ثمَّ اخْتلفت الْأمة فِي مرتكبي الْكَبَائِر من الْمُسلمين دَفعته إِلَيْهَا الْغَلَبَة من شَهْوَة أَو غَفلَة أَو شدَّة الْغَضَب وَالْحمية أَو رَجَاء الْعَفو وَالتَّوْبَة من غير استحلال مِنْهُ وَلَا استخفاف مِنْهُ بِمن أَمر وَنهى فَمنهمْ من جعله كَافِرًا وَمِنْهُم من جعله مُشْركًا وَمِنْهُم من جعله غير مُؤمن وَلَا كَافِر وَمِنْهُم من يَجعله منافقا وَمِنْهُم من جعله مُؤمنا على مَا كَانَ عَاصِيا بِمَا فعل فَاسِقًا بِهِ من غير أَن يُطلق لَهُ اسْم الْفسق والفجور إِلَّا مَعَ من يعلم مَا بِهِ سمى ذَلِك وَيرى أَن يكون لله تعذيبه بِقدر ذَنبه وَالْعَفو عَنهُ بِمَا علم مِنْهُ من الصدْق لَهُ فِي العبودة وَغَيره من الْحَسَنَات وَمِنْهُم من وقف فِي الْوَعيد إِنَّه أُرِيد بِهِ المستحيل أَو غَيره وَرَآهُ وَاجِبا فتفريق من ذكرت بَين الصَّغَائِر والكبائر فِيمَا يثبت فِي الصَّغَائِر من إِمْكَان الْعَفو أَو إبْقَاء اسْم الْإِيمَان أوجب صرف الْوَعيد إِلَى الْكَبَائِر وَمَا يثبت من ذكر جَزَاء الْكفْر والشرك وَنَحْوه يُوجب تَحْقِيق اسْم الشّرك وَقَول قوم وَالْكفْر على قَول وأيد ذَلِك قَوْله ﴿إِنَّه لَا ييأس من روح الله إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ﴾ وَقَالَ ﴿وَمن يقنط من رَحْمَة ربه إِلَّا الضالون﴾ مَعَ مَا كَانَ صَاحب الْكَبِيرَة حَاكما بِغَيْر الَّذِي أنزل
[ ٣٢٩ ]
الله وتاركا الحكم بِهِ وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾
وَبعد فَإِنَّهُ قد سمى بالأسماء الَّتِي سمى الله بهَا الْكَفَرَة من الْفسق والفجور وَالظُّلم لزمَه أَيْضا اسْم الْكفْر مَعَ مَا قسم الله الْبشر الَّذين جرى عَلَيْهِم الْقَلَم فِيمَا عَلَيْهِ أَمرهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَقَالَ ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن﴾ وَقَالَ ﴿فَمن شَاءَ فليؤمن وَمن شَاءَ فليكفر﴾ وَقَالَ ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه﴾ وَقَالَ ﴿يضل من يَشَاء﴾ وَقَالَ ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤمنا كمن كَانَ فَاسِقًا لَا يستوون﴾
ثمَّ بَين كفر الْمُسَمّى فَاسِقًا وَقَالَ فِي أَمر الْآخِرَة ﴿يَوْم تبيض وُجُوه﴾ وَقَالَ ﴿فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ﴾ فجعلهم جَمِيعًا متسمين فَلَا ثَالِث فِي التَّحْقِيق مَعَ مَا بَين أَن النَّار أعدت للْكَافِرِينَ فَإِذا ثَبت الْوَعيد لصَاحب الْكَبِيرَة جعله كَافِرًا
وَبعد فَإِن الله تَعَالَى وصف أَنه لَا ييأس من روح الله إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ وَقد لزم أَلا يأس على قَول هُوَ لَا لزمَه اسْم الْكفْر على أَن الْأَسْمَاء لَا مَنَافِع لَهَا وَلَا مضار بهَا على أَهلهَا إِنَّمَا المضار وَالْمَنَافِع فِي حقائق مَا لَهَا الْأَسْمَاء فَإِذا لزم الخلود فِي النَّار بطلت فَائِدَة الإسم إِن كَانَ مُؤمنا أَو كَافِرًا لَا يمْنَع عَنهُ اسْم الْكفْر إِذْ عُوقِبَ بعقوبته وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٣٣٠ ]
وألزموا الْوَعيد بِمَا فِي الرّفْع لُحُوق الْكَذِب وَالله يجل عَن ذَلِك وكل الَّذِي ذكرت يلْزم الْمُعْتَزلَة فِي مَنعهم تَسْمِيَة الْكفْر على أَن قَوْلَيْنِ من أقاويل منتحلى الْإِسْلَام حصلا فِي حق الْأَسْمَاء على عَبث وَإِبْطَال مَا جبل عَلَيْهِ الْبشر من جلالة قدر الْإِيمَان فِي قُلُوبهم وَعظم الله دين الْإِسْلَام فِي الْعُقُول فصير أحد فريقي الْإِسْلَام أسم الْإِيمَان لكل خير يقطع فزع تبدل دين الْإِسْلَام وأزال جلالة قدره حَيْثُ أشركوا فِي إسمه كل شَيْء مِمَّا يحْتَمل أَن يكون لَهُ اسْم الْخَيْر فاشترك فِي هَذَا الحشوية والمعتزلة وانفردت الْمُعْتَزلَة بِمَنْع اسْم الْكفْر عَن أَصْحَاب الْكَبَائِر على تَحْقِيق جَمِيع مَا فِي الْكفْر من الْعقُوبَة فِي ذَلِك فَلم يحصل لَهُم بِمَا تحرجوا عَن التَّسْمِيَة بِمَا كَانَ فزعهم عَن إسمه إِلَّا لعَظيم الْوَعيد فِي ذَلِك وَإِلَّا التَّسْمِيَة إِذْ ألم لنفع يُرْجَى أَو لضَرَر يتقى فَكَانَت من الْمُسلمين بهَا إِبَاحَة إِن ساءت أَو حسنت إِذا لم تكن يجب بحسنها حسن أَو قبح وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
فَدخل تَسْمِيَة الشّرك وَالْكفْر فِيمَا مر بَيَانه وَمن حقق لَهُ اسْم النِّفَاق فلمخالفة مَا أعْطى بِلِسَانِهِ من الْإِيمَان وتعاهد حُدُوده وَحفظ حُدُود الله مَا ظهر بأفعالهم وَبِذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿وليعلمن الله الَّذين آمنُوا وليعلمن الْمُنَافِقين﴾ وَقَالَ ﴿الم أَحسب النَّاس أَن يتْركُوا﴾ أخبر بِبَيَان مَا أَعطَتْهُ الألسن من الصدْق وَالْكذب بالمحنة وَكَذَا روى عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ ثَلَاث من كن فِيهِ فَهُوَ مُنَافِق من إِذا حدث كذب وَإِذا وعد خلف وَإِذا اوتمن خَان فقد ظهر لَهُ ذَلِك كُله من مرتكبي الْكَبِيرَة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
واحتجت الْمُعْتَزلَة فِي الإسم بِمَا سمى صَاحب الْكَبِيرَة بأسماء خبيثة وَالْإِيمَان من الْأَسْمَاء الطّيبَة لَا يُسمى بِهِ مَعَ مَا جَاءَ من الْوَعْد باسم الْإِيمَان والوعد لَا يحْتَمل الْخُصُوص ثمَّ صَاحب الْكَبِيرَة قد جَاءَ فِيهِ الْوَعيد فَبَطل أَن يكون
[ ٣٣١ ]
مُؤمنا وَلم يسم بِهِ كَافِرًا بِمَا لم يرد بِهِ التَّسْمِيَة فَسمى بِهِ الَّذِي أجمع أَنه لَهُ اسْم وَهُوَ الْفسق والفجور وَالظُّلم ثمَّ لَهُم فِي الْوَعيد أَمْرَانِ عُمُوم أخباره وَالثَّانِي قَوْله ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ﴾ بَين مَا لَا يغْفر مَعَ مَا كَانَ الْوَعيد بالتخليد أعظم فِي الْمَنْع وأبلغ فِي الزّجر فَهُوَ أَحَق على أَن الْوَعيد إِذا وَجب لزم دُخُول النَّار وَلم يذكر فيهم الْخُرُوج وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ نقُول وَبِاللَّهِ نستعين أجمع هُوَ لَا على اخْتلَافهمْ أَن الْوَعيد مِمَّا لم يُشْرك فِيهِ الْمُؤمنِينَ بل هُوَ فِي كل ذَنْب أخرج صَاحبه عَن الْإِيمَان وَأسْقط عَنهُ اسْمه والمرجئة توافقهم أَن كل ذَنْب يخرج صَاحبه عَن الْإِيمَان فالوعيد لَهُ لَازم ثمَّ إِن المرجئة تخَاف على الْمُؤمنِينَ فِيمَا ارتكبوا من المأثم مَعَ قيام الْإِيمَان بالعقوبة وَأُولَئِكَ لَا يخَافُونَ عَلَيْهِم وَكَانَ احتجاجهم بِعُمُوم الْآثَار فَثَبت بِالَّذِي ذكرت من قَول الْجُمْلَة أَن المرجئة وَهِي الَّتِي أرجأت الذُّنُوب أَشد اسْتِعْمَالا لَهَا على الْعُمُوم من الَّذين ادعوا عمومها إِذْ هم عِنْد التَّحْصِيل جعلُوا الْوَعيد فِي أحد فريقي الْبشر وهم الَّذين لَيْسُوا بمؤمنين وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ قد ثَبت بأدلة الْقُرْآن وَمَا عَلَيْهِ أهل الْإِيمَان وَالَّذِي جرى بِهِ من اللِّسَان أَن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق بِهِ نؤمن وَبِذَلِك جرت أَحْكَام الْقُرْآن فِي الْحَلَال وَالْحرَام وَمَا بِهِ قيام الْعبارَات والإشتراك فِي الْجَمَاعَات والإجتماع فِي مجَالِس الذّكر والخيرات على غير تناكر مِنْهُم وَفِيهِمْ الْقبُول بِحَق الْمُؤمنِينَ وَكَذَا جَمِيع مَا جرى بِهِ الْخطاب لم يُوجد معتزلي وَلَا خارجي وَلَا حشوى مَعَ مَا فيهم أَنْوَاع المعاصى والسيئات الَّتِي بَان لَهُم أَنَّهَا كَبَائِر أَو لم يبين لَهُم حَقِيقَتهَا بِخَبَر فِي أَمر الْخطاب أَن يكون غير أحد لَهُ لما فِيهِ فَثَبت أَن الْإِيمَان لم يزل عَنهُ وَأَن الإسم قَائِم لَهُ فَيبْطل بِهَذِهِ الْجُمْلَة الَّتِي من دَفعهَا يعلم أَنه مكابر معاند مَا قَالَت الْخَوَارِج والمعتزلة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا أَن الله سُبْحَانَهُ أبقى لَهُ اسْم الْإِيمَان مَعَ تَحْقِيق مَا عَلَيْهِ الْوَعيد فِي
[ ٣٣٢ ]
حكمه بقوله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ فَأوجب فِي المقت عِنْده مَعَ اسْم الْإِيمَان بِحرف العتاب الَّذِي لَا يحْتَمل النُّطْق قبل مقارفة الذَّنب بقوله ﴿لم تَقولُونَ﴾ والمقت لَا يُوجب الذَّنب الَّذِي فِي الْحِكْمَة لُزُوم الْمَغْفِرَة لَهُ وَقَالَ ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ أثبت لَهُم اسْم الْإِيمَان مَعَ إِلْزَام اسْم الْبَغي لأَحَدهمَا فِي الْقِتَال وألزم من حضر مَوته المبغى عَلَيْهِ حَتَّى يرجع الآخر إِلَى أَمر الله وَلَو كَانَ ذَلِك خُرُوج من الْإِيمَان لَكَانَ الْحق فِي مثل ذَلِك غير الَّذِي ذكر وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الْقصاص فِي الْقَتْلَى﴾ وَمَعْلُوم أَنه لَا يجب إِلَّا بقتل الْعمد فَأثْبت لَهُم فِي ابْتِدَاء الْآيَة اسْم الْإِيمَان وَأبقى بَينهمَا الْأُخوة وَأخْبر أَن ذَلِك تَخْفيف من ربكُم وَرَحْمَة وتبعد هَذِه الْأَوْصَاف فِيمَن أخرجهم الْفِعْل من الْإِيمَان وَقَالَ ﴿وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مَا لكم من ولايتهم من شَيْء﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَإِن استنصروكم فِي الدّين﴾ أثبت لَهُم اسْم الْإِيمَان وَجمع بَينهم فِي الدّين على تخلفهم عَن الْهِجْرَة مَعَ عظم مَا فِيهِ من الْوَعيد بقوله ﴿الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة ظالمي أنفسهم﴾ وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء﴾ وَقَالَ أَيْضا ﴿لَا تخونوا الله وَالرَّسُول﴾ فَأثْبت لَهُم اسْم الْإِيمَان مَعَ قبح صنيعهم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٣٣٣ ]
وَأَيْضًا أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَة نصُوحًا﴾ وَقَالَ ﴿وتوبوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أخبر أَن عَلَيْهِم ذنوبا تغْفر بِالتَّوْبَةِ وَيكفر بهَا على إبْقَاء اسْم الْإِيمَان وَفِي قَول هَؤُلَاءِ لَا يجوز ذَلِك فَثَبت أَن القَوْل هُوَ قَول من لم يزل عَنْهُم اسْم الْإِيمَان وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَنَوع آخر أَن الله تَعَالَى أوجب كثيرا من الْعِبَادَات باسم الْإِيمَان وَجعل علم الْحل وَالْحُرْمَة فِي كثير من ذَلِك اسْم الْإِيمَان وزواله ثمَّ شَارك من أحدث أَفعَال الْفسق مَعَ الْإِيمَان فِيهَا غَيره ثَبت أَن اسْم الْإِيمَان غير زائل عَنْهُم مَعَ مَا قد تقدم بَيَان مَا لَهُ اسْم الْإِيمَان مَا يكفى ذَا الْعقل عَن الإطناب ثمَّ إِجْمَاع النقلَة فِي إِثْبَات الشَّفَاعَة وتوارث الْأمة فِي الصَّلَاة على جَمِيع من مَاتَ من أهل الْقبْلَة والإستغفار لَهُم والترحم عَلَيْهِم هُوَ الدَّلِيل لمن أَبَت نَفسه تَكْذِيب الْأَخْبَار الصِّحَاح وَمُخَالفَة أَئِمَّة الْهدى وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ قَول الْمُعْتَزلَة فِي تَحْقِيق الْإِيَاس من روح الله مَعَ نفيهم اسْم الْكفْر وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّه لَا ييأس من روح الله إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ﴾ قَول متناقض إِذْ الله جمع بَين الْكفْر والإياس فَمن أثبت أَحدهمَا لزم الآخر فَإذْ ثَبت عندنَا وَعِنْدهم أَنه لَيْسَ بِكَافِر إِذْ الْكفْر فِي الْعرف تَكْذِيب وَصَاحب الْكَبِيرَة بالتصديق فِي حَالَة يَرْجُو عَفوه وَيُخَالف عَذَابه وَيعلم أَن من أيأسه من رَحْمَة ربه ضال جَاهِل بِاللَّه ثَبت أَنه لَيْسَ بمكذب وَفِي الْحَقِيقَة الْكفْر اسْم للستر وَصَاحبه لَا يستر شَيْئا من نعم ربه وَلَا يُنكر حَقه فَيبْطل أَن يكون كَافِرًا فَمثله الْإِيمَان فِي الْعرف والسمع تَصْدِيق وَمَعْلُوم أَنه لم يكذب الله فِي شَيْء ثَبت أَنه مُؤمن وَالله الْمُوفق
ثمَّ الْحق أَن يُقَال جَمِيع الْخَوَارِج والمعتزلة عِنْد ارتكابهم الْكَبَائِر كفرة على
[ ٣٣٤ ]
قَوْلهم مستوجبون للخلود فِي النَّار وَغَيرهم من أَصْنَاف منتحلى الْإِسْلَام لأوجه أَحدهَا أَنهم أَجمعُوا على من ﵀ وَذَلِكَ وصف الْكفْر بِمَا ذكر من الْآيَة وَبِقَوْلِهِ ﴿وَالَّذين كفرُوا بآيَات الله ولقائه أُولَئِكَ يئسوا من رَحْمَتي﴾ فَلَزِمَ الْفَرِيقَيْنِ اسْم الْكفْر وَالْخُلُود فِي النَّار وَأما الْمُؤْمِنُونَ بآيَات الله وصفوه عفوا غَفُورًا رحِيما محققين لذَلِك فهم لَهُم الرَّجَاء وَلَا يجوز لَهُم الشَّهَادَة بِوَاحِد من الْأَمريْنِ فَتَوَلّى كل قَول كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم﴾ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالثَّانِي أَنهم جَمِيعًا ضيقوا رَحْمَة الله فجعلوها بِحَيْثُ لَا تتسع لذنب إِذْ الذُّنُوب الَّتِي لَيست بكبائر لَا يجوز مَعهَا التعذيب فَلَيْسَ لرحمة الله فِيمَا لَيْسَ لَهُ التعذيب وَلَا لعفوه فِيمَا اسْتغنى عَنهُ بالحكمة وَجعلُوا الْغَضَب والسخط هُوَ الَّذِي يسع كل ذَنْب فِي الْحِكْمَة يجوز لَهُ التعذيب فَلَا عَفْو إِذا على قَوْلهم وَلَا رَحْمَة فَحق هَذَا القَوْل الحرمان وَأما من يصفه بسعة الرَّحْمَة وعظيم الْعَفو فَحق لَهُ الْمَغْفِرَة وَالْعَفو لِأَن كل كريم يُوصف بِهَذَا فَهُوَ أميل لَهُ من الْوَصْف لَهُ بِمَا وَصفته الْخَوَارِج والمعتزلة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالثَّالِث قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف﴾ وَلَا يجوز أَن يكون الَّذِي بِهِ الإنتهاء غير مَحْدُود وَلَا مَعْرُوف الْوُصُول إِلَى جَمِيع الطَّاعَات وَالْقِيَام بِجَمِيعِ الْأُمُور بتأخر الْحَيَاة على قَول الْخَوَارِج فَتَصِير بِحَيْثُ لَا انْتِهَاء عَنهُ وَكَذَلِكَ على قَول الْمُعْتَزلَة فَثَبت أَن الإنتهاء هُوَ الَّذِي يملكهُ كُله فِي كل وَقت وهوالبرء عَن كل أَنْوَاع الْكفْر والمعاصي وَالْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى وبجميع مَا يُؤمن الْمَرْء بِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٣٣٥ ]
وَهَذَا على قَول الْمُعْتَزلَة إِذْ جعلُوا بَين الْكفْر وَالْإِيمَان منزلَة وَالله تَعَالَى وعد مَا ذكر بالإنتهاء عَن الْكفْر يلْزم أَن يكون صَاحب الْكَبِيرَة مغفورا لَهُ وخاصة الْكَافِر إِذا كَانَ مَعَ الإنتهاء من الْكفْر مرتكب الْكَبَائِر فَيجب بِالَّذِي ادّعى من الْعُمُوم فِي التخليد دفع الْعَذَاب وَالْمَغْفِرَة وَالله الْمُوفق
ثمَّ نقُول للمعتزلة قَوْلكُم لَا يُسمى صَاحب الْكَبِيرَة باسم الْإِيمَان وَلَا باسم الْكفْر ولايسمونه بِمَا لَا يسْتَحق وَاحِدًا من الإسمين أَو لَهُ أَحدهمَا وَلَا تعلمونه أَنْتُم فَإِن قَالُوا بِالْأولِ فَيُقَال لَهُم أَو قد أَتَى هُوَ بِكُل الْإِيمَان أَو بعضه أَو لم يَأْتِ بِشَيْء لذَلِك بَطل اسْمه فَإِن قَالَ بِالْأولِ أعظم القَوْل وَمنع عَنهُ اسْم فعله وَقد أَتَى بِهِ وَجَهل بربه حَيْثُ لم يُحَقّق مَا لَهُ اسْمه وَلَو جَازَ ذَا لجَاز أَن لَا يكون أحد جَاءَ بِالصّدقِ عِنْد الله فِي الْحَقِيقَة صَادِقا وَكَذَلِكَ قَائِم وقاعد وَذُو حَال لَا يجوز عِنْد الله كَذَلِك أَو الله يُعلمهُ كَذَلِك وعَلى ذَلِك مضادات الَّتِي ذكرنَا وَهَذَا آيَة جهلهم بِاللَّه وَإِن قَالَ بِالثَّانِي فقد شهد الله للَّذين آمنُوا بِبَعْض وَكَفرُوا بِبَعْض بِأَن قَالُوا نؤمن بِبَعْض ونكفر بِبَعْض كفَّارًا حَقًا لَزِمَهُم التَّسْمِيَة بذلك وَهُوَ رَأْي الْخَوَارِج وَإِن قَالُوا بالثالث فَهُوَ أبعد إِذْ الله تَعَالَى سمى الْمُؤمن بِبَعْض كَافِرًا فَمن لَيْسَ مَعَه شَيْء أَحَق بذلك وأيد هَذَا الأَصْل وَجْهَان أَحدهمَا مَا ذكرت من قسم الله الْبشر قسمَيْنِ فِي أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فقسمة الْمُعْتَزلَة على ثَلَاثَة أَقسَام تعدى لحد الله وَحقّ مثله أَن يُقَال لَهُ الله أذن لكم أم على الله تفترون أَو يُقَال أأنتم أعلم أم الله كَمَا قيل للْيَهُود وَالثَّانِي أَن الله تَعَالَى نفى الْإِيمَان فِي مُحكم تَنْزِيله عَن قوم على تَحْقِيق الْكفْر إِذْ قَالَ ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ وَلم يخْطر ببال عَاقل أَنهم لَعَلَّهُم لَيْسُوا بكفار بل إِذا أزيل الْإِيمَان عَمَّن يكون لَهُ فعل الْإِيمَان فَإِنَّمَا يزَال بالْكفْر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَإِن قَالُوا لَا يعلم لَهُ أحد الإسمين وَله ذَلِك عِنْد الله كفوا مؤونة الجدل لِأَن مَا لَا يعلمونه أَكثر مِمَّا يُحْصى لَو لزم محاجتهم فِيهَا ليذْهب الْعُمر بَاطِلا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٣٣٦ ]
ثمَّ الْأمة على اخْتلَافهمْ اتّفقت على أَن لصَاحب الْكَبِيرَة إسما من الْأَدْيَان من شرك أَو كفر أَو إِسْلَام فَمن أبطلها توقيا أَن ينْطق بِالشَّكِّ أبطل مَا أجمع على القَوْل بِهِ وشهدوا على مجي الْكتاب بِهِ وَالسّنة بِمَا لَدَيْهِ يرْتَفع الريب عَمَّن تلقى السّمع وَهُوَ شَهِيد أَو لَهُ قلب وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ القَوْل بالفاسق والفاجر مُطلقًا مِمَّا يتوزع فِيهِ وَمن سَمَّاهُ كَافِرًا أَو مُشْركًا أطلقهُ وَمن سَمَّاهُ مُؤمنا أَبى ذَلِك وَكَذَلِكَ جَحَدُوا اسْم أَعدَاء الله وأبدعت الْمُعْتَزلَة هذَيْن الإسمين على منع ذَيْنك الإسمين خلافًا لما عَلَيْهِ الْأَمر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ قَوْله ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ﴾ تَأْوِيل الْخَوَارِج فِيهِ من الْخَطَأ فَاسد لِأَنَّهُ لَيْسَ بذنب فَيغْفر وَفِي هَذَا ذكر الْمَغْفِرَة وَلَا يحْتَمل إِضْمَار التَّوْبَة لما يغْفر بِمثلِهِ الشّرك وَالْآيَة فِي التَّمْيِيز بَين الذنبين وَكَذَلِكَ لَا يحْتَمل قَوْله ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ﴾ لما فِيهِ التَّكْفِير وَمَا لَا ذَنْب لَا يكفر وَالْخَطَأ لَا يُحَقّق الذَّنب والتكفير يكون لشَيْء يجز بِهِ وَلَا يحْتَمل مَا قَالَت الْمُعْتَزلَة لِأَن قَوْلهم يمْنَع تَحْقِيق الشّبَه إِذْ هِيَ تقع من مجتنب الْكَبَائِر مغفورة وَفِي هَذَا اثباتها ثمَّ التَّكْفِير وهم يجعلونها مغفورة لَا مكفرة إِذْ المغفورة هِيَ الَّتِي تستر عَلَيْهَا وَفِي بَقَائِهَا إِلَى مُدَّة دَفعهَا والمكفره هِيَ الَّتِي يَأْتِي من صَاحبهَا فعل حسن يكفر بِهِ نَحْو قَوْله ﴿فَأُولَئِك يُبدل الله سيئاتهم حَسَنَات﴾ وَقَوله ﴿هَل أدلكم على تِجَارَة﴾ وَقَوله ﴿إِن تبدوا الصَّدقَات﴾
[ ٣٣٧ ]
إِلَى ذكر التَّكْفِير وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَة نصُوحًا﴾ وَأَصله قَوْله ﴿إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات﴾
وَبعد فَإِن الْآيَة لَا تحْتَمل قَول الْمُعْتَزلَة لما هم يجْعَلُونَ الْمصر على الذَّنب صَاحب الْكَبِيرَة وَمن لَا يصر عَلَيْهِ فَهُوَ تائب عَنهُ نادم عَلَيْهِ وَفِي ذَلِك إِنَّه يغْفر بِالتَّوْبَةِ وكل الذُّنُوب تغْفر بهَا والإثنان جَريا بِالتَّفْرِيقِ من قَوْله ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ﴾ وَقَوله ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ﴾ فَهُوَ وَالله أعلم أَن الشّرك لَا يغْفر إِلَّا بِالتَّوْبَةِ عَنهُ وَغَيره يجوز أَن يغْفر بالتفضل أَو يكفر بِغَيْرِهِ من الْحَسَنَات ليَصِح القَوْل مَعَ تَحْقِيق الْفَائِدَة لتمييز الْقُرْآن وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ لِلْآيَةِ وُجُوه تمنع الْمُعْتَزلَة والخوارج أَحدهَا أَنه قَالَ ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ﴾ وَلَيْسَ فِي ذَلِك بَيَان حكم من لَا يجْتَنب وَالثَّانِي أَن الْكَبَائِر نَوْعَانِ أَحدهمَا كَبَائِر فِي الإعتقاد من أَنْوَاع الْكفْر والتكذيب الَّتِي بهَا اخْتلفت الْكَفَرَة وَأُخْرَى كَبَائِر الْأَفْعَال الَّتِي صَاحبهَا مجتنب عَنْهَا بالإعتقاد فِي أَن يَرَاهَا على مَا جعلهَا الله عَلَيْهِ من عظم الْفِعْل والذنب وَهَذَا اجْتِنَاب وَقد يواقعها بِالْفِعْلِ فَهُوَ الإرتكاب وَلَيْسَ فِي الْآيَة وَجها الإجتناب فَجَائِز أَن تكون أَن يجْتَنب كَبَائِر الإعتقاد وَهِي أَنْوَاع الشّرك يكفر عَنْهُمَا دونهَا لمن يَشَاء بِمَ شَاءَ من غير ذَلِك من الْحَسَنَات أَو بالتفضل كَمَا بَينا فِي إِحْدَى الْآيَتَيْنِ بالتكفير وَفِي الْأُخْرَى بالمغفرة وَلَا قُوَّة لَا بِاللَّه
[ ٣٣٨ ]
وَالثَّالِث أَنه لم يبين فِي الْكَبَائِر قدر الْعُقُوبَات وَمَعْلُوم أَن الله نفى أَن يجزى فِي السَّيِّئَات إِلَّا مثلهَا وَمثل الشّرك والمعاندة إِنَّمَا هُوَ التخليد وَلَا ريب أَن لَيْسَ بمعاند وَلَا مُشْرك لَهُ فِي الْعِبَادَة ذَنبه دون من يفعل ذَلِك بل صِحَة الإعتقاد فِي ذَلِك حمله على الْخَوْف مِمَّا حذره ورجاء مَا أطمعه فِي الإعتقاد وَهُوَ الَّذِي سبق كل شَيْء لكفره هُوَ ومحاه عَنهُ لم يجز أَن يكون قدر ذَنبه قدر الأول فَلم يجز أَن يخلد فِي ذَلِك فَيدْخل فِيهِ أَمْرَانِ أَحدهمَا الْكَذِب فِي الْوَعْد حَيْثُ قَالَ ﴿وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يجزى إِلَّا مثلهَا﴾ وَمَعْلُوم أَن الْكَافِر المعاند لَو جمع عَلَيْهِ جَمِيع مَا يُعَاقب بِهِ على شَرط النجَاة والراحة يحْتَمل ويختاره فَثَبت أَن مثل سيئته هُوَ الخلود فِي الْعَذَاب فَإِذا عذب بِمثلِهِ من كَانَ ذَنبه دونه كَانَ جازيا أَكثر من مثله وَهُوَ مَا يُعَاقب بِمَا يرتكب وَفِي الْحِكْمَة عُقُوبَته وَهَذَا مِمَّا يمْنَع الْحِكْمَة وَالله الْمُوفق
وَالثَّانِي إِنَّه مَعْلُوم أَن الَّذِي يُقَابل الْجُحُود والمعاندة من الْخَيْر أعظم وَأجل من الَّذِي يُقَابل مَا كَانَ فِي قبُوله أَن يفعل من التّرْك على نَحْو مَا كَانَ الْجُحُود والمعاندة من الآخر فجَاء بِالَّذِي هُوَ فِي الْخَيْر أعظم الْخَيْر وَفِي الشَّرّ لم يبلغ نهايته فَإِذا خلده فِي النَّار أبطل ثَوَاب أفضل الْخيرَات بإرتكاب مَا دونه من الشَّرّ ورد ذَلِك وصف الْجُود لَا الْعدْل وَالْعدْل أَن يزِيد فِي ثَوَاب مَا جَاءَ بِهِ على عِقَاب مَا أَتَى بِهِ وَالله جلّ ثَنَاؤُهُ قد أخبر أَنه يجزى الْحَسَنَة بِعشْرَة أَمْثَالهَا والسيئة بِمِثْلِهَا وَفِي هَذَا لم يبلغ الْمثل فِي الْحَسَنَة وَلَا قصر على الْمثل فِي السَّيئَة جلّ الله عَن ذَلِك وَتَعَالَى
واستدلال من اسْتدلَّ بترك الْفِعْل على الْكَذِب فِي الأول محَال فَاسد لِأَن فِي عقل كل وَاحِد لُزُوم اتقاء الْكَذِب كَمَا فِي الْقبُول إبقاؤه ثمَّ لم يصر وجوده دَلِيلا على كذب عقله لما فِي عقله مَنعه وَإِن تعدى ذَلِك فَمثله فِي قبُول وَقت
[ ٣٣٩ ]
تعديه وَلَو كَانَ فِي ذَلِك تبين لَكَانَ كل شَيْء بِالْأولِ أَو حل يجب فَسَاده وحرمته وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ لَا يجب على الْمُرْتَد خلاف على الْكَافِر الْأَصْلِيّ بل بتصريح الْكفْر لَا يظْهر كذبه فِي الأول فَكيف فِيمَا فعل وَلَو كَانَ بذا ذَا فَيظْهر أَيْضا بِإِيمَان الْكَافِر من بعد أَو بتعاطيه مَا لَا يقبحه على كذبه فِي الْعرف وَأَصله وَجْهَان أحدهمال لَو كَانَ يظْهر بِهِ الْكَذِب فِي الأول لأزيل اللُّزُوم وَإِذا زَالَ ليبطل أَن يصير وجوده سَببا لإِظْهَار ذَلِك وَفِيه بطلَان مَا قَالُوا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالثَّانِي إِن كلا يعلم من نَفسه فِي وَقت إعتقاده أَنه غير كَاذِب فِي ذَلِك ثمَّ يعلم من تعدى فِي دينه وَلَو كَانَ بِهِ ظُهُور لَكَانَ لَا علم يَقع فِي الْحَقِيقَة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه بل مدعى هَذَا يلْزمه ذَلِك إِذْ فِي اعْتِقَاده أَن لَا يكذب وكل مُؤمن يعلم أَنه بِهَذَا القَوْل كَاذِب وَكَذَلِكَ الله سُبْحَانَهُ إِذْ هُوَ يعلم حَقِيقَة كل شَيْء بِمَا هُوَ عَلَيْهِ لَا بِغَيْرِهِ يعلم صدقه فِي الأول وَإِن تعدى من بعده فَيصير صَاحب هَذَا القَوْل عِنْد الله وَعند من شهد عَلَيْهِ بِالْكَذِبِ كَاذِبًا فيستوجب بِهِ من كل أحد الْقَضَاء عَلَيْهِ بالْكفْر فِي قَوْله الَّذِي يُرِيد بِهِ تثبيت كفر غَيره وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين آمنُوا ثمَّ كفرُوا ثمَّ آمنُوا ثمَّ كفرُوا﴾ وَلَو كَانَ فِي ذَلِك مَا ذكر لم يكن ليثبت لَهُم إِيمَان أبدا فَثَبت بِهِ فَسَاد قَوْلهم فَهَذَا فِي الْكفْر فَكيف فِيمَا دونه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وعَلى ذَلِك اخْتِلَاف الْأَحْوَال فِي الْخلق لَا يُوجب فَسَاد مضاداتها فِي غير تِلْكَ الْأَحْوَال وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
[ ٣٤٠ ]
وَهَذَا أَيْضا يلْزم الْمُعْتَزلَة فِي الْكَبَائِر ثمَّ الْعجب من هَؤُلَاءِ يثبتون لأَصْحَاب الْكَبَائِر اسْم أهل الصَّلَاة والقبلة وَسبب إِثْبَات هَذَا الإسم لَهُم الْإِيمَان بمحال زَوَاله على بَقَاء ذَلِك وَمَا بِهِ ثَبت قد زَالَ وَالله أعلم
وَقد روى فِي الْآيَة الْقِرَاءَة على أَن تجتنبوا كَبِير مَا تنهون عَنهُ وَإِن كَانَ الْمَعْرُوف ذَلِك فَإِنَّهُ قد يجوز إِرَادَة الْآحَاد بِحرف الْجمع فَلَا ننكر أَن تكون الْآيَة على ذَلِك يبين ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يكفر بِالْإِيمَان﴾ وَقَوله ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا﴾ وَقَوله ﴿وَمن يرتدد مِنْكُم عَن دينه﴾ وعَلى ذَلِك تَأْوِيل قَوْله ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ كَمَا قَالَ فِي هَذَا ﴿وَيكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾ فَيكون الْإِتْيَان بِحكم وَاحِد وَمَعْلُوم أَن لَا دَرك للمعتزلة والخوارج فِي أَحدهمَا فَكَذَلِك فِي الْأُخْرَى ثمَّ الأَصْل أَن قَوْله ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾ على قَول الْخَوَارِج كَأَنَّهُ قَالَ إِن تجتنبوا الْكفْر والشرك وعَلى قَول الْمُعْتَزلَة إِن تجتنبوا الْخُرُوج من الْإِيمَان نكفر عَنْكُم مَا ذكر فَلَا كَبِيرَة إِذن على قَوْلهم إِلَّا الْخُرُوج من الْإِيمَان فَصَارَت الْآيَة على قَوْلهم رَاجِعَة إِلَى خَاص وَهُوَ مَا يخرج عَن الدّين وَالْإِيمَان فَأبْطل ذَلِك قَوْلهم فِي دَعْوَى الْعُمُوم فِيهَا وألزم القَوْل بالخصوص فَمن قضى شَيْء دون شَيْء بِلَا بَيَان فَهُوَ متحكم وَفِي ذَلِك لُزُوم قَول الْحُسَيْن من الْوَقْف فِي جَمِيع مَا فِيهِ الْوَعيد وَبطلَان قَول من ذكر وَالله أعلم
[ ٣٤١ ]
ثمَّ الأَصْل أَن الله وعد على كثير من الْخيرَات وَعدا من غير ذكر اجْتِنَاب الْكَبَائِر مَعَه وأوعد على كثير من السَّيِّئَات وعيدا فِي مخرج الْعُمُوم كَمَا وعد على الْخيرَات فَمن وَجه الْآيَتَيْنِ جَمِيعًا إِلَى الْعُمُوم ألزم التَّنَاقُض فِي جَمِيع الْأَمريْنِ فِي وَاحِد وَذَلِكَ آيَة السَّفه
ثمَّ اضْطَرَبَتْ فِي ذَلِك الْأَقَاوِيل فَزَعَمت الْمُعْتَزلَة والخوارج أَن آيَات الْوَعيد أَحَق بِالْعُمُومِ لَهَا هِيَ أبلغ فِي الزّجر وَالْمَوْعِظَة وَزَعَمت المرجئة أَن آيَات الْوَعْد أَحَق فِي الْعُمُوم لِأَنَّهُ أَحَق بِالَّذِي عرف من صِفَات الله من الرَّحْمَة وَالْعَفو والغفران فَتَقَع عَن الْكَبَائِر والصغائر مَعَ مَا يشْهد لذَلِك قَوْله ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ﴾ مَعَ احْتِمَال الْوَعيد للمستحلين والوعد لَو وَجب التَّخْصِيص ليجب غَيره والوعيد لنَفسِهِ فَهُوَ أولى بِهِ بالخصوص مَعَ مَا شَرط الدَّوَام ليَقَع الْوَعيد وَذَلِكَ آيَة الْخُصُوص وَلَيْسَ ذَلِك فِي الْوَعْد فَيلْزم بِهِ الصّرْف إِلَى المستحلين أَو إِلَى أَن ذَلِك جَزَاؤُهُ لَوْلَا الَّذِي مَعَه من الْحَسَنَات فَيجب لَدَيْهَا الْمُقَابلَة أَو أَن ذَلِك جَزَاؤُهُ وَللَّه التفضل بِالْعَفو عَن ذَلِك بِمَا علم من رجائه برحمته وَعلمه بعظيم عَفوه فَلَا يحرمه ذَلِك بِمَا ظهر من فَضله وإحسانه الَّذِي بَعثه على الرَّجَاء وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه أَو يشفع فيهم الأخيار من عباده ويجيبهم فِي الإستغفار لَهُم إِذْ بعيد الإستغفار لَهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الأَصْل فِي ذَلِك أَن الله تَعَالَى ألزمهُ اسْم الْإِيمَان قبل إرتكابه مِمَّا ارْتكب وأزال عَنهُ اسْم الْكفْر بقوله ﴿قُولُوا آمنا بِاللَّه﴾ وَقَوله ﴿آمن الرَّسُول﴾ فَبين بِمَا يكون الْمَرْء مُؤمنا وَحرم على من يَقُول لمثله لست مُؤمنا بقوله ﴿وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام لست مُؤمنا﴾ وَبَين رَسُول الله حِين سَأَلَهُ جِبْرِيل
[ ٣٤٢ ]
عَن الْإِيمَان فَبين ذَلِك وحقق لَهُ اسْم الْمُؤمن بإتيان ذَلِك وَكَذَلِكَ أمرت أَن أقَاتل النَّاس إِلَى آخر مَا ذكر فَهَذَا الْآن مُؤمن بِالْكتاب وَالسّنة وَمَا أَجمعت عَلَيْهِ الْأمة وَمَا شهِدت لَهُ أهل اللُّغَة
ثمَّ اخْتلف فِي صَاحب الْكَبِيرَة لَا يزَال الَّذِي ذَلِك وَصفه بتعنت الْمُعْتَزلَة وتمرد الْخَوَارِج بل يدعى لَهُم بِمَا آثروا لأَنْفُسِهِمْ وَأَيِسُوا من رَحْمَة الله وَلم يرَوا الله فِي حكمته جَوَاز الْعَفو عَنْهُم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الْمعَانِي الَّتِي هِيَ للفسق والعصيان وَالظُّلم لَيست بمضادة للْإيمَان إِذْ الْفسق اسْم الْخُرُوج عَن الْأَمر وَجَائِز ذَلِك على أَقسَام ثَلَاثَة يخرج مِمَّا هُوَ أَمر إرشاد وَفرض وإعتقاد وَكَذَلِكَ الظُّلم إِذْ هُوَ اسْم لوضع الشَّيْء غير مَوْضِعه والعصيان إسم للْخلاف فَمن رتب الْكل فِي الْجَزَاء أَو فِي حَقِيقَة الْمَعْنى وَأَرَادَ أَن يزِيد اسْم الْإِيمَان بِكُل ذَلِك فنفسه يظلم ولدفع مَا فرق الله وَرَسُوله وَالْأَئِمَّة يتَعَرَّض وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقد تقدم بَيَان مَا لَهُ اسْم الْإِيمَان ثمَّ نذْكر بعض الَّذِي ذكره الكعبي لمذهبه من القَوْل الَّذِي اخْتَارَهُ وارتضاه ثمَّ الْحجَّاج لَهُ بِمَا يعلم من تَأمله مبلغه فِي دين الله وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
فَزعم أَن قَول أهل الْحق إِن كل طَاعَة من الْإِيمَان وَاسم الْإِيمَان يسْتَحق بِمَا يُوجب تَركه اسْم الْفسق قَالَ وَلَيْسَ قَوْلنَا مُؤمن بمشتق من الْفِعْل فَقَط لما لَا يُسمى بِهِ كل من يصدق أحدا وأطاعه وخضع لَهُ اسْما مُطلقًا وَلَا هُوَ أَيْضا اسْمه فَقَط إِذْ لَو كَانَ اسْمه لجَاز التَّسْمِيَة بِهِ لمن لَيْسَ هُوَ كَذَلِك كَمَا تسمى الْحَسْنَاء قبيحة وَإِذا لم يكن كَذَلِك ثَبت أَنه اسْم مُشْتَقّ من فعل ومدح فِي الدّين وإسمه للتفرقة
قَالَ الشَّيْخ ﵀ نقُول وَبِاللَّهِ نستعين قَوْله أهل الْحق كَذَا حق إِن لم يرد بقوله كل طَاعَة من الْإِيمَان غير أَنه من الْإِيمَان وَهُوَ كَمَا يَقُول
[ ٣٤٣ ]
كل نعْمَة من الله أَي بِهِ نيلت وَكَانَت وَكَذَلِكَ الْإِيمَان وَقَوله اسْم الْإِيمَان يسْتَحق بِكَذَا فقد نقضه حَيْثُ زعم أَن مَعَ صَاحب الْكَبِيرَة فعل لَكِن لَا يُطلق لَهُ الإسم وَوصف فِي هَذَا مَا ذكر وَذَلِكَ عِنْده فِي التَّحْقِيق اسْم الْمُؤمن لَا اسْم الْإِيمَان إِذْ يحققه بِدُونِهِ وَلَا يُسَمِّيه بِهِ فَبِهَذَا مبلغ علمه بقوله وَقَوله لَيْسَ باسم مُشْتَقّ من فعله عَجِيب إِذْ حقق لفعله ذَلِك الِاسْم ثمَّ منع التَّسْمِيَة بِهِ وَذَلِكَ يُوجب جَوَاز كل أحد بِغَيْر اسْم فعله فِي الْحَقِيقَة وَمنع التَّسْمِيَة بِهِ وَفِي وَذَلِكَ لُزُوم اسْم كل فَاعل غير فَاعل وكل من لَيْسَ بفاعل فَاعِلا وَكَذَا ذَا فِي الْحَرَكَة وَنَحْو ذَلِك وَمَا قَالَ من قَوْله صدق كَذَا لَا يُسمى بذلك وَاتبع ذَلِك قَوْله أجمع أهل الْملَّة تخطئة من فعل ذَلِك كذب من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه قَالَ لَا يُطلق لَهُ الِاسْم بل هُوَ مُطلق لَهُ لَكِن لَا يعرف مَا براد بذلك الْإِيمَان فَلهَذَا يجب تثبيته لَا لِأَن ذَلِك لَيْسَ باسم لَهُ وَكَذَلِكَ لَا يُقَال أطَاع فلَان مُطلقًا بِمَا أطَاع أحد من حَيْثُ لَا يعرف المُرَاد لَا لِأَنَّهُ لم يسْتَحق بِفِعْلِهِ الْإِطْلَاق وَلكنه طَاعَة من لَا يعرف الْأَمر بِهِ وَكَذَلِكَ الْإِيمَان فَإِذا صَار إِلَى الْمعرفَة لزم القَوْل وَكَذَلِكَ لَا يُقَال فلَان مُصدق أَو مكذب بِمَا كَانَ مِنْهُ ذَلِك فِي أحد حَتَّى يتَبَيَّن ثمَّ كل من كفر بِاللَّه يُقَال مكذب لما عرف حَقِيقَته فَمثله الْمُؤمن وَالله الْمُوفق
وَكَذَلِكَ حكايته عَن أهل الْملَّة وَالْعجب مِنْهُ لَا يزَال يرْوى فِي هَذَا الْكتاب عَن الْأمة فِي أَشْيَاء لَعَلَّ وجوده عَن وَاحِد مِنْهُ يعسر فضلا عَن الْأمة وَيجْعَل ذَلِك دريعة لباطله كَأَنَّهُ آمن أَن يتأمله من لَهُ لب أَو أحد مِمَّن ينازعه فِي الْمَذْهَب وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَوله لَيْسَ باسم لَهُ فَيُقَال لَهُ لَو لم يكن الإسم لتحقيق الْفِعْل لم يكن ليمنع جعله اسْمه لكنه فِي جعله تلبيس أَنه سمى بِهِ بِحَق الإسم أَو بِحَق
[ ٣٤٤ ]
حَقِيقَة الْفِعْل وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا عَلَيْهِ أَمر الْأَسْمَاء المشتقة عَن الْأَفْعَال إِن لم تجْعَل إسمه لمن لَيْسَ لَهُ حَقِيقَة إِلَّا على الْمجَاز والهزؤ بِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ قَالَ لَا نقُول فِي الْفَاسِق عِنْد التَّحْقِيق إِنَّه لَيْسَ بِمُؤْمِن بل لَا نُسَمِّيه بِهِ فَيُقَال لَهُ هُوَ فِي التَّحْقِيق مُؤمن أَو لَيْسَ بِمُؤْمِن أَو لَا مُؤمن وَلَا كَافِر فَإِن قَالَ بِالْأولِ فَهُوَ رجل دَعَتْهُ نَفسه إِلَى تكذيبها فِيمَا هِيَ لَيست بكاذبة فأطاعها فَحق مثله الإغضاء عَنهُ لِأَنَّهُ دون كل مقلد فَإِن قَالَ بِالْوَجْهَيْنِ الآخرين فقد أكذب نَفسه فِيمَا حكى عَنْهَا وَالله الْمُوفق
ثمَّ اسْتدلَّ على تَسْمِيَة جَمِيع الطَّاعَات إِيمَانًا بِمَا هِيَ من الدّين عِنْد الْجَمِيع وَبِقَوْلِهِ ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا﴾ وَقد بَينا بعد من تعلق بِالْآيَةِ عَن حَقِيقَتهَا مَعَ مَا لَا ريب أَن مبتغى شَيْء من الْعِبَادَات على الْإِشَارَة إِلَيْهَا بِلَا إعتقاد الْإِسْلَام دينا غير مَقْبُول مِنْهُ وَإِنَّمَا تقبل كل عبَادَة بدين الْإِسْلَام ثَبت أَنه اسْم عبَادَة مشار إِلَيْهَا بهَا يقبل كل عبَادَة ولقوتها يرد وَهَذَا معنى قَول الْجَمِيع من الدّين وَلَا كل شَيْء يُضَاف إِلَى شَيْء بِأَنَّهُ مِنْهُ يجب لَهُ اسْمه قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا بكم من نعْمَة فَمن الله﴾ لَا أَنَّهَا هِيَ هُوَ بل فِي ذَلِك دَلِيل على غيرية الدّين حَتَّى يُضَاف إِلَيْهِ فَأَقَامَ بِهِ بعد الْفَرَاغ مِنْهُ وَالله الْمُوفق
ثمَّ احْتج بقوله ﴿وَبشر الْمُؤمنِينَ بِأَن لَهُم من الله فضلا كَبِيرا﴾ وَنَحْو ذَلِك من الْوَعيد للْمُؤْمِنين باسم الْمُطلق ثمَّ لم يكن ذَلِك لمرتكب الْفسق فِيهِ وَقد أجمع على عُمُوم الْوَعْد وَإِن اخْتلف فِي عُمُوم الْوَعيد
قَالَ الشَّيْخ ﵀ نقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق دَعْوَاهُ الْإِجْمَاع فِي عُمُوم آيَات
[ ٣٤٥ ]
الْوَعْد كذب لَا يزَال يَجعله مفزعا لنَفسِهِ فِي كل نائبة وَقد قَالَ الله ﴿فأثابهم الله بِمَا قَالُوا جنَّات﴾ وَلَيْسَ يجب مثله لِلْقَوْلِ خَاصَّة فِي قَول الْجَمِيع فَثَبت بِهِ كذبه فِي الْحِكَايَة ثمَّ لما اسْتدلَّ بِالْآيَاتِ أجوبة ثَلَاثَة أَحدهَا الْإِخْبَار عَن مُنْتَهى الْأَحْوَال وَإِلَى ذَلِك مرجع كل مُؤمن وَالثَّانِي أَن يكون الْوَعْد للَّذين حققوا الْإِيمَان بأخلاقه وَمَا دله عَلَيْهِ وَجَائِز تَسْمِيَة أحد بِشَيْء ذَلِك اسْم لأمر تتصل بِهِ أُمُور عِنْد جَمِيع تِلْكَ الْأُمُور وَيجوز عِنْد إِقْرَار الإسم بِالَّذِي بِهِ سمى وَالله أعلم وَالثَّالِث أَن يكون لَهُ ذَلِك الْجَزَاء وَمَا يُعَاقب بِهِ فَهُوَ يُعَاقب بحقوقه وَلَيْسَ الَّذِي يُصِيبهُ بِحَق دينه مقصر عَنهُ حق دينه مَعَ مَا بَين الله أَن لَهُ من الله فضلا كَبِيرا ليعلم أَن الْجَزَاء لِلْخَيْرَاتِ مِنْهُ أفضال وَمَا كَانَ حِكْمَة الأفضال فَإلَى من يقوم بِهِ ذَلِك من اخْتِيَار أَحْوَال وأوقات
ثمَّ تكلّف نصب قَول للمرجئة بِمَا يعلم كل متأمل فِيهِ مِمَّن قد عرف مذاهبهم كذبه فِيهِ ليَكُون لَهُ سَبِيل الطعْن عَلَيْهِم تركت ذكره لقلَّة النَّفْع فِيهِ إِذْ هُوَ كذب ثمَّ قَالَ إِذْ ثَبت بمتفق القَوْل على أحد الْوَعيد الْفَاسِق إِن مَاتَ قبل أَن يَتُوب بَين أهل الإرجاء وَأَن يجوز أَن يكون هُوَ الْمَعْنى بِهِ وَيجوز أَن لَا يكون إِلَّا مَا قَالَ مقَاتل إِنَّه من أهل الْوَعْد لَا محَالة وَلَا يتْرك لمثله الْإِجْمَاع إِنَّه لَيْسَ بِمُؤْمِن فَيُقَال لَهُ لَو كَانَ بِالَّذِي ذكرته يثبت الَّذِي ادعيت فَإذْ كَانَ القَوْل عَنْهُم هُوَ ضد مَا حكيت يفْسد مَا ادعيت ثمَّ أَكثر المنتسبين إِلَى الإرجاء يُنكر الْوَعيد أَن يكون فِي غير المستحلين مَعْرُوف ذَلِك بَينهم فَهُوَ يُوضح مَا ادعينا عَلَيْهِ من الْكَذِب فِي الْحِكَايَة وَالله أعلم
[ ٣٤٦ ]
ثمَّ أَكثر أسئلة لَا يسْأَل عَنْهَا وَلَا أجَاب بأجوبة يرتضى بهَا من لَهُ أدنى فهم فتركتها لقلَّة النَّفْع فِي ذكرهَا وَالله الْمُوفق
ثمَّ زعم أَن ترك الصَّغَائِر إِيمَان لما يُعَاقب عَلَيْهَا لَو لم يجْتَنب الْكَبَائِر فَيُقَال لَهُ إِذا يجب أَن يكون إِيمَانًا عِنْد ارْتِكَاب الْكَبَائِر وَلما يعذب على ضد ذَلِك وَلَيْسَ بِإِيمَان إِذا اجْتنب وَذَلِكَ غَايَة الْحيرَة
ثمَّ احْتج بهَا بِمَا لَا يجوز عِنْد الْأمة الإستغفار لِلْفَاجِرِ فَيُقَال لَهُ مَا يعْنى بالفاجر الْكَافِر أَو الَّذِي يرتكب كَبِيرَة فِي حَال إِيمَان بِلَا استحلال فَإِن قَالَ بِالْأولِ حاد عَن الإعتدال وَإِن قَالَ بِالثَّانِي كذب على الْأمة وَجعله دَلِيلا لاستحقاقه الخلود فِي النَّار بِمَا ظهر من صَنِيعه فمبذول لَهُ مَا تمنى فِي نَفسه ثمَّ عَلَيْهِ فِيهِ أَمْرَانِ أَحدهمَا إِطْلَاق الإسم بِالْفُجُورِ مرّة وَهُوَ فِي حَالَة فِيهِ وَلَا فعل فجور يجوز إِطْلَاق الإسم بِالْإِيمَان وَهُوَ فِيهِ وَمَعَهُ حَقِيقَة فعله بِالسَّمْعِ وَالْعقل جَمِيعًا بل لَا يجوز إِطْلَاق اسْم الْفُجُور حَتَّى يبين وَجَائِز ذَلِك فِي الْإِيمَان بِمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآن وَاتفقَ عَلَيْهِ أهل اللِّسَان وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالثَّانِي أَنه صرف اسْتِغْفَار الْأَنْبِيَاء والأولياء إِلَى مَا هُوَ مغْفُور وَذَلِكَ كتمان نعْمَة الغفران وإعراض عَن الشُّكْر فِيمَا ذَلِك حَقه وَذَلِكَ بعيد مُمْتَنع وَالله الْمُوفق
ثمَّ احْتج بِآيَة الْقَذْف إِن الله أخبر أَنه ملعونون بِلَا ذكر استحلال وَغَيره وَلَا يكون الملعون مُؤمنا بقول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِنَّمَا فِي الْآيَة لعنة الله عَلَيْهِ إِن كَانَ كَذَلِك وَلَيْسَ فِيهَا أَن الله سَمَّاهُ ملعونا فَأول مَا فِي اعتلالك أَن كذبت على الْقُرْآن ثمَّ كَيفَ ألزمته اللَّعْنَة بقوله ﴿أَن لعنة الله عَلَيْهِ إِن كَانَ من الْكَاذِبين﴾ وَلم يلْزمه اسْم الْإِيمَان وَهُوَ يَقُول بِهِ ويحقق أَيْضا أَنه رد أحد اللعنتين إِلَى الْحَد
[ ٣٤٧ ]
فَكَذَلِك الآخر على أَن الْآيَة نزلت فِي الْمُنَافِقين بقوله ﴿فَأُولَئِك عِنْد الله هم الْكَاذِبُونَ﴾ وَلَا كل قَاذف كَذَلِك وَجُمْلَة ذَلِك أَن من اجترى على ذَلِك القَوْل واستخف بمقت الله ولعنه حلت بِهِ وَالْأَصْل أَن الْكفْر هُوَ الطَّرْد وَلَا كل مطرود بارتكاب مأثم وَلَا يقبل لَو عذب قدر مَا اسْتوْجبَ وَلَا كل من يَقُول عَلَيْهِ لعنة الله يَسْتَحِقهَا وَلَو كَانَ أحد يَسْتَحِقهَا كَانَ أحقها بهَا صَاحب هَذَا القَوْل إِذْ هُوَ مَعْلُوم أَنه كَانَ يتعاطى الْفسق وَيخْتَلف إِلَى الْأَئِمَّة الحائرة وكل ذَلِك على مذْهبه يُوجب اللَّعْن حَقِيقَة وَمَا فِي الْآيَة قَول اللَّعْن لَا حَقِيقَة الْوُقُوع وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ احْتج بقوله ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله﴾ فِي تعطل الْحُدُود وَقد ذكر فِي مثله الخلود فِي النَّار من غير ذكر كَبِيرَة وَلَا صَغِيرَة فَإِن كَانَ ذَا على التَّأْوِيل فَمثله الأول مَعَ مَا قَالَ الله فِي مثله ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ فَذَلِك أَيْضا فِي تَعْطِيل الْحُدُود وَهُوَ يَأْتِي القَوْل بِهِ وَيصرف الْآيَة إِلَى الإستحلال فَمثله الَّذِي ذكر وَمثله فِي احتجاجه بقوله ﴿أضاعوا الصَّلَاة﴾ مَعَ مَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة﴾ وَمَا ذكر من الْأُخوة والتحلية وَاجِب بِالْقبُولِ دون الْفِعْل فَكَذَلِك الإضاعة تكون بِالرَّدِّ دون التَّأْخِير وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مَا لكم من ولايتهم من شَيْء﴾ وَقَالَ ﴿وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام لست مُؤمنا﴾ ثَبت أَن الَّذِي يَقُوله لَا يزِيل الْإِيمَان وَلَا إسمه وَالله أعلم
[ ٣٤٨ ]
وَقد احْتج بقوله ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة﴾ لَكنا بَينا أَن ذَلِك فِي حق الْقبُول إِذْ لَو ينْتَظر الْفِعْل بِهِ لَكَانَ لَا يجب الْأُخوة أبدا وَلَا يخلى سبيلهم وَفِي الأعياء إِلَى حول وَذَلِكَ مِمَّا لَا معنى لَهُ وَقد بَينا أَمر الْهِجْرَة وَأَنَّهَا كَانَت من الْفَرَائِض الَّتِي جَاءَ فِي التَّخَلُّف عَنْهَا الْوَعيد الشَّديد ثمَّ قد أثبت إسم الْإِيمَان مَعَ عدم ذَلِك وَالله أعلم
وَاحْتج بقوله ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا﴾ وَقَوله ﴿أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ وَمَا ذكر فِي أكل مَال الْيَتِيم فَأَما الْقَتْل الْعمد فَلهُ أوجه ثَلَاثَة أَحدهَا أَن يكون فِيمَن تعمد الْقَتْل لدينِهِ وَهَذَا أحد وُجُوه الْخَطَأ فِي الْقَتْل وَالله أعلم وَالثَّانِي أَن يكون ذَلِك جَزَاؤُهُ وَللَّه التفضل عَلَيْهِ بِالْعَفو والمقابلة بِالْحَسَنَاتِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَالثَّالِث أَن تكون الْآيَة فِي الْكَفَرَة وَفِي الْقِصَّة دَلِيل ذَلِك
ثمَّ دَلِيل مَا بَينا قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الْقصاص﴾ وَإِنَّمَا يكْتب عَلَيْهِم إِذا قتلوا قتل الْعمد وَأبقى لَهُم بعد الْقَتْل الْإِيمَان ثمَّ قَالَ ﴿فَمن عُفيَ لَهُ من أَخِيه شَيْء﴾ فأبقى لَهُ اسْم الْإِخْوَة ثمَّ قَالَ ﴿ذَلِك تَخْفيف من ربكُم وَرَحْمَة﴾ أطمعه فِي رَحمته جلّ وَعلا وبعيد أَن يكون لَهُ مَعَ هَذَا خُلُود فِي النَّار
ثمَّ رأى الْمُعْتَزلَة فِي ذَلِك إِلْزَام الْقصاص بعد التَّوْبَة وَإِزَالَة عُقُوبَة الْآخِرَة
[ ٣٤٩ ]
وَصرف الْآيَة وَإِن كَانَ فِيهَا ذكر الْإِيمَان إِلَى الْخُرُوج مِنْهُ وَذَلِكَ تَخْصِيص مَا ذكر من أكل المَال بِالْبَاطِلِ فَكل يجمع على التَّخْصِيص إِذْ ذَلِك اسْم يَأْخُذ الْقَلِيل وَذَلِكَ غير مُرَاد فِيهِ وَكَذَلِكَ أَمْوَال الْيَتَامَى وَالثَّانِي أَنه ذكر فِيهِ عُدْوانًا وظلما وَذَلِكَ على الْعَذَاب على حد الله وَالظُّلم على صَاحبه مَعَ احْتِمَال ذَلِك مَا ذكرنَا فِي الْقَتْل ثمَّ يُقَال لَهُم الْآيَة الَّتِي فِيهَا ذكر الْإِيمَان أتزيله أَو تبقيه فَإِن أزاله فقد أقرّ بالتخصيص وَإِن أبقاه رَجَعَ إِلَى رأى من نسبهم إِلَى الإرجاء وَالله الْمُوفق
ثمَّ قَالَ إِن الَّذِي قَالَ امتحن رَسُول الله لأعرف أَنه رَسُول الله فأرد عَلَيْهِ بعد الْمعرفَة فَعرف صدقه إِنَّه لَا يكون بِتِلْكَ الْمعرفَة مُؤمنا دلّ أَن إِطْلَاق الإسم لَيْسَ على مَا كَانَ فِي اللُّغَة
قَالَ الْفَقِيه ﵀ فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق مَا أعظم جَهله إِذا أثبت ألإسم فِي اللُّغَة كَأَنَّهُ قَالَ أطلقته اللُّغَة وَأَنا أمْنَعهُ فَهُوَ إِذا يكذب نَفسه عِنْد جَمِيع ذَلِك إسمه مَعَ مَا فِيهِ إِيجَاب أَن الله قد مَنعهم عَن الْعَمَل بِمَا عرفهم والزمهم الْعَمَل بِمَا جهلهم ذَلِك جلّ الله عَن هَذَا الْوَصْف
ثمَّ الْمعرفَة لَيست بِإِيمَان وَإِن سميت مجَازًا كَمَا يُسمى فضل الله وَرَحمته بِمَا هِيَ تَدْعُو إِلَى التَّصْدِيق وَمَا ذكر كُله خيال لَا معنى لَهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ اسْتدلَّ على منع اسْم الْإِيمَان بِمَا جعل الله لما أطلق لَهُ اسْم الْإِيمَان أحكاما منعت مِنْهُ وَاسم الْكفْر أحكاما لمن يقرن بِهِ فَيُقَال لَهُ مَا الدَّلِيل على أَن الَّذِي أوصيت إِلَيْهِ من الْأَحْكَام لإِطْلَاق دون معَان تتصل بِهِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا ثمَّ قَالَ مِنْهَا التَّعْظِيم والتزكية والموالاة وَقبُول الشَّهَادَة فَيُقَال مَا الدّلَالَة على أَن كل هَذَا لإِطْلَاق الإسم خَاصَّة دون تَحْقِيقه بالشرائط المضمومة إِلَيْهِ والعادات الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا الْإِيمَان
وَبعد فَإِن ولَايَة الْإِيمَان لَازِمَة وَجَمِيع مَا منع مِنْهُ منع بِحَق الْإِيمَان الَّذِي
[ ٣٥٠ ]
فِيهِ إِذْ حَقِيقَته فِيهِ منعنَا عَمَّا ذكر مَعَ مَا كَانَ الثَّابِت مِمَّا فِيهِ الْحُدُود وَالْقصاص يثبت لَهُ الْولَايَة وَيجب لَهُ الشَّهَادَة وَجَمِيع مَا ذكر وَتقبل وَيحد على ذَلِك وَلم يكن لأحد نفى الإسم بِمَا عفى عَن عَذَاب الله بل ذَلِك كُله كَمَا قَالَ ﷺ فقد عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وأيد ذَلِك قَوْله ﴿وَلَا تأخذكم بهما رأفة فِي دين الله﴾ إِنَّه لَو كَانَ الْإِيمَان زائلا عَنهُ لكَانَتْ الرأفة لَا تَأْخُذهُ بل رأفة الْإِيمَان هِيَ الَّتِي تَأْخُذهُ حَتَّى لَعَلَّهَا تبلغ إِلَى تَعْطِيل الْحَد فحدد ذَلِك وأيد ذَلِك مَا لَو تَابَ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَإِقَامَة الْحَد من الرَّحْمَة لِأَنَّهُ يكفره ويزيل عَنهُ وَالْأَصْل أَن عقوبات الْكفْر لَا تطهر صَاحبهَا بل تسلمه إِلَى عَذَاب الْأَبَد كَقَوْلِه ﴿أغرقوا فأدخلوا نَارا﴾ وَالْحُدُود وَالْقصاص جعلت كَفَّارَات فَثَبت أَنَّهَا جعلت كَذَلِك لم يزل الْإِيمَان عَنهُ وَالله أعلم
ثمَّ نقُول إِذْ الله يقسم الْأَحْكَام أقساما ثَلَاثَة من حَيْثُ الإنقسام من اسْم الْكفْر وَالْإِيمَان وَمَا لَيْسَ بِكفْر وَلَا إِيمَان حَتَّى إِذا زَالَ حكم ذَلِك عَنهُ لزم الواسط فَمَا الدَّلِيل على أَن ثمَّة وَاسِط فِي الْأَسْمَاء بل الله قسم فِي الْجُمْلَة الْبشر الْمُحْتَمل للْعلم قسمَيْنِ فِي أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة جَمِيعًا فَمن زَاد عَلَيْهِ فَهُوَ الْمُبْدع فِي دين الله مالم يُؤذن لَهُ وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ من آوى مُحدثا فَعَلَيهِ لعنة فَكيف بِمن هُوَ الَّذِي أحدث الْحَدث فنسأل الله الْعِصْمَة
وَاحْتج بِمَا لَيْسُوا بكفرة بآيَات قتال الْكَفَرَة وَأخذ الْجِزْيَة وَنَحْو ذَلِك بِمَا لَيْسُوا بمؤمنين بأيات الْبشَارَة وَالْولَايَة وَنَحْو ذَلِك فَبِهَذَا خرج عَن جملَة قَول الْمُؤمنِينَ
[ ٣٥١ ]
كَأَنَّهُ أغفل عَن جملَة أُخْرَى لَهُم وَهُوَ أَن الْبشَارَة عِنْد من يرى صَاحب الْكَبِيرَة مُؤمنا كَانَت بشريطة أَو كَانَت هِيَ الْعَاقِبَة
وَعند الْخَوَارِج كَانَ الحكم فِي الْكَفَرَة على نَوْعَيْنِ أَحدهمَا على الْقَتْل وَأخذ الْجِزْيَة وَالْآخر لَا كالنساء وَأهل النِّفَاق وَنَحْوهم فِيمَن رام أَن يَجْعَل ثمَّة واسطا فِي الْأَحْكَام بِمَا هِيَ عِنْد الْفَرِيقَيْنِ يلْزم لَا بِمَا ذكر من الواسط أغفل عَن جملَة قَول الْأمة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
مَعَ مَا كَانَ الله تَعَالَى قد بَين الْأَقْسَام الثَّلَاثَة الْكَفَرَة وَالْمُؤمنِينَ وَأهل النِّفَاق وهم المذبذبون بَينهمَا وَأخْبر أَنهم لَيْسُوا من هَؤُلَاءِ وَلَا من هَؤُلَاءِ فَمن رام تثبيت الواسط لَا على مَا جَاءَ بِهِ النَّص وَأَرَادَ أَن يَجعله مُقَابلا لَهُ على نفى الْحَقِيقَة الَّتِي جعل الله لَهَا الواسط فقد ضيع حُقُوق الْقِسْمَة وَنقض التَّرْتِيب الَّذِي جَاءَ بِهِ الْقُرْآن فاستوجب المقت بِهِ من جَمِيع منتحلي الْإِسْلَام وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ عَارض نَفسه بِالْمَرْأَةِ فَزعم أَنَّهَا مَخْصُوص وَهَذَا النَّوْع من الخيال بل أَحْكَام الْكفْر مُخْتَلفَة لَا يسْتَدلّ بهَا على شَيْء وَقد رَأَيْته أطنب فِي معارضات الْخَوَارِج وتكلف الْخُرُوج مِمَّا قابلوه بِهِ مِمَّا يعلم كل من تَأمله أَنه لم يُحَقّق مَا رام الرَّامِي وَلَا تخلص مِمَّا قوبل بِهِ حق التَّخَلُّص فأغضيت عَن ذكره
ثمَّ احْتج بنفى اسْم الْكفْر وَالْإِيمَان عَن صَاحب الْكَبِيرَة إِن المرجئة والخوارج اتَّفقُوا على أَن اسْم الْإِيمَان لَا يُوجد بِالْقِيَاسِ مِمَّا أوجبته اللُّغَة وَإِنَّمَا كَانَ من جِهَة السّمع فَلَا تجوز التَّسْمِيَة بِوَاحِد إِلَّا بالتواتر بِالسَّمْعِ أَو الْإِجْمَاع وَزعم أَن هَذِه حجَّة كَافِيَة
قَالَ الشَّيْخ ﵀ نقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق كذب فِي الْحِكَايَة عَمَّن بلغ ذَلِك بل هم أَجمعُوا على تَحْقِيق الإسم بِمَا أوجبته اللُّغَة لَكِن الْخَوَارِج استدلت بإرتكاب الْكَبِيرَة على كذبه فِيمَا أظهر من التَّصْدِيق بقوله ﴿أَحسب النَّاس﴾
[ ٣٥٢ ]
والمرجئة زعمت أَن الإستدلال لظُهُور الصدْق وَالْكذب فِي الْغَالِب لَا أَن التَّصْدِيق فِي الْحَقِيقَة لَا يكون دونه وَالْإِيمَان هُوَ ذَلِك التَّصْدِيق فِي الْحَقِيقَة لَو كَانَ لَيْسَ فِي الْكَبِيرَة نَفْيه وَلَا فِي إبقائها بِحَقِيقَة فِي حق الْوُجُود وَإِن كَانَ فِي حق الدّلَالَة على الْمُسْتَدلّ وَالله أعلم فَحصل إِذا القَوْل مِنْهُم على مَا توجبه اللُّغَة وَظهر كذبه فِي الْحِكَايَة ثمَّ الْأمة كَانَت قبل حُدُوث الإعتزال وَأَهله على قَوْلَيْنِ فِي صَاحب الْكَبِيرَة على أَنه مُؤمن فَاسق أَو كَافِر فَاسق ليعلم وَجه كفره عِنْد من يرَاهُ كَافِرًا وَوجه فسقه عِنْد من يرَاهُ فَاسِقًا وَذَلِكَ مَا يُقَال حرَام مَكْرُوه وحلال مَكْرُوه ليعلم أَن الْحُرْمَة هِيَ بَيَان أخف الحرمتين وَهِي حُرْمَة الْكَرَامَة لَا حُرْمَة الْإِطْلَاق وَإِن الْحل لَيْسَ هُوَ حل الإيثار وَالرَّغْبَة بل فِيهِ بعض مَا يُورث الشّبَه فَمثله أَمر الْأمة فِيمَا ذكرت ثمَّ اسقطت الْمُعْتَزلَة أحد الأسمين وَهُوَ الَّذِي يعرف معنى التَّنَازُع وألزم الآخر على الإتفاق فِي منع ذَلِك مُطلقًا دون معرفَة حَقِيقَته فخالفوا بذلك الْأمة وَهَذِه حجَّة مقنعة لمن تصح نِيَّته لله وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ عَارض نَفسه بأنك اتبعت الإسم الْأَحْكَام هلا فرقت بَين أَصْحَاب الْكَبَائِر بِمَا اخْتلفت أَحْكَامهَا مهما قَالَ أفعل فأسمى هَذَا سَارِقا وَهَذَا قَاذِفا فَيُقَال فَإذْ سميته فَاسِقًا مَعَ تَحْقِيق اسْمه الَّذِي بِهِ فسق وَلم تمنع عَنهُ اسْم فعله مِمَّا بالك منعت عَن الْمُؤمن اسْم الْإِيمَان الَّذِي هُوَ لَهُ مُسْتَحقّ لفعله إِلَّا أَن توسع التَّسْمِيَة بِمَا يقبح من الْفِعْل وَيمْنَع بِمَا يحسن وَذَلِكَ جور فِي الْفِعْل
ثمَّ اسْم الْفسق لم يجب بجلد الثَّمَانِينَ وَلَكِن بالموالاة والتعظيم وَهَذَا بَين الحيد عَن تَقْدِير الْمعَارض لَهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ وَالله أعلم أَن الْأَسْمَاء لم تقدر عَن الْأَحْكَام بِوُجُود الإختلاف فِي الْأَحْكَام على الإستواء فِي الْأَسْمَاء وَبِذَلِك كَانَ تَقْدِيره فِي الإبتداء وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الْمُوَالَاة والتعظيم متفاوت على تفاضل الْمنَازل والدرجات فِي الْمنَازل فِي الدّين كالرسل ثمَّ الْأَئِمَّة ثمَّ الْعلمَاء ثمَّ الْمُؤمنِينَ وعَلى ذَلِك لَازم الْأَمْرَانِ جَمِيعًا فِي الدّين ارتكبوا الْكَبَائِر على قدر مَا أُوتُوا من الْحَسَنَات والمقت بِمَا أُوتُوا من السَّيِّئَات
[ ٣٥٣ ]
فَمن رام دفع مَا جَاءَ بِهِ من الْخيرَات بسيئات لسن بأضداد لَهُنَّ فَهُوَ جَائِز فِي الحكم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ احْتج بِالْآيَةِ الَّتِي فِيهَا ﴿يَوْم لَا يخزي الله النَّبِي وَالَّذين آمنُوا مَعَه﴾ فِي صَاحب الْكَبِيرَة إِنَّه لَو كَانَ مُؤمنا لَكَانَ لَا يعذب وَلَا يوعد عَلَيْهِ وَالْآيَة ترجع إِلَى وُجُوه أَحدهَا أَن لَا يجْزِيه عَن شَفَاعَة رَسُول الله بل يشفعه فِيهِ وينجيه بهَا وَالثَّانِي أَن يكون ذَلِك عِنْدَمَا يَقُول لَهُم تواهنوا مظالمكم وعَلى معذرتكم وَالثَّالِث أَن يكون لَا يجزيهم خزى الْكَفَرَة من الخلود فِي النَّار إِذْ هُوَ أَنْوَاع كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَيْسَ لَهُم طَعَام إِلَّا من ضَرِيع﴾ وَقَالَ فِي مَوضِع ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْم هَا هُنَا حميم وَلَا طَعَام إِلَّا من غسلين﴾ على اخْتِلَاف الدركات فَمثله على إختلاف الْأَوْقَات وَيحْتَمل لَا يجزى أَي لَا يفضح فيهتك ستره وَذَلِكَ كَذَلِك فِي كل مُؤمن
ثمَّ الَّذِي ينْقض على الْمُعْتَزلَة إبتداء الْآيَة وَهُوَ قَوْله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَة نصُوحًا﴾ ألزمهم التَّوْبَة وَجعلهَا شرطا للمغفرة على إبْقَاء اسْم الْإِيمَان لَهُم والصغائر مغفورة بإجتناب الْكَبَائِر على قَوْلهم ثَبت أَن الْآيَة فِي أَصْحَاب الْكَبَائِر وَقد بقى لَهُم اسْم الْإِيمَان وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالدَّلِيل على أَن اسْم الْإِيمَان لَا يَزُول بِزَوَال الْعَدَالَة قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا شَهَادَة بَيْنكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت حِين الْوَصِيَّة اثْنَان ذَوا عدل مِنْكُم﴾ وَلَو كَانَ كل مُؤمن عدلا لَكَانَ يَقُول إثنان مِنْكُم إِذْ كَانَ ابْتِدَاء الْآيَة فِي مُخَاطبَة الْمُؤمنِينَ ثَبت أَن قد يكون مُؤمنا عدلا وَغير عدل وَقَالَ
[ ٣٥٤ ]
الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تداينتم بدين﴾ إِلَى قَوْله ﴿مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء﴾ فَلَو كَانَ كل مُؤمن مرضيا لم يكن للشّرط فَائِدَة وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَأشْهدُوا ذَوي عدل مِنْكُم﴾ ثَبت أَن الْمُؤمن يكون عدلا وَغير عدل وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم﴾ ثَبت أَنه قد يكون مِنْهُم رشيد وَغير رشيد وَلَو كَانَ كل مُؤمن عدلا وكل من لَيْسَ بِعدْل لَيْسَ بِمُؤْمِن لَكَانَ لَا شَهَادَة ترد بِالْفِسْقِ بعد الإمتحان وَلَا يجوز السُّؤَال عَن الْأَحْوَال ليعلم بهَا الْعَدَالَة وَالْفِسْق بل على الْمَكَان الَّذِي يسْأَل عَمَّا عَلَيْهِ من الْإِيمَان فِي ذَلِك ويمكنه الْوَفَاء فَيجب قبُول شَهَادَته بِلَا سُؤال عَنهُ وَلَا اعْتِبَار بأحواله وَفِي إِجْمَاع الْأمة على الفحص عَن الْأَحْوَال وَترك النُّزُول على مَا يظْهر من الْأَمْوَال الَّتِي يَكْتَفِي بهَا فِيمَا كَانَ شرائطها الْإِيمَان من الْحل وَالْحُرْمَة والتوارث ثمَّ الْعِبَادَات دَلِيل يبين أَن الْإِيمَان وَمَا بِهِ يصير الْمَرْء مُؤمنا ويستوجب أَحْكَامه لَيْسَ هُوَ كل مَا يبْقى أَنْوَاع الفسوق والعصيان ولاقوة إِلَّا بِاللَّه
وعَلى ذَلِك معنى أَمر هَذِه الْأمة فِي تعاهد الصَّلَوَات فِي الْجَمَاعَات وَالصِّيَام وَإِخْرَاج الزكوات على مَا هم عَلَيْهِ من الإختلاف فِي هتك الحرمات والإنهماك فِي الْمعاصِي ثَبت بِالَّذِي عَلَيْهِ الْأمة عدُول الْمُعْتَزلَة والخوارج عَن الْحق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ نذْكر مَا ذكر الكعبي فِيمَا احْتج عَلَيْهِ من الْقُرْآن بالحيل المستبعدة ليصرف عَن نَفسه وإتباعه اسْم الْإِيمَان وَيُوجب الْإِيَاس عَن رَحْمَة الله والإختيار لعداوته بكبيرة كَأَنَّهُ بِهِ يحصل على نفع فِي الدُّنْيَا وَحمد فِي الدّين وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٣٥٥ ]
فَقَالَ لمن احْتج عَلَيْهِ بقوله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَة﴾ وَالتَّوْبَة لَا تكون إِلَّا عَن ذَنْب بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن التَّوْبَة عَن الصَّغِيرَة وَإِن كَانَت مغفورة وَالثَّانِي على التَّعَبُّد كتكرار التهليل وكدعاء الْمَلَائِكَة بقوله ﴿فَاغْفِر للَّذين تَابُوا﴾
نقُول لَهُ الْوَجْه الأول دلّ على جَهله بِمَعْنى التَّوْبَة إِذْ هِيَ الرُّجُوع والندم ومحال ذَلِك عَمَّا لَيْسَ عَلَيْهِ وَهُوَ مغْفُور لَهُ لَا يجوز عَلَيْهِ التعذيب وَالثَّانِي إِن حق عَلَيْهِ إِذا غفر لَهُ الْحَمد لَهُ وَالشُّكْر على الْعَفو وَفِي التَّوْبَة كفران ذَلِك لِأَنَّهُ يُوهم بَقَاءَهُ بِالتَّوْبَةِ وَالثَّالِث أَنه قَالَ ﴿عَسى ربكُم أَن يكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾ فَجعله مَوْقُوفا على مَا يكفره بِالتَّوْبَةِ ثَبت أَن الذَّنب بَاقٍ وَهُوَ لم يزل مُسْتَحقّا إسم الْإِيمَان وَالله أعلم
والتسهيل لَهُ فِي كل وَقت حكم التَّحْدِيد لِأَن حَقِيقَة الْأَفْعَال أَن لَا يبْقى وَالتَّوْبَة يكون عَن ذَنْب وَلَا ذَنْب
وَبعد فَإِنَّهُ يجوز الْأَمر بالتهليل على التَّعَبُّد وَلَا يجوز بِالتَّوْبَةِ والإستغفار عَن ذَنْب مغْفُور لما فِيهِ إِيهَام أَنه لَيْسَ بمغفور وَذَلِكَ كفران النعم وَغير جَائِز ذَلِك كَمَا لَا يجوز الدُّعَاء بِأَن لَا يجوز وَلَا يظلم وَدُعَاء الْمَلَائِكَة لما قد يكون لمن ذكر ذنوبا غير مغفورة فَإلَى ذَلِك ينْصَرف الدُّعَاء وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ قَالَ فِي قَوْله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ إِلَّا أَن ذَا يكون فِيمَا لم يكن فعله كمن يرى آخر يَدعُوهُ بعض الغواة إِلَى أَمر قَبِيح فَيَقُول على سَبِيل النهى لم تفعل يَا أخي مَا ينقص دينك وَيُوجب عَلَيْك سخط رَبك لَا أَنه فعله لَكِن لِئَلَّا يَفْعَله
[ ٣٥٦ ]
فَيُقَال لَهُ إِن كَانَ جهدك فِي صرف اسْم الْإِيمَان عَن الْمُبْتَلى بكبيرة على مَا فِيهِ من تَعْظِيم الرَّحْمَن وخشية العواقب لِئَلَّا تسمى أَنْت بِهِ فلك مَا اخْتَرْت فِي نَفسك وسويته وَإِن كَانَ ذَلِك لتزيل هَذَا عَن غَيْرك فَهُوَ يعلم جرأتك فِي ذَلِك على الله بِمَا فهم من تَسْمِيَة الله إِيَّاه بِغَيْر الَّذِي سميته فَلَا يحْتَمل أَن يرتاب فِي خبر الله مَعَ مَا يعلم من نَفسه كَذَلِك بإفترائك على الله بتسويل الشَّيْطَان وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الَّذِي ذكرته لَا يحْتَمل إِلَّا سَفِيه أَن يَقُول ويعاقب على مَا يعلم كذبه فِيمَا يعاتبه عَلَيْهِ فَأَما الله سُبْحَانَهُ الَّذِي لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء يتعالى عَن هَذِه الرُّتْبَة الَّتِي يأنف مِنْهَا كل ذِي لب وَالله الْمُسْتَعَان وَأما أَنْت فحقيق لذَلِك لِأَنَّك تيأس بِهِ من روح الله وتؤثر شهوتك عَدَاوَة الله وَولَايَة الشَّيْطَان ويتعرك فِي مذْهبه لمقته ولعنه فهنيئا لَك مَا خترته لنَفسك عِنْد الْكَرِيم والرحيم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ألم يَأن للَّذين آمنُوا أَن تخشع قُلُوبهم لذكر الله إِنَّه أثبت اسْم الْإِيمَان وَإِن لم تخشع قُلُوبهم إِن أول ذَلِك إِثْبَات إسم الْإِيمَان بِلَا خشوع وَأَنْتُم لَا ترَوْنَ إِلَّا التَّصْدِيق بِاللِّسَانِ والمعرفة بِالْقَلْبِ وَالثَّانِي أَن قد يَقُول لمن يخْشَى الله وَيقوم بالغاية فِي شكره أما يَنْبَغِي لَك أَن تخشاني وتشكرني لَا أَنه غير شَاكر لَهُ وَلَكِن على التَّنْبِيه
قَالَ الْفَقِيه ﵀ فَأَما الأول فَإِنَّمَا الْآيَة إِنَّمَا هُوَ فِي الْخُشُوع لذكر الله وَأَن من لَا يخشع لَهُ مَذْمُوم فَاسق وخشوع الْإِيمَان هُوَ الَّذِي يكون بِمَعْرِفَة جَلَاله وكبريائه وَهَذَا لَا يَزُول عَن الْمُؤمن وَمَعَ الْإِيمَان قد سمى مُؤمنا وَإِن كَانَ بِهِ مذموما وَفِي الْآيَة دلَالَة طول ذَلِك فيهم وَذَلِكَ يُوجب الْوَصْف بالكبيرة عِنْدهم وَقد أبقى لَهُم اسْم الْإِيمَان فَبَطل بذلك قَوْلهم وَالله الْمُوفق
[ ٣٥٧ ]
وَالثَّانِي هُوَ وصف من لَا يعرف الْمِنَّة وَالشُّكْر فَيعرض عَن قبولهما ويعاتب على مَا كَانَ حَقه التَّعْظِيم وَالْقَبُول فَإِن كَانَ هَذَا وصف الله عِنْد الْمُعْتَزلَة فَهُوَ قد بلغ مناه من التسمى بأقبح اسْم وَالْخُلُود فِي أَسْفَل الدَّرك نَعُوذ بِاللَّه من الشَّقَاء ثمَّ أطنب فِي هَذَا القَوْل لَكِن من أصل بنائِهِ مَا ذكرت فَمَا نُرِيد إطنابه إلابعدا عَن الْإِصَابَة وَبِاللَّهِ المعونة
ثمَّ أجَاب فِي قَوْله ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ أَنه كَقَوْلِه ﴿وَمن يرتدد مِنْكُم عَن دينه﴾ وَقد كَانَ سَمَّاهُ مُؤمنا من قبل وَالثَّانِي أَن يكون الإقتتال بِغَيْر سلَاح نَحْو المجاذبة أَو كَانُوا مجتهدين فَلَا يخرجُون بِهِ من الْإِيمَان
فَيُقَال إِذْ جرى الْأَمر بالإصلاح بَينهم وَتَسْمِيَة الْإِخْوَة بَطل معنى الرِّدَّة وَقَوله ﴿فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي﴾ دلّ أَن الْبَاغِي كَانَ مَعْلُوما لَا أَن كَانَ ثمَّة اجْتِهَاد مَعَ مَا كَانَ رَسُول الله ﷺ بَين أظهرهم أَبى لَهُم الإجتهاد إِلَى ذَلِك الْحَد ثمَّ دلّ الْأَمر بِالْقِتَالِ وَالصَّغِيرَة تكون مغفورة لَا يُقَابل عَلَيْهَا على أَن ذنوبهم قد كَبرت وَقد أبقى الله لَهُم اسْم الْإِيمَان وَالله الْمُوفق
وَقَالَ فِي قَوْله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة﴾ بِمثل ذَلِك وَقد بَينا وهمه ثمَّ على قَوْله إِن صَاحب الْكَبِيرَة عَدو الله لَا يسع لَهُ الدُّعَاء بِالْخَيرِ وَيلْزم لَعنه وَمَا الْإِصْلَاح إِلَّا الدُّعَاء بِالْخَيرِ وَالصَّلَاح وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَالَ فِي آيَة الْقصاص وَمَا فِيهِ من تَسْمِيَة الْإِخْوَة إِن الله لم يعد على الْإِخْوَة الْمُطلقَة ثَوابًا وَلَا مدحا وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك فِي الْإِخْوَة فِي الدّين فَيُقَال لَهُم قد سماهم مُؤمنين فِي أول الْآيَة ثمَّ أبقى لَهُم اسْم الْإِخْوَة فِي آخرهَا وَلَا معنى سبق يحْتَمل حرف ذكر الْإِخْوَة إِلَيْهِ ثَبت أَنه فِي الدّين مَعَ إبْقَاء اسْم الْإِيمَان
[ ٣٥٨ ]
وَأما الثَّوَاب فقد شَرط مرّة باسم الْمُطلق وَمرَّة باسم الْمُقَيد من ذَلِك قَوْله ﴿فأثابهم الله بِمَا قَالُوا﴾ ثمَّ قد يجوز عنْدك التحذير مَعَ وجود القَوْل وَإِن وعد عَلَيْهِ الثَّوَاب فَمثله الْمُؤمن باسم الْإِطْلَاق وَقَالَ ﴿وَالَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله أُولَئِكَ هم الصديقون﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَالَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله وَلم يفرقُوا بَين أحد مِنْهُم﴾ وَصَاحب الْكَبِيرَة يُقَال آمن بِاللَّه وَرُسُله وَلم يفرق بَين أحد من رسله ثمَّ جَائِز فِي مثله التخويف والوعيد وَلذَلِك قَالَ الله ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا وَيُؤْت من لَدنه أجرا عَظِيما﴾ وَصَاحب الْكَبِيرَة قد أَتَى بحسنة وَيسْتَحق الَّذِي جَاءَ بِهِ اسْم الْحَسَنَة فَمَا تنكر أَن يسْتَحق اسْم الْمُؤمن وَإِن أوعد وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ عَارض نَفسه بالحقوق الَّتِي أوجبت باسم الْإِيمَان وَأحلت بِهِ وَقد دخل فِي ذَلِك أَصْحَاب الْكَبَائِر فَأجَاب بِأَن إدخالهم بِالْإِجْمَاع لَا بالإسم كَمَا أدخلتم فِي قَوْله ﴿حَقًا على الْمُتَّقِينَ﴾ ﴿حَقًا على الْمُحْسِنِينَ﴾ وَإِن لم يكن الْفَاسِق كَذَلِك قيل لَهُ الْإِجْمَاع أدخلهم فِي ذَلِك بالفهم من الْخطاب بِالْإِيجَابِ والتحليل بِالْآيَاتِ إِذْ لَيْسَ أحد مِنْهُم ذكر وَجها بِهِ عرفُوا سواهُ وَلَا أحد من متعاطى الْفسق سَأَلَ أحدا عَن خَاص بل عرف تضمنه تِلْكَ الْآيَات وَلم يجز الْخطاب بِالْوَجْهَيْنِ باسم التَّقْوَى لذَلِك بَطل التَّقْدِير وَقَوله حق على كَذَا أَي حق على من يُرِيد التَّقْوَى ذَلِك وَلَيْسَ فِيهِ إِيجَاب مَعَ مَا كَانَ فِي الَّذِي يذكر تَخْصِيص معنى التَّقْوَى فِي حق الْخطاب فِيمَا نَحن فِيهِ يدْخلهُ فِي الْخطاب بِلَا اسْم الَّذِي بِهِ خُوطِبَ لَا بِالْإِطْلَاقِ وَلَا بتخصيص وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٣٥٩ ]
وعارض فِي التَّحْلِيل بالمجنون وَالصَّغِير قيل لَهما حكم الْإِيمَان بِغَيْرِهِمَا إِذْ لَوْلَا ذَلِك الْغَيْر لم يجب لَهما ذَلِك كَمَا لَو لم يجب لأَوْلَاد الْكَفَرَة وَمَا نَحن فِيهِ لَا غير فِي ذَلِك يتبعهُ فَثَبت أَنه أستوجبه بِإِيمَان نَفسه ثمَّ عورض بِمَا يصلى الْفَاسِق ويصوم فَقَالَ لِئَلَّا يزْدَاد فسقه وَيَزُول عَنهُ عَذَاب تَركهمَا
قَالَ الشَّيْخ ﵀ يُقَال لَهُ لم يفهم السُّؤَال إِنَّمَا معنى ذَلِك أَنَّهُمَا يجوزان بِالْإِيمَان فولا أَنه مُؤمن لم يكن ليمضيا لَهُ ويزيلا عَذَاب تَركهمَا عَنهُ بل لَا شَيْء عَلَيْهِ فِي تَركهمَا وَلَا يجوز أَن يَفْعَله لَو لم يكن مُؤمنا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقد أفردنا فِي بعض كتبنَا فِي هَذِه الْآيَات كتابا أغنانا عَن الإطناب فِي هَذَا الْبَاب
ثمَّ نذْكر الْفَصْل بَين مَا يخلد لَهُ الْعَذَاب وَلَا يخلد من طَرِيق الْحِكْمَة وَذَلِكَ يخرج على وَجْهَيْن أَحدهمَا من طَرِيق الإعتبار بتفاوت الذُّنُوب فِي أَنْفسهَا وَقد وعد الله أَن لَا يجزى إِلَّا مثله وَكَذَلِكَ حق الْحِكْمَة إِذْ التعذيب يكون بِمَا يُوجِبهُ الْحِكْمَة لَا بِمَا يخْتَار إِذْ لَيْسَ هُوَ نوع مَا يخْتَار وبخاصة مِمَّن لَا يضرّهُ الْخلاف ثمَّ هُوَ الْمَوْصُوف بِالْعَفو وَالرَّحْمَة وَلِهَذَا مَا أوجب الْمَغْفِرَة وَالْعَفو عَن كثير من الذُّنُوب ثمَّ يخرج ذَا على وُجُوه أَحدهَا أَنه مَا من أحد يعْصى الله بِنَوْع من الْكَبَائِر دون الشّرك إِلَّا وَهُوَ لوقت الْعِصْيَان مكتسب الطَّاعَة من خوف عِقَاب والفزع عَن مقته ورجاء رَحمته والثقة بكرمه وَذَلِكَ عَن خيرات لَو قوبل بهَا مَا ارْتكب من الْخلاف بِغَلَبَة شَهْوَة وقهر غضب أَو نَحْو ذَلِك ليرجح مَا كَانَ مِنْهُ من خير على مَا كَانَ من شَرّ فَلَا يجوز أَن يحرم نفع الْخَيْر وَيُوجب لَهُ عُقُوبَة الشَّرّ وَمن ذَلِك فعله مَوْصُوف بالجود وَالْكَرم وَلَا كَذَلِك مَعْنَاهُمَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَلَيْسَ مَعَ من يكفر بِاللَّه ويشرك بِهِ معنى يسْتَحق اسْم الْحَسَنَة وَالْخَيْر لِأَنَّهُ يكذبهُ وينكر أمره وَنَهْيه فَلَا يحْتَمل أَن يكون لَهُ الرجا وَفِي دوَام عَذَابه مضادة معنى الْكَرم والجود وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٣٦٠ ]
وَالثَّانِي أَن الله جلّ ثَنَاؤُهُ وعد أَن لَا يَجْزِي إِلَّا مثلهَا وَمثل الشّرك الَّذِي فِي الْعقل أكبر من كل ذَنْب مَعَ مَا لَا حَسَنَة يكون مَعَه وَمَعَ غَيره إِنَّمَا هُوَ الخلود فِي النَّار إِذْ مَعْلُوم أَن الْكَافِر يرضى بأضعاف مَا يعذب مَعَ النجَاة يَوْمًا من الدَّهْر فيبين ذَلِك أَن تَمام جَزَائِهِ الخلود فَإِذا كَانَ لغيره مثله فيجزى غَيره أَكثر من مثل الْفِعْل وَذَلِكَ جور فِي حكمته وَالله يجل عَنهُ فَهَذَا مَعَ مَا كَانَ مرتكب مَا دونه حَسَنَات وَلَيْسَ مَعَه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا أَن الْحُدُود فِي الدُّنْيَا جعلن كَفَّارَات لما يرتكب من الذُّنُوب فَلَو لم يكن فِيهَا تَكْفِير كَانَت تكون زيادات على عقوبات الْكفْر ومحال أَن يزْدَاد عُقُوبَة مَا دون الْكفْر فَثَبت أَنَّهَا كَفَّارَات وَلَا كَفَّارَة للكفر فِي الدُّنْيَا ثَبت أَنه لَا يحْتَمل فِي الْعقُوبَة فَجعلت أبدية وعقوبة غَيره بِحَدّ فَكَذَلِك الْعقُوبَة الموعودة فِيهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا أَن الله جلّ ثَنَاؤُهُ أخبر أَن الموعودة عُقُوبَة الَّذين كفرُوا وأضلوا غَيرهم ضعف عُقُوبَة من كفر وَلم يضل غَيره ثمَّ لَو كَانَ للْكَافِرِ عُقُوبَة غير الإضلال مثل عُقُوبَة الإضطلال لَكَانَ كل كَافِر عُقُوبَته مضاعفة لِأَنَّهُ لَا كَافِر إِلَّا مَعَه سوى الْكفْر كَبَائِر وَقد خص الله بالمضاعفة المضلين بقوله ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالا مَعَ أثقالهم﴾ وَقَول الأتباع ﴿رَبنَا هَؤُلَاءِ أضلونا﴾ وَجعل لكل ضعفا فَبَطل أَن يكون ذَلِك عُقُوبَة الْكَبِيرَة بل هَل لَو كَانَت فِي الْكفْر كَانَ أَحَق للضعف مِنْهُ فِي الْإِسْلَام للمثل أَلا ترى أَنه يُعَاقب الْكَافِر بِجَمِيعِ الآثام من صغائر وكبائر وَلَا كَذَلِك أَمر من اعْتقد دين الْإِسْلَام وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٣٦١ ]
ثمَّ الْوَجْه الآخر من طَرِيق الإعتبار أَن الْكفْر مَذْهَب يعْقد والمذاهب تعقد لِلْأَبَد فعلى ذَلِك عُقُوبَته وَسَائِر الْكَبَائِر يفعل للأوقات وَهُوَ عِنْد غَلَبَة الشَّهَوَات لَا لِلْأَبَد فعلى ذَلِك عقوبتها وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالثَّانِي أَن الْكفْر قَبِيح لعَينه لَا يحْتَمل الْإِطْلَاق وَرفع الْحُرْمَة فعلى ذَلِك عُقُوبَته فِي الْحِكْمَة لَا يحْتَمل الإرتفاع وَالْعَفو عَنهُ وَسَائِر المأثم جَائِز رفع الْحُرْمَة عَنْهَا فِي الْعقل وَإِبَاحَة مَا لَهُ الْعقُوبَة فَمثله عُقُوبَته وَالله الْمُوفق
وَالثَّالِث أَن الْعَفو عَن الْكَافِر عَفْو فِي غير مَوضِع الْعَفو لِأَنَّهُ مُنكر الْمُنعم وَيرى ذَلِك حَقًا فَيكون فِي ذَلِك تَضْييع الْعَفو وَإِبْطَال النِّعْمَة وَلَا كَذَلِك أَمر سَائِر المأثم بل يعرف صَاحبهَا الْمُنعم فَلهُ أعظم الْموضع ولإكرامه أبين الْمحل فَجَائِز الْمَغْفِرَة لَهُ وَالْعَفو عَنهُ فِي الْحِكْمَة وَبِاللَّهِ المعونة
وَالرَّابِع أَن يكون الله تَعَالَى قد أحسن إِلَيْهِ فِي الدّين فِي الْوَقْت الَّذِي خفاه هُوَ بِفِعْلِهِ فِي أَن جعل حَقه أعظم فِي قلبه من الدَّاريْنِ وأنبيائه وَرُسُله أجل فِي صَدره من أَن يحْتَمل نَفسه الإستحقاق بشعرة من شُعُورهمْ أَو الإستهانة بِشَيْء من أُمُور دين الله أَو الركون إِلَى أحد من أعدائه فِيمَا قد اخْتَارَهُ وآثره من الخلان لله وكل ذَلِك هُوَ إِحْسَان الله إِلَيْهِ وإنعامه عَلَيْهِ فَلَا يحْتَمل أَن يضيع مننه ويغير نعمه بجفوة يعلم أَن قدرهَا من الذُّنُوب لَا يبلغ حرفا مِمَّا لَا يُحْصى من نعمه عَلَيْهِ وإحسانه إِلَيْهِ وَهُوَ يُؤمن خلقه بِأَن لَا يُغير نعْمَة أنعمها على قوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم وَأَن يضيع جَمِيع مَا أكْرمهم بِهِ فَمثل الَّذِي ذكر وَقد أنطق لِسَان رَسُوله أَنه يدْخل الْجنَّة إِلَّا من أَبى ذَلِك وَيجمع بَين من ذكرت وَبَين أعدائه مَعَ كَثْرَة مجاهدته إيَّاهُم فِي نصر دينه وإعلاء كَلمته وَقد ختم عَلَيْهِ لَا وَالله مَا يفعل ذَلِك وَهُوَ الْغنى الْكَرِيم وَهُوَ الْعَفو الغفور وَهُوَ الرَّحِيم الْوَدُود مَعَ مَا جَاءَت الْبشَارَة عَن رَسُول الله ﷺ فِي لُحُوق العبيد لمن أحبوهم ثمَّ كَانَ الَّذِي ذكر أحب رَسُول الله فَيَجْعَلهُ قرين الشَّيْطَان ويحرمه زِيَارَة رَسُوله جلّ ثَنَاؤُهُ عَن هَذَا الْوَصْف الَّذِي وَصفته بِهِ الْمُعْتَزلَة والخوارج على ظُهُور هَذَا الصَّنِيع فِي جُمْلَتهمْ حَتَّى لَا يسلم من
[ ٣٦٢ ]
ذَلِك أحد وَلَعَلَّه لَا يذكر عَن خارجي أَو معتزلي قبض سليما عَن ذَلِك وبعيد فِي الْحِكْمَة أَن يوفق للصَّوَاب فِي الدّين من آثر عداوته فِي شَهْوَته وآيس من رَحمته فِي أدنى مَنْفَعَة ويؤثر الْخُرُوج من دينه فِي مذْهبه إشفاقا على نعْمَة يسيرَة من الدُّنْيَا وَيحرم من هُوَ فِي ضد هَذَا الْوَصْف وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ الشَّيْخ ﵀ ثمَّ جملَة مَا جَاءَت بِهِ الْآثَار فِي الْوَعيد بِالتَّسْمِيَةِ من فسق أَو فجور أَو عصيان أَو ظلم أَنَّهَا أَسمَاء لخصال ثَلَاث مِنْهَا مَا قد يجوز أَن يصير فِي الْحِكْمَة على الْإِشَارَة إِلَى الْفِعْل الَّذِي سمى لأَجله بِهِ غير فسق وَلَا غَيره من الْأَسْمَاء الذميمة وَمِنْهَا مَا لَا يجوز وَمن الْبعيد قصد شَيْئَيْنِ بَينهمَا هَذَا التباعد فَحق ذَلِك أَن يصرف إِلَى مَا لَا يرتاب فِي الإسم وَالْحكم وَإِذ كَانَ على أَقسَام ثَلَاثَة وَلم يتَضَمَّن كل الْأَقْسَام ثَبت الْخُصُوص فِي ذَلِك فَلَزِمَ صرف ذَلِك إِلَى مَا لَا يشك فِيهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
على أَن فِي الصّرْف إِلَى الْعُمُوم يُحَقّق لَهُ التَّنَاقُض لمجيء أَخْبَار الْعَفو فَثَبت بذلك الْخُصُوص وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
أَو إِذا احْتمل الْخُصُوص والعموم بِمَا يَنْقَسِم الْمُسَمّى بِهِ مَا ذكرت فَحق مثله الْخَوْف لَا الْقطع فَمن قطع جرح مِمَّا يُوجِبهُ الْحِكْمَة عِنْد الشّبَه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الدّلَالَة على وَعِيد الخلود لَا يحْتَملهُ مَا دون الشّرك الْأَمر الَّذِي جبل عَلَيْهِ الْخلق من نفارهم عَمَّا بِهِ الْخُرُوج من أديانهم الَّتِي اعتقدوها وَإِن كَانُوا اعتقدوها عقلا أَو حجَّة أَو تقليدا على وجود مَا دون ذَلِك من الزلات فيهم وَإِن اخْتلفت أديانهم فَدلَّ أَن ذَا مِمَّا جبل عَلَيْهِ الْخلق بل أيد ذَلِك الْعُقُول إِذْ الإعتقادات تكون عِنْد أَرْبَابهَا أبديات وَلَا كَذَلِك الْأَفْعَال الَّتِي تشار إِلَيْهَا وعَلى ذَلِك أضدادها وَكَذَلِكَ السّمع فِي الْأَفْعَال المشارة أَنَّهَا على الإختلاف فعلى ذَلِك
[ ٣٦٣ ]
تَركهَا فَدلَّ مَا ذكرنَا على خُرُوج مَذْهَب الإعتزال عَن الْأَمر المجبول عَلَيْهِ والمدفوع إِلَيْهِ أَيْضا بِالتَّدْبِيرِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ نذْكر طرفا مِمَّا يلْزم الْمُعْتَزلَة على مَذْهَبهم الْوَقْف فِي التسمى بِالْإِيمَان وَهُوَ أَن من مَذْهَبهم أَن الْحَد الَّذِي بَين الصَّغِيرَة والكبيرة من الْمعاصِي غير مَعْرُوف ليَكُون الْمَرْء خَائفًا راجيا لَا آمنا آيسا فَنَقُول إِذْ لَا أحد مِنْكُم يدعى بَرَاءَة نَفسه من كل وَلَا الْعلم ببلوغ الْحَد الَّذِي يُوجب الْأَمْن والإياس فَذَلِك تردد الْحَال بَين الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة والكبيرة تزيل اسْم الْإِيمَان وَالصَّغِيرَة لحقكم الشَّك فِي اسْم الْإِيمَان وزواله كَمَا لحقكم فِي اسْم الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة فَإِذا منع ذَلِك الشَّك القَوْل بالأمن والإياس ثمَّ لما منع التسمى بِالْإِيمَان وَالَّذِي يدْفع هذَيْن وَاحِد ثمَّ لما جَازَ إِثْبَات الإسم مَعَ الْخَوْف وأمركم أَن الْمُؤمن لَا خوف عَلَيْهِ وَلم لَا يخَافُونَ من تسميتكم أَنفسكُم مُؤمنين الْكَذِب الَّذِي لَعَلَّه كَبِيرَة يزِيل عَنْكُم اسْم الْإِيمَان فَيكون بِالتَّسْمِيَةِ من كبر أَنفسكُم وَقد حذرتم عَن تَزْكِيَة الْأَنْفس بقوله تَعَالَى ﴿فَلَا تزكوا أَنفسكُم﴾ ثمَّ تعارضون بِالْبرِّ وَالتَّقوى أتشهدون أَنفسكُم بهما أَو لَا فَإِن شهدُوا لَزِمَهُم بالخوف فِي الْمُتَّقِينَ الْأَبْرَار أَن يَكُونُوا استوجبوا مقت الله وَالْخُلُود فِي النَّار فَيكون جَهَنَّم دَار الْمُتَّقِينَ الْأَبْرَار لَا دَار الْفَاسِقين وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم﴾ وَيبْطل الدُّعَاء بقوله ﴿وتوفنا مَعَ الْأَبْرَار﴾ وَإِن أَبَوا التَّسْمِيَة بذلك لَزِمَهُم مثله فِي الْإِيمَان إِذْ هُوَ اسْم لما بِهِ النجوة من مقت الله كالبر وَالتَّقوى ثمَّ يُقَال إِنَّه قد ثَبت عَن الْأَنْبِيَاء وَالرسل أَنهم كَانُوا يدعونَ الله رعْبًا وهبا وخوفا وطبعا ويزعمون أَنهم لم يبتلوا بكبائر فقد كَانَ هَذَا الْخَوْف مِم لم يبل بهَا لم لَا دلكم أَن لَيْسَ ترك بَيَان الْحَد لما يخَاف ويرجى بل ذَلِك لما لله معاقب من شَاءَ بالصغائر وَمن قَوْلكُم إِن مَا يُوجب
[ ٣٦٤ ]
الْعقُوبَة يزِيل اسْم الْإِيمَان فاعتبروا بِأَن لَسْتُم مُؤمنين على مَا أخبرتم فِي الْحَقِيقَة وَالله الْمُوفق
وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا﴾ وعندكم الْمُؤمن لَا يخَاف نقمة الله وَلَا يَرْجُو رَحمته بل قد اسْتوْجبَ رَحمته لَو كَانَ مُؤمنا وَلَيْسَ لله أَن يعذبه لَو كَانَ مُؤمنا وَالْإِيمَان هُوَ الَّذِي حملهمْ على ذَلِك فَكيف ألزمتموهم الْخَوْف وَذَلِكَ لَيْسَ على الْمُؤمن فِي الْحَقِيقَة ومنعتموهم على الإرتياب فِي الْإِيمَان والإرتياب فِيهِ بِمَا رأى الْخَوْف وَذَلِكَ بَين التَّنَاقُض وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه