنَحْوه فَإِن قَالَ بلَى صرح بِأَن الله تَعَالَى أَمر
[ ٢٣٦ ]
النَّاس أَن يَكُونُوا خالقين وَقد أَبى الْمُسلمُونَ أَن يكون غَيره خَالِقًا وَلم يخْتَلف الْمُسلمُونَ فِي جَوَاز عبَادَة الْخَالِق مُطلقًا وَأَن الْخَالِق هُوَ الرب وَهُوَ الْإِلَه فَيجب بِهَذَا جعل كل عبد كَذَلِك وَذَلِكَ مِمَّا أَبَاهُ الْجَمِيع وَإِن قَالَ لَا قيل فَإذْ لم يُوجب الْأَمر بِالْفِعْلِ والنهى عَنهُ أمرا بالخلق ونهيا عَنهُ لم قلت إِنَّه لَو كَانَ الله خَالق ذَلِك يُوجب الْأَمر لَهُ والنهى عَنهُ وَلم يثبت من الْوَجْه الَّذِي فِيهِ الْأَمر والنهى أمرا بالخلق وَغَيره
ثمَّ يُقَال لَهُ حَدثنَا عَن الْإِيمَان وَالْكفْر هَل يخلوان من أَن يَكُونَا شَيْئَيْنِ عرضين وحركتين دَلِيلين على حدث الْفَاعِل وحجتين على حِكْمَة الرجل وسفهه ومظهري علمه وجهله لَا بُد من بلَى لما فيهمَا هَذِه الْوُجُوه كلهَا فَيُقَال هَل الْأَمر والنهى بِالْفِعْلِ مُوجبا الْأَمر والنهى بِهَذِهِ الْوُجُوه الَّتِي فِي فعله ذَلِك فَإِن قَالَ نعم أحَال لما فِي كفره دَلِيل سفهه وَهُوَ من حَيْثُ الدّلَالَة صدق ومحال النهى عَنهُ من ذَلِك الْوَجْه وَلِأَن كثيرا مِنْهُم لَا يعْرفُونَ تِلْكَ الصِّفَات لَهُ لم يجز الْأَمر لذَلِك من ذَلِك الْوَجْه وَلَا النهى فَلَا بُد من المساعدة لَهُم فِي ذَلِك فَيُقَال لَهُ مَا منع أَن يكون ذَلِك خلق وَلَيْسَ فِي ذَلِك أَمر لنَفسِهِ بالخلق وَلَا نهى ثمَّ استقام فِي الْعقل الْجِهَات الَّتِي بَينا مَعَ مَا أَوْصَاف الإضافات أَن ذَا أَصْغَر من ذَا وأكبر وأخير وأشر وأقبح وَأحسن من ذَلِك وَأعظم فِي الْحجَّة وأوضع وأضعف وَأقوى وَأَنه حدث وموجود وَغير ذَلِك مِمَّا يكثر وَصفه وَلَا يُوصف شَيْء من ذَلِك بِالشَّرِّ وَالْخَيْر من جَمِيع الْوُجُوه وَلَا بِالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَة فَجَائِز خلقهَا وَلَا يُوصف من ذَلِك الْوَجْه بِطَاعَة وَلَا مَعْصِيّة وَلَا خير وَلَا شَرّ وَلَا أَمر وَلَا نهى وَلَا شَيْء مِمَّا لَهُ الْفِعْل وَالله الْمُوفق
وعَلى مثل ذَلِك أَمر الْوَعيد والوعد إِنَّا حققنا الْفِعْل فَلَزِمَ فِيهِ الْأَمر والنهى فَمثله يلْزم الثَّوَاب وَالْعِقَاب ثمَّ الأَصْل فِي هَذَا أَن يكون القَوْل بِخلق الْأَفْعَال إِمَّا أَن يُنكر للإحالة أَو لما لَا دلَالَة على القَوْل بذلك أَو لما فِي القَوْل بِهِ فِي إِيجَاب الضَّرُورَة وإرتفاع الْإِمْكَان ويقبح فِي الْعُقُول الْأَمر والنهى والوعد والوعيد فِيمَا كَانَ هَذَا سَبيله فَمن أَبى القَوْل بِهِ للأحالة كلف دَلِيله على ذَلِك وَلنْ يجد إِلَّا على
[ ٢٣٧ ]
التَّقْدِير بِفعل الْعباد أَن لَا يكون فعل وَاحِد فِي الْحَقِيقَة لَا اثْنَيْنِ أَو يظنّ أَن القَوْل يُوجب الشّركَة فجواب الْحَرْف الأول فِي تَقْسِيم القَوْل لما اخْتلف فِيهِ فعندنا أَن فعل الله تَعَالَى فِي الْحَقِيقَة غير فعل العَبْد وَفعل العَبْد مَفْعُوله لَا فعله وَوُجُود مثله فِي الشَّاهِد غير عسير نَحْو مد اثْنَيْنِ شَيْئا يَنْقَطِع وَإِزَالَة اثْنَيْنِ شَيْئا عَن مَكَان وقبلهما وَاحِد يصير بِهِ شُرَكَاء فِيهَا إِنَّه مفعولهما فِي الْحَقِيقَة وَكَذَلِكَ المزال والمنقطع وَكَذَلِكَ الْحمل فِيهِ جُزْء لَا يتجزى حمله اثْنَان قواهما وَاحِد أَن حَقِيقَة فعلهمَا وَإِن اخْتلف فالمفعول وَاحِد لَهما فَمثله الَّذِي نَحن فِيهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
على أَنه لَا يجوز أَن يملك أحد بقوته آخر على فعله وَلَا خلق فعل نَفسه وَلَا أحد يقدر أَن يفعل فعلا فِي غير حيزه وَغير حَال فِي نَفسه فَمن تَقْدِير فعل الله بالموجود من فعل الْخلق جهل وَشبهه من جِهَة الْقُدْرَة وَقيام الْفِعْل بالخلق جلّ الله عَن ذَلِك وَتَعَالَى
وَالْقَوْل الآخر قَول من يَقُول إِن خلق الشَّيْء هُوَ ذَلِك فقد بَينا اخْتِلَاف الْجِهَات فِي ذَلِك فَجَائِز القَوْل بالخلق من جِهَة هِيَ غير جِهَة القَوْل بالْكفْر على مَا بَينا من الشيئية وَقد زعم الْمُعْتَزلَة فِي حَرَكَة المفلوج أَنَّهَا لله خلقا وَلِلْعَبْدِ حَرَكَة وَهِي شَيْء لنَفسهَا إِذْ الشيئية عِنْدهم فِي الْمَعْدُوم وَهِي دلَالَة حدث الْجِسْم وَفِي الْكفْر حجَّة الله على العَبْد فِي التعذيب وَدلَالَة سفهه فِي التَّحْقِيق على أَنا بَينا أَنه يحِيل من حَيْثُ لَا يكون مثل ذَلِك فِي الْخلق وَقد أوضحنا الْفَصْل بَين الْأَمريْنِ وَأَن من قَاس أحد الْوَجْهَيْنِ بِالْآخرِ فَهُوَ مُغفل على أَن الْمُعْتَزلَة إِذْ لَا يجْعَلُونَ من الله إِلَى الْخلق سوى أَنه أوجدهم بعد أَن لم يَكُونُوا وَلَا ذَلِك معنى فعل الْعباد إِنَّمَا هُوَ معالجات وعناء وَجهد وَالْمَوْجُود فِيمَا نَحن فِيهِ مَعَ الْمَعْنى الَّذِي من الْعباد واقعان جَمِيعًا فَلَا وَجه لإنكاره ثمَّ يُقَال فِيمَا لَا يكون مثله فِي الْعباد مَا يُوجب إحالته أَرَأَيْت لَو عارضك إخوانك فَقَالُوا تجْعَل للَّذي ذكرته أصلا ثمَّ كَون الْجَوَاهِر بالخلق محَال ثَبت قدمهَا بِهِ وَكَون فعل لَا ينفع فَاعله وَلَا يدْفع عَنهُ الضَّرَر لَيْسَ بحكمة فَدلَّ أَن الَّذِي صنع الْعَالم انْتفع بِهِ وَقَالَ
[ ٢٣٨ ]
كَون شَيْء لَا من شَيْء خَارج عَن إحتمال الْخلق فَمثله أَمر الْوَاحِد الَّذِي بِهِ كَانَ الْعَالم وَإِذا كَانَ دَعْوَى الإحالة توجب قَول الزَّنَادِقَة والدهرية فِي قدم الْعَالم أظهر ذَلِك صدق من قَالَ الإعتزال طرف من الزندقة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأما الدّلَالَة فقد أوضحنا لمن عقل لَو أنصف مَعَ مَا فِي جملَة مَا أدّى الْمُسلمُونَ أَن الله خَالق وَمَا سواهُ مَخْلُوق وَأَنه قَادر على كل شَيْء وَهُوَ رب كل شَيْء وألهه من غير اضْطِرَاب فِي ذَلِك أَو ميل قلب إِلَى خُصُوص فِي ذَلِك دَلِيل كَاف وَسَنذكر أَيْضا بعض مَا فِي ذَلِك وَأما القَوْل بِإِيجَاب الضَّرُورَة فَإِنَّهُ محَال فَاسد لإنه حسي أَن يعلم كل أَنه مُخْتَار وَلَو جَازَ القَوْل مِمَّا يُعلمهُ كل على جِهَة قلبه لجَاز ذَلِك فِي جَمِيع الْعَالم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه فَإِن قلت إِذْ لم توجب الضَّرُورَة دلّ أَنه لَا تَدْبِير فِيهِ لغيرك قيل قد فَرغْنَا عَن دلَالَة ذَلِك مَعَ مَا يجوز أَن يُقَال هُوَ من طَرِيق الْخلق اضطرار وَلَا صنع للْعَبد من ذَلِك الْوَجْه إِذْ لَا يُسمى بِهِ وَمن طَرِيق الْكسْب اخْتِيَار فعلى ذَلِك تَقْسِيم الْأَمريْنِ وَقد بَينا أَلا ترى أَن قَول الْكفْر كذب وَهُوَ من حَيْثُ الدّلَالَة على سفه الْقَائِل صدق فَمثله يكون اخْتِيَارا من حَيْثُ الْكسْب وَمن حَيْثُ الْخلق لَا وجهة الْخلق لَا تدفع عَنهُ الإختيار بِمَا ثَبت فَسَوَاء لَو كَانَ خلق ذَلِك الْفِعْل أَو خلق السَّمَاء وَالْأَرْض إِذْ لَيْسَ فِي وَاحِد صرف فعل الْخلق عَن الْخلق وَلَا إِزَالَة الإختيار عَنْهُم فَمثله خلق الْأَفْعَال ولاقوة إِلَّا بِاللَّه على أَن تَسْمِيَة الْخلق لَا يُوجب وصف الإضطرار إِذْ الْقُدْرَة للْفِعْل مخلوقة وَهِي سَبَب جعله مُخْتَارًا لَا مُضْطَرّا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقد قَالَ الكعبي إِن كل مُخْتَار فِي فعله مُضْطَرّا فِي تألمه بِهِ وتأذيه بِهِ فألزمه الْأَمريْنِ فِي الشَّيْء الْوَاحِد وَكَذَلِكَ زعم أَن قد يجوز أَن يعرف الْفِعْل من لَا يعرفهُ كفرا وإيمانا أَو شَيْئا عرضا وحركة وسكونا وَهُوَ ذَلِك بِعَيْنِه وَلم يجز فِي الْجُمْلَة أَن يُقَال الَّذِي يجهله هُوَ الَّذِي يُعلمهُ وَالَّذِي هُوَ مُضْطَرّا فِيهِ
[ ٢٣٩ ]
هُوَ الَّذِي هُوَ مُخْتَار فِيهِ حَتَّى يذكر مَعَه الْجِهَات فَمثله فِي الْخلق والتعذيب وَغير ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَاحْتج بالوعد والوعيد بذلك وَإِذ ثَبت الْأَمر والنهى وَبَان إغفاله فِي تَقْدِيره وَظهر تمويهه فَكَذَلِك شَأْن الْوَعْد والوعيد وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ زعم الكعبي أَنه محَال أَن يكون ذَلِك فِي الْحَقِيقَة فعلا لي خلقا لله
قَالَ الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَهَذَا لجهله للمحال وَقد بَينا بعض ذَلِك ثمَّ زعم أَن ذَا يُوجب الشّركَة المعقولة إِذْ محَال إنفراد كل بِجُزْء وَإِن وَإِن كَانَ لَا يتجزى ثمَّ عَارض نَفسه بقول الْخصم أَن ذَلِك يُوجب فِيمَا كَانَت الْجِهَة وَاحِدَة فَأَما فِيمَا اخْتلفت فَلَا يُعَارض بِملك ورث بعضه وَاشْترى بعضه ثمَّ عورض بِملك لي ولعَبْد لي فأطنب فِي جَوَاب ذَلِك
وَنحن نقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق من تَأمل الَّذِي ذكر وَله أدنى فهم وَلَا يكابر عقله علم سفهه وَإِن شَاءَ اسْتدلَّ بِالَّذِي قدم من الْمِيرَاث ليعلم جَهله بِالشّركَةِ الْحَاضِرَة فَيكون ذَلِك عذرا فِي الْجَهْل بِمَا كَانَ طَرِيقه الإستدلال إِذْ خفى عَلَيْهِ حق العيان لَكِن هَذَا سُؤال لم يزل الْمُعْتَزلَة تظن أَن ذَلِك يُوجب ذَلِك وَإِن كَانُوا لَا يسْتَحقُّونَ الْجَواب فِي ذَلِك فَإنَّا ننزع بِهِ عَلَيْهِم فَإِنَّهُم قصدُوا بالْقَوْل قَول من يَقُول خلق الشَّيْء هُوَ ذَلِك وَلَا يُوجد شَيْء وَاحِد لاثْنَيْنِ فِي الشَّاهِد لكل كُله وَلِهَذَا الْوَجْه أنكر أَن يكون فعل وَاحِد لاثْنَيْنِ فَإِذا لم يُوجد لَهُ مِثَال يعلم أَنه يُوجب الإشتراك أَو لَا فَقَوْلهم يُوجب ظن وخيال ثمَّ الأَصْل أَن الْفِعْل نَفسه يجعلونه لله ملكا وَكَذَلِكَ للْعَبد وَكَذَلِكَ كل ملك لأحد فَهُوَ لله ملك وَلِلْعَبْدِ كَذَلِك وَلم يُوجب ذَلِك شركا بَينهمَا فِي ملك الْأَفْعَال والأعيان فَكيف فِيمَا نَحن فِيهِ شُرَكَاء ثمَّ يُضَاف إِلَى الله الْإِطْعَام وَالْكِسْوَة والرزق وَذَلِكَ بِعَيْنِه يُضَاف إِلَى الْخلق وَلَا يُوجب شركا فَمثله الَّذِي نَحن فِيهِ مَعَ مَا بَينا جِهَات الْفِعْل بِمَ لم يقل الْفِعْل نَفسه من تِلْكَ الْجِهَات مُشْتَرك إِذْ كل جِهَة تحيط بِالْكُلِّ
[ ٢٤٠ ]
وَكَذَلِكَ من يعلم الْفِعْل من وَجهه ويجهله من وَجه لم نقل أشرك جَهله علمه فَمَا بالهم يَزْعمُونَ أَن ذَا شركَة معقولة بل لَو كَانَ ثمَّة عقل لَكَانَ يكون ذَا كذبا معقولا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وكل هَذِه الْوُجُوه على قَول من يَقُول بِخلق الشَّيْء غَيره يعلم أَيْضا إِفْسَاد دَعْوَى الْمُعْتَزلَة ثمَّ يُقَال لَهُ قد يُقَال فِي الشّرك فِي قَرْيَة على تفرق الْأَمْلَاك وَفِي التِّجَارَة على تفرق الْمُعَامَلَات فَقل بَين الله وَبَين الْخلق شرك فِي الْعَالم ثمَّ فِي الْأَفْعَال بِمَا كَانَ مِنْهُ أَمر وإقدار وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
واحتجاجهم بِالتَّسْمِيَةِ من الْمُطِيع والخاضع وَنَحْو ذَلِك وَقد بَينا اخْتِلَاف الْجِهَة على الْقَوْلَيْنِ وَالْفِعْل على الآخر وَإِنَّمَا سمى كل بِالَّذِي لَهُ على مَا بَينا من الْجِهَات على أَنهم جَعَلُوهُ خَالِقًا للحركات ولفساد الْأَشْيَاء غير مُسَمّى بِهِ لِأَنَّهُ خلق فَمثله الْأَفْعَال وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ عَارض فعلا وَاحِدًا لفاعلين بقول وَاحِد وَخبر وَاحِد
قَالَ الشَّيْخ ﵀ يجوزان فِي الشَّاهِد قد يُقَال هَذَا قَول جمَاعَة وَخبر الْمُتَوَاتر وَهُوَ قَول فلَان وَفُلَان وَخبر فلَان وَفُلَان فلئن كَانَ ذَا أَصله فَيجب بِهِ جَوَاز الآخر إِذْ بِهِ يلْزم الآخر وَلَو كَانَ مَا يجوز فِي الشَّاهِد هُوَ دَلِيل الْغَائِب ليجب التَّفْرِيق بَين الْفِعْل وَالْقَوْل فِي الْغَائِب كَمَا وَجب فِي الشَّاهِد وَهَذَا يبين وهمه ثمَّ جَائِز القَوْل بِأَن الله خَالق كل شَيْء وَهُوَ خَالق وَمَا سواهُ مَخْلُوق وَلَا يجوز أَن يُقَال هُوَ قَائِل كل قَول وَلَا مخبر كل خبر وَلَا هُوَ مخبر وَقَائِل وَمَا سواهُ خبر وَقَول فَدلَّ أَن أَحدهمَا لَيْسَ بنظير الآخر مَعَ مَا يجوز عِنْدهم فعل كل وَاحِد بقدرة هِيَ فعل لله تَعَالَى ثمَّ لم يجز فِي قَول كل أحد وَخَبره أَنه بقدرة هُوَ قَول لله تَعَالَى وَخبر وَيُقَال لَهُ إِذا لم يسم هُوَ متحركا بِمَا حرك غَيره فَقل أَيْضا إِنَّه لَا يُسمى خَالِقًا بِمَا خلق حَرَكَة غَيره أَو إِذْ فصل بَينهمَا بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوص أَو بِمَا شِئْت فافصل بَينهمَا على أَن الْمَعْنى الَّذِي بِهِ سمى خَالِقًا يُوجد فِي فعل كل شَيْء وَالْمعْنَى الَّذِي بِهِ سمى قَائِلا لم يُوجد لذَلِك اخْتلفَا وَالله أعلم
[ ٢٤١ ]
وَأَيْضًا أَن القَوْل الْخَالِق يخرج مخرج التَّعْظِيم فَكل مَا هُوَ أَعم فَهُوَ أبلغ وبقائل لَا لذَلِك اخْتلفَا
فَنَذْكُر مَعَاني إِنْكَاره أَيْضا ثمَّ الأَصْل أَن إِنْكَار الْمُعْتَزلَة هَذَا بِمَا لم يَجدوا فعل أحد يُخرجهُ غَيره من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود وَهُوَ الأَصْل الَّذِي لَهُ أنكر من أنكر خلق الْأَعْيَان بإمتناعه فِي الشَّاهِد عَن الْوُجُود فِي الْحَقِيقَة بِفعل أحد بل لَا يُوجد فِيهِ غير جمع وتفريق فَأَبَوا أَن يكون خلق أَعْيَان الْأَشْيَاء بذلك وبمثله أنْكرت الْمُعْتَزلَة خلق الْأَفْعَال فَلذَلِك نسبهم الْأَوَائِل إِلَى ذَلِك مَعَ مَا قَوْلهم فِي التَّحْقِيق ذَلِك لأَنهم حققوا الْأَشْيَاء فِي الْقدَم وَجعلُوا من الله إيجادها لَا إِحْدَاث شيئيتها وَكَانَت الشيئية لَا بِهِ فَيكون الْعَالم عِنْدهم فِي التَّحْقِيق حَدثا عَن أَشْيَاء لَا أَنه أحدث عَن غير شَيْء ثمَّ ذكرُوا فِي الْكفْر وَالْإِيمَان أَنَّهُمَا شَيْئَانِ كَانَ من الْفَاعِل إيجادهما لَا جَعلهمَا شَيْئَيْنِ فصارا من حَيْثُ الشيئية لَيْسَ للْعَبد ثمَّ لَا يُنكر ذَلِك فَمَا يُنكر أَن يكون من حَيْثُ الشيئية خلقا وَلَا يدْفع ذَلِك وَلم يُوجب بذلك أَنه عذب لَا لشَيْء وَلَا أَنه عذب للشيئية وَلَا أُحِيل التعذيب إِذْ سَقَطت عَنهُ الشيئية وَلَا أوجب الشّرك بَين الْفَاعِل والشيئية فِي الْعقل وَفِي الْوُجُود وَلَا أطلق القَوْل بِأَنَّهُ لإثنين إِذْ هُوَ بكليته فِي أَنه شَيْء لَيْسَ لَهُ وَفِي أَنه إِيمَان وَكفر لَهُ وَكَذَا هَذَا التَّقْرِير فِي حَرَكَة المفلوج وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ قَالَ الكعبي مَا جعل فَاعل الْمعْصِيَة أَحَق بالذنب من خَالِقهَا
قيل لَهُ وَمَا جعل جِهَة الْمعْصِيَة أَحَق بالذم من جِهَة الشيئية وَالْحَرَكَة والحدثية والعرضية وَأَنه خلاف للْعَبد وَللَّه وَغير لَهما وَأَنه حجَّة الله وَدَلِيل سفه الْكَافِر فَإِن الذَّم لشَيْء من ذَلِك لزمَه الذَّم بِكُل مُسَمّى بِهِ فَيجب الذَّم على فعل الْإِيمَان وكل حسن وَإِن لم يجب ثَبت لذَلِك جِهَات يصرف إِلَى كل مَا يَلِيق بِهِ ثمَّ الَّذِي من الله تَعَالَى حِكْمَة من حَيْثُ جعله فِي الْحَقِيقَة قبيحا وسفها وجورا
[ ٢٤٢ ]
ومذموما وَهُوَ من هَذَا الْوَجْه حق وَحِكْمَة وَالْفِعْل من حَيْثُ العَبْد سفه وجور وَمن ذَلِك الْوَجْه قَبِيح ومعصية أَلا ترى أَن من عرف فعل الْكَافِر على مَا هُوَ عِنْده كَانَ جَاهِلا وَمن أخبر بِهِ كَانَ كَاذِبًا وَمن عرفه على مَا عَلَيْهِ حَقِيقَته كَانَ عَالما حكيما وَلَو أخبر بِهِ كَانَ صَادِقا فعلى ذَلِك خلق الله ذَلِك وَجعله على مَا هُوَ عَلَيْهِ وَفعل العَبْد لَا وعَلى قَول من يَجْعَل خلق الشَّيْء غَيره لَا معنى لَهُ لِأَن فعل الله فِي الْحَقِيقَة لَيْسَ بِكفْر وَلَا جور وَلَا سفه وَلَا الَّذِي كَانَ من العَبْد من خضوع وذلة وَطَاعَة ومعصية وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ يُعَارض تَسْمِيَة غير الَّذِي خلق الْمَوْت وأحوال الْخلق أَحَق من الَّذِي خلق وَهُوَ بِالْجُمْلَةِ مُسَمّى أَنه خَالق ذَلِك فمهما قَالَ فِي ذَلِك فَهُوَ جَوَاب لَهُ فِي الأول وَالْأَصْل أَنه ثَبت للْعَبد فعل فِي الْحَقِيقَة وَأَنه لَهُ محتار وَأَنه آثر الْأَشْيَاء عِنْده وأحبها وَأَن خلق ذَلِك لم يَدْفَعهُ إِلَيْهِ وَلم يحملهُ وَلم يضطره إِلَيْهِ فوجود ذَلِك وَوُجُود علمه بِهِ وَخَبره عَنهُ وإثباته فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَإِيجَاب معاداته لوقت فعله وتسميته بِمَا سمى إِذْ لم يضطره إِلَى فعله وَلَا حمله عَلَيْهِ حسن مَعَه الْأَمر والنهى والتعذيب والإثابة وَمن أنكر بِهَذَا خلقه فتعلقه بِهَذَا النَّوْع خيال وَحقه أَن ينظر فِي الْوَجْه الَّذِي بِهِ يعرف خلق الْأَشْيَاء فَإِن أمكن تَحْقِيقه فالإنكار بِهَذَا النَّوْع إِنَّمَا هُوَ جهل بالحكمة وعَلى ذَلِك كَانَ أول مَا جبل عَلَيْهِ فَيعلم إِن خضع للمكرم بِهِ إِن شَاءَ الله وَإِن لم يُمكن تسْقط الْمَسْأَلَة ويفضل الَّذِي عَارض بِهِ كُله وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ ذكر أسئلة من ذَلِك قَوْله خَالق كل شَيْء وأعمال الْعباد أَشْيَاء فَزعم أَن ذَا امتداح وَلَيْسَ ذَلِك فِي شتم نَفسه وَلَا فِي الْكفْر بِهِ وَلَا فِي فعل الْأَنْبِيَاء وَالثَّانِي أَنه عَابَ الْكفْر وعذب عَلَيْهِ وَلَا يجوز ذَلِك على مَا يَفْعَله وَقَالَ خصصنا أَيْضا بِمَا تلونا من الْآيَات وَدَلِيل مَا لم يدْخل فِي ذَلِك وَهُوَ شَيْء مَعَ وجود آيَات ذَلِك مخرجها وَهن خَاصَّة
[ ٢٤٣ ]
وَبعد فَإِن القبائح لم تذكر فِي هَذَا على رَسُول الله وَإِنَّمَا ذكر فِي الْجَوَاهِر المورثة وَقَالَ بل قَول الْمَجُوس إِن الله أَرَادَ شَيْئا مِمَّا هِيَ مُحرمَة فِي الْإِسْلَام وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ الْقَدَرِيَّة مجوس هَذِه الْأمة
قَالَ الشَّيْخ ﵀ نقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِذْ ثَبت أَن الْآيَة بِحَق الإمتداح كَانَ فِي خُرُوج شَيْء من الكائنات امتداح بِغَيْر الَّذِي لَهُ أَو بِمَا يُشَارِكهُ فِيهِ كل ضَعِيف لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ كُلية الاشياء وَلم يكن خلقهَا فامتدح بِغَيْر الَّذِي لَهُ وَذَلِكَ كذب وَفِي إِخْرَاج الْبَعْض مُسَاوَاة غَيره فِي أَنه صانع كل شَيْء يُرِيد مَا لَا صنع لغيره فِيهِ وَذَلِكَ فَاسد مَعَ مَا لَو جَازَ ذَلِك على الصّرْف إِلَى غير الَّذِي لغير فعل ليجوز أَن يُقَال لَيْسَ بخالق شَيْء على أَنه لَيْسَ بخالق مَا هُوَ فعل لغيره فَإِذا كَانَ وَصفا لَهُ بالذم والعبودة ثَبت أَن الأول وصف لَهُ بالمدح والربوبية وَفِي التَّخْصِيص إِيجَاب الأول وَأَيْضًا أَنه قَالَ هُوَ رب كل شَيْء وإله كل شَيْء وَهُوَ على كل شَيْء وَكيل وَلم يجز إِخْرَاج شَيْء عَن ذَلِك وَإِن كَانَ لَا يَلِيق القَوْل بِهِ على التَّخْصِيص لقبح نَحْو أَن يُقَال رب الخبائب وإله القبائح ووكيل الشَّيَاطِين وإبليس وقائم على كل نَتن وقذر فَمثله الأول وَإِن كَانَ يقبح على التَّخْصِيص فِي أَشْيَاء من حَيْثُ التَّسْمِيَة وَبِهَذَا الْوَجْه الَّذِي قَالَ شهِدت الْمَجُوس والزنادقة أَن الله تَعَالَى لم يخلق مُؤْذِيًا وَلَا فَسَادًا وَلَا أمات وليا وَلَا قوى عدوا وَلَا أبقى الشَّيَاطِين وَلَا أعْطى من يعلم أَنه يشتمه ويصد عَن طَاعَته أحدا لقُوَّة ذكرنَا ذَلِك ليعلموا أَن أصل الإعتزال مُقَدّر عَن ذَلِك إِذْ إِلَيْهِ فزعهم عِنْد مخالفتهم الْمَفْهُوم من الْقُرْآن وَمِمَّا جرى عَلَيْهِ قَول الْإِسْلَام وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﵇ الْقَدَرِيَّة مجوس هَذِه الْأمة وَلَو جَازَ خُرُوج شَيْء من أَن يكون هُوَ لَهُ خَالِقًا لجَاز مثله عَن الْملك والربوبية وَنَحْو ذَلِك من أَسمَاء الإمتداح فَيبْطل أَن يكون لَهُ مدح بِشَيْء لما فِي كل شَيْء لَهُ شُرَكَاء فِي حَقِيقَة مَعْنَاهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٢٤٤ ]
وَقَوله لم يدْخل هُوَ فِيهِ عَجِيب مَتى يذكر هُوَ فِي اسْم الْأَشْيَاء بِالْإِطْلَاقِ وَلَو جَازَ ذَا لجَاز أَن يذكر فِي ذكر الْعلمَاء وَذكر الفاعلين وَذكر الوكلاء والأرباب والملوك وَذَلِكَ كَلَام من لَا يعقل مَا يَقُول
وَبعد فَلَو كَانَ يذكر وَإِن كَانَ مُمْتَنعا ذَلِك فِي الْعقل الشَّيْء لم يجز خُرُوج غَيره بِخُرُوجِهِ لوجوه أَحدهَا قَوْله وَهُوَ على كل شَيْء وَكيل وَهُوَ رب كل شَيْء وإله كل شَيْء لم يجز خُرُوج شَيْء من ذَلِك وتخصيصه فِي الْخلق ليبطل معرفَة المُرَاد من حَيْثُ لم يدْخل هُوَ فِيهِ وَالثَّانِي أَنه امتداح وَفِي دُخُوله سُقُوطه إِذْ هُوَ إمتداح بِمَا صير كل شَيْء تَحت الْقُدْرَة وحقق فِي كل العبودة وَتَحْقِيق ذَلِك فِيهِ إبِْطَال ذَلِك وَالله الْمُوفق وَالثَّالِث أَن القَوْل الْمَعْرُوف بِالْفِعْلِ إِلَى آخر والربوبية وَنَحْو ذَلِك رَاجع إِلَى وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَكَأَنَّهُ قَالَ سواي وَلم يكن بِمثلِهِ التَّخْصِيص فَمثله الأول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَمَا ذكر من الْآيَات فقد بَينا فَسَاد الْخُصُوص فِي هَذَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَمَا ذكر من الْآيَات فقد بَينا وهمه فِيهَا وحصوله على الدَّعْوَى كَهُوَ فِي هَذَا وَمَا ذكر من أَنه شتم نَفسه وَكفر بِهِ وَنَحْو هَذَا فَهُوَ الَّذِي لم يزل يعود نَفسه من الذب على خصومه وَلَيْسَ أحد مِنْهُم يَقُول ذَلِك بل لَو خلق شتم نَفسه يكون مشتوما فِي الْحَقِيقَة مذموما بل خلق فعل الشتم من الْكَافِر كذبا وجورا وسفها وَفِي ذَلِك دفع كَونه مشتوما مذموما فِي الْحَقِيقَة أَلا ترى أَن من عرف فعل الشتم لذَلِك كَانَ يكون عَالما حكيما وَمن أخبرهُ عَنهُ كَذَلِك يكون صَادِقا وَمن عرفه على مَا عَلَيْهِ عِنْد الْكَافِر كَانَ جَاهِلا سَفِيها وبالخبر بِهِ كَذَلِك يكون كَاذِبًا فَمثله الَّذِي ذكر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَجُمْلَته أَن فعله من حَيْثُ كَانَ عرضا أَو شَيْئا أَو دَلِيلا على سفهه أَو حَرَكَة وَنَحْو ذَلِك لَا يُوصف بشتم وَلَا قبح فَمثله من وَجه خلقه إِيَّاه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٢٤٥ ]
وَمَا قَالَ من قبل الْأَنْبِيَاء فَهُوَ فِيمَا أنابهم مَوْجُود وَفِيمَا أبقى أعداءهم قَائِم ثمَّ لم يخرج ذَلِك من الْحِكْمَة بل اسْتدلَّ إخوانه أَن الَّذِي يفعل هَذَا غير حَكِيم فَمَا الَّذِي يُجِيبهُمْ فَهُوَ فِي الأول جَوَاب وَقَوله لم يكن فِي عهد رَسُول الله كَذَا فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يجوز وُرُود الْبَيَان فِي الشَّيْء قبل وُقُوعه وَأَن الْبَيَان لَا يرد فِيمَا لم يسْبق فِيهِ التَّنَازُع وَذَلِكَ يدْفع جَمِيع آيَات الْقُرْآن وَمَا عَلَيْهِ الْأَمر الْمُعْتَاد
وَبعد فَإِن الْآيَة لَو نزلت فيهم لنزلت فِي دمهم وَوصف فِيمَا نفوا عَن الله من الْوَجْه الَّذِي نفى أهل الإعتزال فَذَلِك لَازم لَهُم مَعَ أَن الْآيَة لَا يعْمل بهَا الْمُعْتَزلَة من ذَلِك الْوَجْه الَّذِي فِي أصل دينهم جَوَاز إِضَافَة حَقِيقَة ذَلِك إِلَى الله فَكيف يجْتَمع على مُنكر مثله مِمَّن يزْعم أَن ذَلِك فِي الْعقل مَدْفُوع وَطَرِيقَة السّمع ومحال الإحتجاج بِالسَّمْعِ على إِمْكَانه فِي الْعقل ثَبت أَن حَقِيقَة ذَلِك فِي أَفعَال الْخلق وَبِه يكون امتداح فِي الْحَقِيقَة من وُجُوه أَحدهَا فِي جعل كل شَيْء بِحَيْثُ الْقُدْرَة تَحت قدرَة الله ليظْهر حَاجَة الْخلق جملَة إِلَى الله تَعَالَى فِي كَون كل شَيْء لَهُم بِهِ وَالثَّانِي أَن الْوَصْف بِالْقُدْرَةِ على مَا لَا فعل لغيره لَيْسَ بعجيب بل يسْتَحقّهُ كل ضَعِيف مهان ثَبت أَن الإمتداح يكون من هَذَا الْوَجْه وَالثَّالِث فِيهِ بَيَان سفه من يفهم أَن خلق كل شَيْء على مَا عَلَيْهِ يُوجب وصف الرب أَو تَحْقِيق الْفِعْل من الْوَجْه الَّذِي يكون من الْعباد مِنْهُ وَالرَّابِع ليعلم أَن الله يتعالى عَن أَن يلْحقهُ ذمّ فِي فعل أَو مدح من حَيْثُ ذَلِك الْمَفْعُول بِحَال وَذَلِكَ بِبَعْض الإعتزال إِذْ جعلُوا لَهُ هَذَا الإمتداح بخلقه وَمَا يكون كَذَلِك فَهُوَ شرف الدَّوَام وَخَوف الإنقطاع جلّ رَبنَا عَن ذَلِك
وَمَا ذكر فِي الْمَجُوس فهم قَالُوا ذَلِك لإنكار خلق الله الشرور ونسبتهم كل خير إِلَى الله خلقا وَإِرَادَة وَذَلِكَ رأى الْمُعْتَزلَة فِي تَخْصِيص هَذِه الْآيَة لِيخْرجُوا
[ ٢٤٦ ]
بذلك الشرور عَن خلقه فَهَذَا وَجه تَشْبِيه رَسُول الله إيَّاهُم بالمجوس وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ كَانَ قَول الْمَجُوس خيرا من قَول الْقَدَرِيَّة عِنْد التَّحْصِيل لأَنهم نزهوا الله ﷿ عَن قَول الشَّرّ وَمَا يذم الْفَاعِل عَلَيْهِ وحققوا لَهُ فعل الْخَيْر وَمَا يحمد عَلَيْهِ ثمَّ الْقَدَرِيَّة بِالْوَجْهِ الَّذِي أنكر الْمَجُوس صرفُوا الْآيَة عَن الْمَفْهُوم تسترا وأبطلوا عَنهُ أَيْضا خلق كل شَيْء يحمد عَلَيْهِ من الْخيرَات ونسأل الله الْعِصْمَة
ثمَّ من حيدهم أَن سُئِلَ عَن حكم الْآيَة فَأَعْرض عَن ذَلِك واشتغل فِي الْإِجَابَة عَن نوع الْأَفْعَال وَحَقِيقَته أَن يَقُول بِهِ فِي الْجُمْلَة وَعند التَّفْسِير فِيمَا يقبح لَا يَقُول كَمَا يَقُول الله فِي كل مَكَان فَإِذا سُئِلَ عَنهُ فِي الحشوش والأمكنة القذرة أَبى ذَلِك ثمَّ هُوَ رب كل شَيْء وإله كل شَيْء ثمَّ عِنْد التَّفْسِير فِيمَا يقبح يَأْبَى إِلَّا أَنه لما يصير بِحَيْثُ ذَلِك الْإِطْلَاق يدْفع أَصله فَمثله مَا نَحن فِيهِ وَالله الْمُوفق
ثمَّ احْتج لخصمه بقوله ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قَالَ يُرِيد بِهِ آلِهَتهم كَقَوْلِه ﴿أتعبدون مَا تنحتون﴾ وَكَقَوْلِه ﴿تلقف مَا يأفكون﴾
قَالَ الشَّيْخ ﵀ نقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق ظَاهر الْآيَة ذكر خلق الْعَمَل فَلم يجز صرف ذَلِك إِلَى غَيره إِلَّا بِالْبَيَانِ مَعَ مَا فِي جَمِيع مَا ذكر نحتهم دَاخل وَكَذَلِكَ إفكهم مَا ذكر وَبِه عوبوا لَا بذلك الشَّيْء حَيْثُ فعلوا ثمَّ عبدُوا فكأنهم عبدُوا فعلهم فَمثله مَا نَحن فِيهِ أَيْضا أَنه لَو صرح بِالْآيَةِ آلِهَتهم بعد أَن ذكر مَعْمُولا فَإِذا لم يكن الله خلق الْعَمَل لم يجز لَهُ القَوْل بخلقه مَعْمُولا إِذْ
[ ٢٤٧ ]
لَيْسَ هُوَ كَذَلِك مخلوقا فَثَبت أَن الْعَمَل مَخْلُوق ليعبدوا مخلوقا مَعْمُولا كَمَا ذكر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ من عظم سفههم أَن احْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿مَا جعل الله من بحيرة﴾ وَتلك أَسمَاء تِلْكَ الْأَعْيَان فِي نفى خلق الْأَعْمَال بقوله ماجعل كَذَا وَهن أَسمَاء تِلْكَ الْأَعْيَان لَا الْأَفْعَال وَهن مخلوقات لَا شكّ ثمَّ يرد فَمَا ذكر الْعَمَل بالخلق إِلَى حَقِيقَة الْأَعْيَان ليدفع خلق الْأَفْعَال فَهَذَا يبين أَن رَأْيهمْ أَن لَا يقبلُوا عَن الله خَبره وَلَا يَرْجُو فِي أَمر إِلَى تَدْبيره وَالله أسأَل الْعِصْمَة عَن ذَلِك
قَالَ وَاحْتَجُّوا أَيْضا بقوله ﴿أم جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقه﴾ إِنَّه على قَوْلكُم تَشْبِيه فعلكم خلقه فَقَالَ معَاذ الله بل فعلنَا عَبث وَفَسَاد وخضوع وذله وَفعله حِكْمَة وصواب وتفضل وتطول قَالَ وَلَيْسَ من حَيْثُ الْحَدث وَالْحَدَث وَالْخُرُوج من الْعَدَم تشابه لإختلاف الْجِهَة كَمَا لم يكن فِي عَالم وَحي وقادر لإختلاف الْمَعْنى
قَالَ وَبعد فَإِن فعلنَا يُخَالف فعل الله لعَينه ثمَّ الإيجاد وَالْحَدَث معنى يُوجب التشابه وَإِنَّمَا يجوز ذَلِك فِي الْأَعْيَان بِمَا يحل فِيهَا مَعَ مَا يُعَارض بقول جهم حَيْثُ قَالَ فِي تَحْقِيق الْفِعْل تشابه ثمَّ قَالَ الْعجب من إلزامهم التَّسْمِيَة بالإحداث وَلم يلزموا أنفسهم فِيمَا فعلوا فعل رَبهم فِي الْحَقِيقَة
قَالَ الْفَقِيه ﵀ نقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق أثبت الله تَعَالَى التشابه من حَيْثُ الْفِعْل حَيْثُ قَالَ ﴿خلقُوا كخلقه فتشابه الْخلق عَلَيْهِم﴾ نفى أَن يكون من أحد خلق كخلقه وَأوجب لَهُم الْعذر فِي عِبَادَتهم مَا كَانُوا يعْبدُونَ لَو كَانَ مِنْهُم
[ ٢٤٨ ]
خلق كخلقه ثمَّ لَا سَبِيل إِلَى مُعَاينَة كَيْفيَّة الْإِنْشَاء وَإِنَّمَا يعلم بالمنشأ إِنَّه فِي حق الْخُرُوج من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود وَالْحَدَث من لَا أصل أَو هُوَ فِي حق الْكسْب والتحرك والسكون فَمن حقق للْعَبد من الْفِعْل من الْوَجْه الَّذِي يُحَقّق من الله فقد وجد خلق كخلقه إِذْ لَا وَجه لفعله غير ذَلِك وَلَو كَانَ بِالَّذِي يذكرهُ دفع لَكَانَ لَا وَجه للإحتجاج لأَنهم لَو أثبتوا يَقُولُونَ لَيْسَ ذَلِك كَذَلِك لِأَن الَّذِي مِنْكُم كَانَ بفلاح وَهَذَا النَّوْع من الخيال ثمَّ إتباع ذَلِك الْحَرْف وَدفع إِمْكَان حَقِيقَته بقوله ﴿خَالق كل شَيْء﴾ ليعلم كل أَنه أَي شَيْء أَضَافَهُ إِلَى أحد أَنه خلقه لم يقدروا عَلَيْهِ لوُجُود ضرورات لَهُ فِيهِ توجب تَدْبِير غَيره فِي ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَقد قَالَ الله ﷿ ﴿إِذا لذهب كل إِلَه بِمَا خلق﴾ وَإِذا جعلت لكل عِنْد الْمَعْنى الَّذِي بِهِ وصف الله تَعَالَى بالخلق وَيذْهب كل بِالَّذِي مِنْهُ فَكَانَ فِي ذَلِك تثبيت آلِهَة ذهب كل بِمَا خلق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
مَعَ مَا لَيْسَ من الله فِي الْخلق سوى الْوُجُود وَذَلِكَ بِعَيْنِه قد يُوجد فَأَي معنى بقى مِمَّا بِهِ تَمام التشابه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ من قَول الْمُسلمين فِي نفى تَشْبِيه الْخلق عَن الله لِأَنَّهُ من الْوَجْه الَّذِي يَقع فِيهِ تشابه يُوجب حَدثهُ بِحَدَث الآخر فَلَو لم يَقع من حَيْثُ الْحَدث تشابه لم يكن ينفى من حَيْثُ لُزُوم الْحَدث مَعَ مَا كَانَت الْحَوَادِث فِي الْأَجْسَام هِيَ أَدِلَّة حدثها وَحدث الْأَجْسَام هُوَ دلَالَة الْمُحدث الصَّانِع وَذَلِكَ كُله آيَة التشابه فَقَوله لَا يَقع بذا تشابه لَا معنى لَهُ إِذا فَإِن خلق الشَّيْء عِنْدهم هُوَ الْخلق وَلَا شكّ فِي الْخلق ذلة وخضوع وحاجة وعيوب وَشَيْطَان وَشر وفتنة وبلاء وَفَسَاد ونتن وخبث وقذر كل هَذَا أَوْصَاف فعل الله تَعَالَى عِنْد الْمُعْتَزلَة بقَوْلهمْ خلق
[ ٢٤٩ ]
الشَّيْء هُوَ ذَلِك الشَّيْء فَكيف أنكر هَذِه الْأَحْوَال عَن خلقه وَقَوله هُوَ تطول وتفضل فَإِذا إِبْلِيس هُوَ خلقه عِنْدهم وَفعله فِي الْحَقِيقَة تطول وتفضل وَهُوَ خير وَحسن وَهُوَ حِكْمَة وصواب وَهَذَا كُله قَول وَحش لم يجز إِطْلَاق ذَلِك إِلَّا بصلات توضح المُرَاد فَمثله الَّذِي ذكر وَلَيْسَ من هَذَا الْوَجْه دفع التشابه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الْعجب مِمَّن يعجب مِنْهُ وَفِي ذَلِك أَنه وَاحِد والتشابه والإختلاف أبدا تقع فِي الأغيار وَجُمْلَة ذَلِك أَنا نجد فعل العَبْد من الْوَجْه الَّذِي عَلَيْهِ أَمر الْعَالم لله فَثَبت أَن خَالق الْعَالم كُله وَاحِد وَإِنَّمَا يَجْعَل للْعَبد لَا من ذَلِك الْوَجْه وَالله الْمُوفق
ثمَّ عَارض قَول خَصمه أَن من عاين أَعلَى القصبتين تتحركان لَا يفصل بَين الَّتِي يحركها الله وَالَّتِي يحركها آخر ثَبت أَنَّهَا تشابها فَزعم أَنه يجب الْفَصْل بَينهمَا بالبحث عَن السَّبَب
قَالَ الشَّيْخ ﵀ يُقَال لَهُ لَعَلَّ ملكا تحرّك أَو شَيْطَانا أَو دَابَّة تَحت الأَرْض فَأَي سَبَب لَهُ يصل بِهِ إِلَى مَا لله حَقِيقَة دون مَا لأحد من الْخلق لَا يُعلمهُ ليعلم أَن الله عِنْدهم لَا يقدر أَن يذهب بِمَا خلق وليعلم أَنه لشدَّة التشابه انْقَطع سَبِيل الْعلم بِهِ من حَيْثُ نَفسه على أَن السَّبَب لَيْسَ يفصل عِنْده فِيمَا كَانَ من الله إِذْ لَيْسَ غير الَّذِي يعاينه فَأنى يعرف ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ وَهَذَا كمستدل بِالشَّاهِدِ رُبمَا يعجز عَن الْفَصْل بَين الْقَدِيم والْحَدِيث بِمَا لم ينظر من وَجهه فَمثله الأول
قَالَ الْفَقِيه ﵀ وَذَلِكَ عَلَيْهِ لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن لَا سَبِيل فِي الأول إِلَى السَّبَب وَالْعلم بِهِ فِي الْحَقِيقَة مَعَ مَا لَيْسَ من الله غير الَّذِي نرَاهُ ليعلم بِهِ فَلَا معنى لهَذَا الثَّانِي أَن الَّذِي عَارض بِهِ لَا يجوز أَن يكون جِهَة وَاحِدَة يدل
[ ٢٥٠ ]
على أَن الْحَدث والقدم إِنَّمَا هُوَ فِي أَنه لم ينظر إِلَيْهِ وأغفل عَنهُ حَيْثُ لم ير مَوضِع الدّلَالَة وَمَا نَحن فِيهِ لَيْسَ ثمَّة مَا يفصل إِن كَانَ فَهُوَ فِي غَيره ثَبت أَنَّهُمَا بحث أَنفسهمَا شبيهات وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ عَارض هَل يعرف بِهِ المكتسب من غَيره
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَهِي الْمُعَارضَة أَن اشْتبهَ المكتسب لغيره حَتَّى لَا يعرف حَقِيقَة وَاحِد مِنْهُمَا ثَبت أَنَّهُمَا مخلوقان مَعًا لذَلِك
وَبعد فَإِنَّهُ لَيْسَ على معرفَة المكتسب وَإِنَّمَا على معرفَة مَا لله لَا عرفه فِي خلقه لَا نفى عَنهُ مَا هُوَ لَهُ وَلَا أثبت لَهُ مَا لَيْسَ لَهُ فَأَكُون كَاذِبًا عَلَيْهِ وَذَلِكَ كفر وعَلى قَول الْمُعْتَزلَة لَا وَجه لمعرفته فتحيل أبدا على الشَّك وَلَا يصل إِلَيْهِ وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنى الَّذِي نفى الله أَن يكون مَعَه إِلَه حَقَّقَهُ أهل الإعتزال سفها بِغَيْر علم وَذَلِكَ فِي وَقَوله تَعَالَى ﴿إِذا لذهب كل إِلَه بِمَا خلق﴾ وَالله الْمُوفق فَبلغ قَوْله إِنَّه لَا يعلم بِنَفس الْحَرَكَة أَنَّهَا مخلوقة فَيجب هَذَا فِي كل عرض نَحْو الْجمع والتفريق فَيبْطل أَن يكون فِي شَيْء من ذَلِك دلَالَة خلقه ثمَّ لَا سَبِيل إِلَى معرفَة حَقِيقَة الْأَعْيَان بِدُونِهَا فَكَأَن الله لم يقم دَلِيلا على خلقه بِكَوْن تِلْكَ بِاللَّه دون خلقه أبدا وَذَلِكَ قَول لم يتوهمه الشَّيْطَان لَعَلَّ أحدا من أوليائه يبلغ بِطَاعَتِهِ إِيَّاه هَذَا الْمبلغ نسْأَل الله الْعِصْمَة عَن ذَلِك وعَلى قَوْله إِن الشَّيْء لَا يدل على الله إِنَّمَا يدل إِذا علم سَببه إِسْقَاطه الدّلَالَة عَن الْأَجْسَام من أَن يعرف بهَا الله سُبْحَانَهُ قَالَ وَمن عَظِيم مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ أَن دَلِيل خلق الْجِسْم حَدثهُ فَكَذَلِك كل مُحدث يدْفع هَذَا وَسَأَلَ الدَّلِيل وأيد ذَلِك بِمَا يجوز أَن يعرفهُ مُحدثا من لَا يعرف خلقا
[ ٢٥١ ]
قَالَ الْفَقِيه ﵀ نقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق أهل التَّوْحِيد إِنَّمَا تكلمُوا فِي حدث الْعَالم وثبات محدثه وَلَا أحد تكلّف القَوْل بِخلق الْعَالم وثبات خالقه فلولا أَنهم رَأَوْا بِالْأولِ كِفَايَة عَن الثَّانِي وَجعلُوا ثبات الْحَدث دَلِيلا مقنعا فِي الْخلق لصنعوا مثله لِأَن لكل إِلَيْهِ حَاجَة وَذَلِكَ مُمْتَنع وَقد احْتج بِخلق الْقُرْآن بالتبعص والتجزئة فَمثله فِي كل الْأَعْرَاض قَائِم فَيلْزم القَوْل بِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه ثمَّ احْتج لَهُم بِخلق الشرور والأسقام وَإِن كَانَت ضارة لم لَا قلت فِي الْكفْر
قَالَ الْفَقِيه وَهَذَا سُؤال لَا يسْأَله أحد على الإبتداء إِلَّا على الْمُعَارضَة إِذْ لم يسم خَالق هَذِه الْأَشْيَاء بهَا وَجب أَن يُسمى بخلقه أَفعَال الْخلق بأسمائها وَهَذَا نوع مَا لَيْسَ لغيره فعل فِي الْحَقِيقَة وَفِي أَفعَال الشرور ذَلِك فَأجَاب بِأَن هَذِه الْأَشْيَاء لَيست بشرور فِي الْحِكْمَة بل هِيَ رَحْمَة بِذكر التَّوْبَة وبزجر عَن الْمعْصِيَة وَالْكفْر لَيْسَ بحكمة بِوَجْه أَلا ترى أَنه لَا يجوز خلقه لَا عَن أحد وَيجوز فِي الأول
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ فَالْأول يُقَال لَهُ فِي خلق فعل الْكفْر قبيحا وَهُوَ بِذكر من عاينه عَظِيم فعله فَيفزع إِلَى الله بالعصمة عَنهُ بِمَ يذكرهُ حدث الَّذِي مِنْهُ فيدعوه إِلَى التَّوْحِيد ثمَّ يعرف بِهِ سفه من مِنْهُ ذَلِك وفسقه وَبِه يعرف إسمه وعواقبه ثمَّ يعرفهُ أَنه لَا يضر الصَّانِع وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَوله لَا يخلقه لَا عَن أحد كَلَام من لَا يعقل مَا يَقُول وَإِلَّا فَهُوَ اسْم لفعل العَبْد فَكيف يكون وَلَا عبد وَهَذَا لمن يَقُول التحرك هُوَ زَوَال الْجِسْم وَهُوَ لايخلقه دونه فَيجب خلقه مِنْهُ حِكْمَة وعَلى ذَلِك جَمِيع الْأَعْرَاض وإماتة الْخلق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الأسقام لَا يجوز أَن يخلقها لَا فِي أحد وَلَا أحد ثمَّ لم يمْنَع تحقق الْحِكْمَة لَهَا فَمثله الَّذِي ذكر وَالله الْمُوفق
ثمَّ عَارض نَفسه بِأَنَّهُ إِذا قدرتم على إِخْرَاج الْأَعْرَاض من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود لم لَا جَازَ أَن يقدروا على ذَلِك فِي الْجِسْم
[ ٢٥٢ ]
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَلَيْسَ هَذَا تَقْدِير السُّؤَال وَلَكِن بِمَا لَيْسَ معنى خلق الْجِسْم إِلَّا خُرُوجه من الْعَدَم ووجوده بعد أَن لم يكن وَبِه وصفتم أَنفسكُم فِي فعل الْأَعْرَاض كَيفَ لَا جَازَ الْوَصْف بِخلق الْجِسْم وَلَيْسَ ثمَّة غير وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
فَأجَاب بِالْفِعْلِ وَذَلِكَ فَاسد لأنأ لم نحقق لنا فِي فعلنَا الْوَجْه الَّذِي هُوَ وَجه وجود الْجِسْم وَكَونه ليلزمنا ذَلِك وهم قد حققوا فيلزمهم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ قَالَ إِذْ لَيْسَ فعل زيد سوى فعل بقدرة وَأَنْتُم تَفْعَلُونَ بهَا كَيفَ فَعلْتُمْ فعل زيد
قيل لِأَن زيدا لَا يقدرنا على فعله فَلم يفعل وَالله قد أقدركم على الْمَعْنى الَّذِي بِهِ كَانَ الْجِسْم فلزمكم مَا قابلناكم بِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ وَاحْتج بالكاتب والمصور إِنَّه لَو أَرَادَ أَن يخرج الثَّانِي على مَا عَلَيْهِ الأول لم يُمكنهُ دلّ أَن الأول لم يخرج على ذَلِك بِهِ فَزعم أَولا أَنه يجوز أَن يكون كَذَلِك مَا أَلْقَاهُ الله فِيهِ تِلْكَ الْقُدْرَة فَإِن قيل لم لَا يأتى بِمثلِهِ فَأجَاب بِأَنا وَإِن كُنَّا نَفْعل بِتِلْكَ الْقُدْرَة نفعله بِأَسْبَاب لَا تَجْتَمِع بكليتها حَتَّى لَا يخرج مِنْهَا شَيْء من نَحْو الذِّهْن وَالْحِفْظ وأنواع الأشغال قَالَ وَلَو وَجب بِهَذَا مُحدث آخر ليجب بِهِ مُصَور آخر وعارض بِالْفِعْلِ إِنَّه لم يدل الْعَجز على أَنا لم نَفْعل وَلَو كَانَ الْعَجز يدل على مَا ذكرُوا كَانَ الثَّانِي إِذا كَانَ أحسن فَدلَّ أَن الأول لَهُ ثمَّ عَارض أَنه مَا يمنعهُ فَقَالَ لأَنا نَفْعل بِآلَة وقدرة وعلاج وفكر وَلَا مستوى هَذِه وَلَو اسْتَوَت أمكننا ذَلِك فَيُقَال لَهُ الْوُجُوه الَّتِي تمنعك هِيَ فعلك أَو لَا فَإِن قَالَ لَا أعظم القَوْل أَن علاجه وفكره وَنَحْو ذَلِك الله وَهُوَ الَّذِي أنكر خلق ذَلِك فقد أقرّ بِهِ وَإِن قَالَ بلَى قيل السُّؤَال عَن ذَلِك كُله أَن الْقَدَرِيَّة زعمت أَن الله لَو أبقاها وَقد أبقاها للْفِعْل وكل ذَلِك أَفعَال لَهَا الْقُدْرَة عَلَيْهَا فَمَا بالها لم تستو وَقد قصدت أَن تستوي وَكَانَت لَك الْقُدْرَة فَهَذَا يبين أَنه على غير تقديرك تخرج وَمَا ذكر من الْمَعْنى هُوَ الدَّلِيل الْوَاضِح
[ ٢٥٣ ]
أَن قد يخرج أحسن من الأول وأسوى على قصد الإستواء إِن ذَلِك كَانَ كَذَلِك لِأَنَّهُ مَعَ مَا لَا يبلغ علم أحد إِلَى تَقْدِير حركته من الْهَوَاء وَالْمَكَان وَمن ارْتِفَاع الْيَد وإنخفاضها لَو اجْتهد كل الْجهد وَالْفِعْل لَا يَخْلُو عَنهُ ثَبت أَنه لغيره من هَذَا الْوَجْه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وعَلى ذَلِك لَا أحد يقْصد قصد بقبيح الْفِعْل وَقد يكون كَذَلِك ثَبت أَنه من ذَلِك الْوَجْه لَيْسَ لَهُ وَلَو جَازَ وُقُوع فعل من وَجه لَا يُعلمهُ وَلَا يُريدهُ وَلَو اجْتهد كل جهده ليعرف حَده ومبلغه وَيكون لَهُ على مَا هُوَ عَلَيْهِ ذَلِك الْفِعْل لجَاز مثله فِي جَمِيع الْعَالم وآيات الرُّسُل وَغَيرهَا وَالْقَوْل فِي المصور هُوَ القَوْل فِي الْفَاعِل وَفِي الصُّورَة هُوَ القَوْل فِي الْفِعْل لَا فرق بَينهمَا
ثمَّ قَوْله لَو أبقى الله الْقُوَّة وَمن مذْهبه أَن الْقُوَّة لَا تبقى وَقْتَيْنِ لَا معنى لَهُ ثمَّ مَا عَارض من الْفِعْل فَهُوَ يختاره وَيعلم مَا يَفْعَله ويقصده فَهُوَ من ذَلِك الْوَجْه لَهُ وَقد بَينا فِي ذَلِك مَا لَيْسَ هُوَ بعالم بذلك الْوَجْه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الدَّلِيل عندنَا من طَرِيق الْقُرْآن على لُزُوم القَوْل بِخلق الْأَفْعَال قَوْله ﴿وأسروا قَوْلكُم أَو اجهروا بِهِ إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور أَلا يعلم من خلق وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير﴾ فَلَو لم يكن جلّ ثَنَاؤُهُ خَالِقًا لما يجْهر وَيخْفى لم يكن ليحتج بِهِ على علمه وَمَعْلُوم جَوَاز الْجَهْل من غير الَّذِي يَفْعَله لم يكن للإحتجاج بِهِ بِفعل سواهُ معنى وَأَيْضًا أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿هُوَ الَّذِي يسيركم فِي الْبر وَالْبَحْر﴾ وَقَالَ فِي مَوضِع آخر ﴿وقدرنا فِيهَا السّير سِيرُوا فِيهَا ليَالِي﴾ أخبر أَن تَقْدِير السّير والتسيير فعله وَبِه كَانَ السّير وَقَالَ ﴿وَمن آيَاته أَن خلق لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا﴾ فِيهَا خبر أَن جعل الْمَوَدَّة وَالرَّحْمَة من آيَاته وَأَن منامكم
[ ٢٥٤ ]
من آيَاته وابتغاؤكم من فَضله وَمن آيَاته وَمن الْبعيد إنْشَاء غَيره لَهُ من الْآيَات إِذْ ذَلِك الْفَاعِل أَحَق أَن تكون الْآيَة لَهُ وَهن كُلهنَّ أَفعَال الْخلق وَقَالَ ﴿وَجَعَلنَا فِي قُلُوب الَّذين اتَّبعُوهُ رأفة وَرَحْمَة﴾ وَقَالَ ﴿أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان﴾ وَقَالَ ﴿وَجعل لكم من جُلُود الْأَنْعَام بُيُوتًا﴾ وَقَالَ ﴿وَجَعَلنَا قُلُوبهم قاسية﴾ وَفِي الْجُمْلَة قَالَ الله ﴿فعال لما يُرِيد﴾ وَفِي أَفعَال الْعباد مَا يُرِيد وَقد وعد أَن يفعل مَا يُرِيد وَقد ذمّ الله من أحب أَن يحمد على مَا لم يفعل وَقد ألزم الْمُؤمنِينَ أَن يحمدوه على الْإِيمَان ثَبت أَن كَانَ ذَلِك بِفِعْلِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالْأَصْل فِيهِ أَن دلَالَة خلق فعل كل أحد عِنْده أعظم من دلَالَة خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِيمَا أُرِيد تعرف حَقِيقَة ذَلِك بِالْعقلِ أَنه لَا أحد امتحن قوى جَوَاهِر الْعَالم حَتَّى يعلم خُرُوج كل شَيْء عَن ذَلِك وَاحْتِمَال خلق مثله بل إِنَّمَا يعرف ذَلِك بِخُرُوجِهِ عَن إِمْكَان مثله وَمَعْلُوم وجود أُمُور فِي غَيره من الْجَوَاهِر مِمَّا امْتنع جَوْهَر عَن احْتِمَال ذَلِك نَحْو الطيران وإخراق الْأَشْيَاء والسباحة بالجوهر وَغير ذَلِك بقوى فِيهَا وَيعلم كل أَن لَيْسَ لأحد من الْخلق تَدْبِير فِي فعله فَيعلم بِالضَّرُورَةِ بِمَا خرج عَن مَقْصُوده وَقصر عَن الْحَد الَّذِي يحده وَكَانَ مُقَدرا بِمَا لَا يحْتَمل وَسعه التَّقْدِير بِهِ فَيعلم بِهِ ضَرُورَة أَن الَّذِي بِهِ قَامَ هُوَ الَّذِي قدره وَأخرجه على مَا أَرَادَ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
مَعَ مَا لم يكن عِنْد الْمُعْتَزلَة من الله إِلَى خلقه جملَة سوى أَنه أوجده بعد أَن لم يكن وَأَن الله لم يزل مَوْجُودا وَذَلِكَ الْمَعْنى فِي فعل كل أحد مَوْجُود على أَنه لَوْلَا الْأَمر والنهى لم يكن الْعقل يحْتَمل إِخْرَاج شَيْء عَن قدرَة الله وَصرف شَيْء إِلَى فعل غَيره وَالْأَمر والنهى مَحل حق مَعَ الْمَعْنى الَّذِي يلْزم القَوْل بِهِ لولاهما لم
[ ٢٥٥ ]
يزل ذَلِك فَيكون الْمَعْرُوف بِالْعقلِ وَمَا يُوجِبهُ ضَرُورَة ذَلِك مدفوعا بِالْجَهْلِ بالحكمة بالحادث وَلَو جَازَ ذَلِك لجَاز إِنْكَار الْأَمر والنهى بِمَا كَانَ فِي الْعقل من إِثْبَات قدرَة الله على كل شَيْء بل قدرته على أَشْيَاء لَا من شَيْء أَو إِحْدَاث أَعْيَان لَا عَن مِثَال أعجب من خلق فعل لآخر إِذْ لَوْلَا مَا للْآخر من الْقُدْرَة على ذَلِك لَكَانَ لَا يضطرب عَاقل فِي تَحْقِيق ذَلِك لله وَقدرته لَا يجوز أَن تنفى عَن الله قدرَة ذَلِك بِعَيْنِه فَيكون كالقادر على الشَّيْء بِغَيْرِهِ لَا بِنَفسِهِ جلّ الله عَن ذَلِك وَتَعَالَى