قَالَ الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ السَّبِيل الَّتِي يُوصل بهَا الى الْعلم بحقائق الْأَشْيَاء العيان وَالْأَخْبَار وَالنَّظَر فالعيان مَا يَقع عَلَيْهِ الْحَواس وَهُوَ الأَصْل الَّذِي لَدَيْهِ الْعلم الَّذِي لَا ضد لَهُ من الْجَهْل فَمن قَالَ بضده من الْجَهْل فَهُوَ الَّذِي يُسمى منكره كل سامع مكابرا تأبى طبيعة الْبَهَائِم أَن يكون ذَلِك رتبتها إِذْ أكل مِنْهَا يعلم مَا بِهِ بَقَاؤُهَا وفناؤها وَمَا يتلذذ بِهِ ويتألم وَصَاحب هَذَا يُنكر ذَلِك وَأجْمع أَن لَا يناظر مَعَ من كَانَ ذَلِك قَوْله إِذْ لَا يثبت إِنْكَاره وَلَا حُضُوره بِنَفسِهِ والمناظرة فِي مائية الشَّيْء أَو هستيته وَهُوَ لَهما وللدفع جَمِيعًا دَافع وَلكنه يمازج فَيُقَال لَهُ تعلم بأنك تنفى فَإِن قَالَ لَا بَطل نَفْيه وَإِن قَالَ نعم أثبت نَفْيه فَيصير بِمَا يدْفع دافعا لدفعه ويؤلم بالألم الشَّديد من قطع الْجَوَارِح ليَدع تعنته إِذْ نَحن نعلم أَنه يعلم العيان إِذْ هُوَ علم الضَّرُورَة وَلكنه بقوله مُتَعَنتًا وَحقّ مثله مَا ذكرت ليجزع ويضجر فيقابل بتعنت مثله فينهتك لَدَيْهِ ستره وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَالْأَخْبَار نَوْعَانِ من أنكر جملَته لحق بالفريق الأول لِأَنَّهُ أنكر إِنْكَاره إِذْ إِنْكَاره خبر فَيصير مُنْكرا عِنْد إِنْكَاره إِنْكَاره مَعَ مَا فِيهِ جهل نسبه وإسمه ومائيته وَاسم جوهره وَاسم كل شَيْء فَيجب بِهِ جهل محسوس وعجزه عَن أَن يخبر عَن شَيْء عاينه إِذا خبر بِهِ فَكيف يبلغ هُوَ إِلَى الْعلم بِمَا يبلغهُ مِمَّا غَابَ عَنهُ أَو مَتى يعلم مَا بِهِ معاشه وغذاؤه وكل ذَلِك يصل
[ ٧ ]
إِلَيْهِ بالْخبر مَعَ مَا فِيهِ الكفران بعظيم نعم الله عَلَيْهِ وبأصل مَا حمد هُوَ بِهِ وَبِمَا فضل بِهِ على الْبَهَائِم من النُّطْق بِالسَّمْعِ وَذَلِكَ نِهَايَة المكابرة
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ لَا يُوصل بهما إِلَى إِدْرَاك المحاسن والمساوئ الَّتِي لَا يعْمل الْعُقُول على الْإِحَاطَة بهَا إِلَّا بإستعمال الألسن بالتكلم بهَا وإدناء السّمع إِلَيْهَا وَحقّ مناظرة هَذَا وَإِن كَانَت مناظرته سفها فيمازج أَيْضا فَنَقُول لَهُ عِنْد إِنْكَاره الْخَبَر مَا تَقول فَإِن عَاد إِلَيْهِ فَاعْلَم أَنه قبل خبرك حَيْثُ عَاد إِلَى قَوْله وَهُوَ استعادتك الْخَبَر وَإِن لم يعد إِلَيْهِ كفيت شَره وحمدت الله وضحكت مِنْهُ
