قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ الدَّلِيل على أَن للْعَالم مُحدثا أَنه ثَبت حَدثهُ بِمَا بَينا وَبِمَا لَا يُوجد شَيْء مِنْهُ فِي الشَّاهِد يجْتَمع بِنَفسِهِ وَيفرق ثَبت أَن ذَلِك كَانَ بِغَيْرِهِ وَالله الْمُوفق
وَالثَّانِي أَن الْعَالم لَو كَانَ بِنَفسِهِ لم يكن وقتا أَحَق بِهِ من وَقت وَلَا حَال أولى بِهِ من حَال وَلَا صفة أليق بِهِ من صفة وَإِذا كَانَ على أَوْقَات وأحوال وصفات مُخْتَلفَة ثَبت أَنه لم يكن بِهِ وَلَو كَانَ لجَاز أَن يكون كل شَيْء لنَفسِهِ أحوالا هِيَ أحسن الْأَحْوَال وَالصِّفَات وَخَيرهَا فَيبْطل بِهِ الشرور والقبائح فَدلَّ وجود ذَلِك على كَونه بِغَيْرِهِ وَالله الْمُوفق
وَأَيْضًا أَن الْعَالم نَوْعَانِ حَيّ وميت وكل حَيّ جَاهِل بإبتدائه عَاجز عَن إنْشَاء مثله وَإِصْلَاح مَا فسد مِنْهُ وَقت قوته وكماله فَثَبت أَنه كَانَ بِغَيْرِهِ وَالْمَيِّت أَحَق بذلك
وَأَيْضًا أَن الْعَالم لَا يَخْلُو كل عين مِنْهُ إِلَى مَا يحْتَملهُ من الْأَعْرَاض قهرا وَمَا اعْتَرَضَهُ من الْأَعْرَاض لَا قيام لَهَا وَلَا وجود دونه فَثَبت بذلك دُخُول كل وَاحِد مِنْهُمَا تَحت حَاجَة الآخر فَيبْطل أَن يكون بِنَفسِهِ مُحْتَاجا إِلَى غير بِهِ يُوجد وَيقوم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ١٧ ]
وَأَيْضًا أَن كل عين مَا اجْتمع فِيهِ الطبائع المتضادة الَّتِي من طبعها التنافر لم يجز أَن يكون بِنَفسِهِ يجْتَمع ثَبت أَن لَهُ جَامعا وَالله الْمُوفق
وَأَيْضًا أَن كل عين مُحْتَاج إِلَى آخر بِهِ يقوم وَيبقى من الأغذية وَغَيرهَا مِمَّا لَا يحْتَمل أَن يبلغ علمه مَا بِهِ بَقَاؤُهُ أَو كَيفَ يسْتَخْرج ذَلِك ويكتسب فَثَبت أَنه بعليم حَكِيم لَا بِنَفسِهِ وَبِاللَّهِ النجَاة والعصمة
وَأَيْضًا أَنه لَو كَانَ بِنَفسِهِ لَكَانَ يبْقى بِهِ وَيكون على حد وَاحِد فَلَمَّا لم يملك دلّ على أَنه كَانَ بِغَيْرِهِ
وَأَيْضًا لَا يَخْلُو كَونه بِنَفسِهِ من أَن كَانَ بعد الْوُجُود فَيبْطل كَونه بِهِ لما كَانَ مَوْجُودا بِغَيْرِهِ أَو قبله وَمَا هُوَ قبله كَيفَ يُوجد نَفسه مَعَ مَا لَو كَانَ بِهِ قبل الْوُجُود لتوهم أَن لايوجد فَيكون عديما فَاعِلا وَذَلِكَ محَال وَيشْهد لما ذكرنَا أَمر الْبناء وَالْكِتَابَة والسفن أَنه لَا يجوز كَونهَا إِلَّا بفاعل مَوْجُود فَمثله مَا نَحن فِيهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وأصل ذَلِك أَنه لَا يعاني مِنْهُ شَيْء إِلَّا فِيهِ حِكْمَة عَجِيبَة وَدلَالَة بديعة مِمَّا يعجز الْحُكَمَاء عَن إِدْرَاك مَا ئيته وَكَيْفِيَّة خُرُوجه على مَا خرج وَعلم كل أحد مِنْهُم بقصور على مَا عِنْده من الْحِكْمَة وَالْعلم عَن إِدْرَاك كنه ذَلِك فَهَذِهِ الضَّرُورَة وَغَيرهَا دلَالَة حِكْمَة مبدعها وخالقها وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا أَنه لَو جَازَ أَن يكون الْعَالم يبْدَأ من قبل نَفسه بمره لجائز أَن يذهب كُله بِمرَّة فَإِذا لم يكن بل كَانَ على الإختلاف حَتَّى لم يكن تخْتَلف عَلَيْهِ الْأَحْوَال إِلَّا بالأغيار نَحْو حَيّ يَمُوت ومتفرق يجْتَمع وصغير يكبر وخبيث يطيب أبدا يتَغَيَّر بأغيار تحدث فعلى ذَلِك جملَته لَا يحْتَمل أَن يكون لَا بِغَيْرِهِ وَلَو جَازَ ذَا لجَاز أَن تَتَغَيَّر ألوان الثَّوْب بِنَفسِهِ لَا بأصباغ أَو السَّفِينَة تصير
[ ١٨ ]
على مَا هِيَ عَلَيْهَا بذاتها فَإِذا لم تكن وَلَا بُد من عليم ينشئها قدير بِهِ يكون فَكَذَلِك مَا نَحن فِيهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَيبعد أَيْضا كَون الْعَالم بِنَفسِهِ بِمَا فِيهِ من دلَالَة الْعلم بِمَا هُوَ عَلَيْهِ وَالْقُدْرَة عَلَيْهِ ومحال وجود مثله بعاجز جَاهِل فَكيف بالمعدوم الفاني وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَدلَالَة كَون الْعَالم لَا من شَيْء هِيَ حدوثها وَقد بَينا ذَلِك