وَمثله لمن يُنكر العيان تَقول لَهُ مَا تَقول فَإِن عَاد إِلَيْهِ ظهر لَك أَنه يُعلمهُ وَلكنه يتعنت وَإِن لم يعد إِلَيْهِ كفيت شَره وشكرت الله تَعَالَى على مَا ألهمك أَو تضربه وتؤلم فَإِنَّهُ لَا يقدر أَن يضجر أَو يقابلك بالعتاب لما لَا يحْتَمل ذَلِك إِلَّا بِتَسْمِيَة فعلك وَذَلِكَ يعرف بالْخبر وَقد أنكرهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ إِذْ قد لزم قبُول الْأَخْبَار بضرورة الْعقل لزم قبُول أَخْبَار الرُّسُل إِذْ لَا خبر أظهر صدقا من خبرهم بِمَا مَعَهم من الْآيَات الْمُوَضّحَة صدقهم إِذْ لَا يُوجد خبر يطمئن إِلَيْهِ الْقلب مِمَّا بَينا من المعارف الَّتِي يصير مُنكر ذَلِك مُتَعَنتًا بضرورة الْعقل أوضح صدقا من أَخْبَار الرُّسُل صلوَات الله عَلَيْهِم فَمن أنكر ذَلِك فَهُوَ أَحَق من يقْضى عَلَيْهِ بالتعنت والمكابرة ثمَّ الْأَخْبَار الَّتِي تَنْتَهِي إِلَيْنَا من الرُّسُل تَنْتَهِي على ألسن من يحْتَمل مِنْهُم الْغَلَط وَالْكذب إِذْ لَيْسَ مَعَهم دَلِيل الصدْق وَلَا برهَان الْعِصْمَة فَحق مثله النّظر فِيهِ فَإِن كَانَ مثله مِمَّا لَا يُوجد
[ ٨ ]
كذبا قطّ فَهُوَ الَّذِي من انْتهى إِلَيْهِ مثله لزمَه حق شُهُود القَوْل مِمَّن اتَّضَح الْبُرْهَان على عصمته وَذَلِكَ وصف خبر الْمُتَوَاتر إِن كلا مِنْهُم وَإِن لم يقم دَلِيل على عصمته فَإِن الْخَبَر مِنْهُم إِذا بلغ ذَلِك الْحَد ظهر صدقه وَثبتت عصمَة مثله على الْكَذِب وَإِن أمكن خلاف ذَلِك فِي كل على الْإِشَارَة وَهَكَذَا القَوْل فِيمَا طَرِيقه الإجتهاد وَإِن احْتمل خطأ كل على الإنفراد والغلط فَإِنَّهُم لم يتفقوا بِمن يوفقهم لذَلِك ليظْهر حَقه إِذْ الآراء لَا تُؤدِّي إِلَيْهِ بعد اخْتِلَاف الْأَهْوَاء وتفرق الهمم لذات ذِي الرَّأْي دون لطف الْعَزِيز الحميد الَّذِي يملك إِظْهَار حَقه وعصمة خلقه فِيمَا شَاءَ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَخبر آخر لَا يبلغ هَذَا الْقدر فِي إِيجَاب الْعلم وَالشَّهَادَة بِأَنَّهُ الْحق عَن نَبِي الرَّحْمَة فَيجب الْعَمَل بِهِ وَالتّرْك بالإجتهاد وَالنَّظَر فِي أَحْوَال الروَاة وَالظَّاهِر مِمَّا ظهر حَقه وجوازه فِي السّمع الَّذِي قد أحيط ثمَّ يعْمل بِمَا يغلب عَلَيْهِ الْوَجْه وَإِن احْتمل الْغَلَط إِذْ رُبمَا يعْمل بِهِ فِي علم الْحس الَّذِي هُوَ أرفع طرق الْعلم بِضعْف الْحَواس وببعد المحسوس ولطفه على أَن ترك الْعَمَل بِهِ وَالْعَمَل جَمِيعًا لَا يرجع فِيهِ إِلَى الْإِحَاطَة وَإِلَى أَيهمَا مَال كَانَ فِي ذَلِك إِعْرَاض عَن حق الْخَبَر فَلذَلِك لزم القَوْل فِيهِ بالإجتهاد بِالْوَجْهَيْنِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الأَصْل فِي لُزُوم القَوْل بِعلم النّظر وُجُوه أَحدهمَا الإضطرار إِلَيْهِ فِي علم الْحس وَالْخَبَر وَذَلِكَ فِيمَا يبعد من الْحَواس أَو يلطف وَفِيمَا يرد من الْخَبَر أَنه فِي نوع مَا يحْتَمل الْغَلَط أَولا ثمَّ آيَات الرُّسُل وتمويهات السَّحَرَة وَغَيرهم فِي التَّمْيِيز بَينهَا وَفِي تعرف الْآيَات بِمَا يتَأَمَّل فِيهَا من قوى الْبشر وأحوال الْآتِي بهَا
[ ٩ ]
ليظْهر الْحق بنوره وَالْبَاطِل بظلمته وعَلى ذَلِك دلّ الله بِالَّذِي ثَبت بالأدلة المعجزة أَنه مِنْهُ من نَحْو الْقُرْآن الَّذِي عجز الْإِنْس وَالْجِنّ أَن يَأْتُوا بِمثلِهِ مَعَ الْأَمر بِهِ بقوله ﴿سنريهم آيَاتنَا فِي الْآفَاق﴾ إِلَى آخر السُّورَة وَقَوله ﴿أَفلا ينظرُونَ إِلَى الْإِبِل﴾ وَقَوله ﴿إِن فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَقَوله ﴿وَفِي أَنفسكُم أَفلا تبصرون﴾ وَغير ذَلِك مِمَّا رغب فِي النّظر وألزم الإعتبار وَأمر بالتفكر والتدبر وَأخْبر أَن ذَلِك يوقفهم على الْحق وَيبين لَهُم الطَّرِيق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
مَعَ مَا لَيْسَ لمن يُنكر النّظر على دَفعه دَلِيل سوى النّظر فَدلَّ ذَلِك على لُزُوم النّظر بِمَا بِهِ دَفعه مَعَ مَا لَا بُد من معرفَة مَا فِي الْخلق من الْحِكْمَة إِذْ لَا يجوز فعل مثله عَبَثا وَمَا فِيهِ من الدّلَالَة على من أنشأه أَو على كَونه بِنَفسِهِ أَو حدث أَو قدم وكل ذَلِك مِمَّا لَا سَبِيل إِلَى الْعلم بِهِ إِلَّا بِالنّظرِ على أَن الْبشر خص بِملك تَدْبِير الْخَلَائق والمحنة فِيهَا وَطلب الْأَصْلَح لَهُم فِي الْعُقُول وَاخْتِيَار المحاسن فِي ذَلِك وإتقاء مضادة ذَلِك وَلَا سَبِيل إِلَى معرفَة ذَلِك إِلَّا بإستعمال الْعُقُول بِالنّظرِ فِي الْأَشْيَاء على أَن مفزع الْكل عِنْد النوائب وَاعْتِرَاض الشّبَه إِلَى النّظر فِي ذَلِك والتأمل فَدلَّ أَنه يدل على الْحَقَائِق ويوصل بِهِ إِلَيْهَا على نَحْو الْفَزع عِنْد اشْتِبَاه اللَّوْن إِلَى الْبَصَر وَالصَّوْت إِلَى السّمع وَكَذَا كل شَيْء إِلَى الحاسة الَّتِي بهَا دركها فَمثله النّظر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
على أَن محَاسِن الْأَشْيَاء ومساويها وَمَا قبح من الْأَفْعَال وَمَا حسن مِنْهَا فَإِنَّمَا نِهَايَة الْعلم بعد وُقُوع الْحَواس عَلَيْهَا وورود الْأَخْبَار فِيهَا إِذا أُرِيد تَقْرِير كل جِهَة من ذَلِك فِي الْعُقُول والكشف عَن وُجُوه مَا لَا سَبِيل إِلَى ذَلِك إِلَّا بِالتَّأَمُّلِ وَالنَّظَر فِيهَا وعَلى ذَلِك أَمر المكاسب الضارة والنافعة على أَن الْبشر جبل
[ ١٠ ]
على طبيعة وعقل وَمَا يُحسنهُ الْعقل غير الَّذِي ترغب فِيهِ الطبيعة وَمَا يقبحه غير الَّذِي ينفر عَنهُ الطَّبْع أَو يكون بَينهمَا مُخَالفَة مرّة وموافقة ثَانِيًا لَا بُد من النّظر فِي كل أَمر والتأمل ليعلم حَقِيقَة أَنه فِي أَي فن وَنَوع مِمَّا ذكرنَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه