ثمَّ أصل مَا يعرف بِهِ الدّين إِذْ لابد أَن يكون لهَذَا الْخلق دين يلْزمهُم الإجتماع عَلَيْهِ وأصل يلْزمهُم الْفَزع إِلَيْهِ وَجْهَان أَحدهمَا السّمع وَالْآخر الْعقل
وَأما السّمع فَمَا لَا يَخْلُو بشر من انتحاله مذهبا يعْتَمد عَلَيْهِ وَيَدْعُو غَيره إِلَيْهِ حَتَّى شاركهم فِي ذَلِك أَصْحَاب الشكوك والتجاهل فضلا عَن الَّذِي يقر بِوُجُود الْأَشْيَاء وتحقيقها على ذَلِك جرت سياسة مُلُوك الأَرْض من سيرة كل مِنْهُم مَا راموا تَسْوِيَة أُمُورهم عَلَيْهِ وتأليف مَا بَين قُلُوب رعيتهم بِهِ وَكَذَلِكَ أَمر الَّذين ادعوا الرسَالَة وَالْحكمَة وَمن قَامَ بتدبير أَنْوَاع الصِّنَاعَة وَبِاللَّهِ المعونة والنجاة
وَأما الْعقل فَهُوَ أَن كَون هَذَا الْعَالم للفناء خَاصَّة لَيْسَ بحكمة وَخُرُوج كل ذِي عقل فعله عَن طَرِيق الْحِكْمَة قَبِيح عَنهُ فَلَا يحْتَمل أَن يكون الْعَالم الَّذِي الْعقل مِنْهُ جُزْء مؤسسا على غير الْحِكْمَة أَو مجعولا عَبَثا
[ ٤ ]
وَإِذا ثَبت ذَلِك دلّ أَن إنْشَاء الْعَالم للبقاء لَا للفناء
ثمَّ كَانَ الْعَالم بِأَصْلِهِ مَبْنِيا على طبائع مُخْتَلفَة ووجوه متضادة وبخاصة الَّذِي هُوَ مَقْصُود من حَيْثُ الْعقل الَّذِي يجمع بَين الْمُجْتَمع وَيفرق بَين الَّذِي حَقه التَّفْرِيق وَهُوَ الَّذِي سمته الْحُكَمَاء الْعَالم الصَّغِير فَهُوَ على أهواء مُخْتَلفَة وطبائع مُتَشَتِّتَة وشهوات ركبت فيهم غالبة لَو تركُوا وَمَا عَلَيْهِ جبلوا لتنازعوا فِي تجاذب الْمَنَافِع وأنواع الْعِزّ والشرف وَالْملك وَالسُّلْطَان فيعقب ذَلِك التباغض ثمَّ التقاتل وَفِي ذَلِك التفاني وَالْفساد الَّذِي لَو أَمر كَون الْعَالم لَهُ لبطلت الْحِكْمَة فِي كَونه مَعَ مَا جعل الْبشر وَجَمِيع الْحَيَوَان غير مُحْتَمل للبقاء إِلَّا بالأغذية وَمَا بِهِ قوام أبدانهم إِلَى المدد الَّتِي جعلت لَهُم فَلَو لم يرد بتكوينهم سوى فنائهم لم يحْتَمل إنْشَاء مَا بِهِ بقاؤهم وَإِذ ثَبت ذَا لَا بُد من أصل يؤلف بَينهم ويكفهم عَن التَّنَازُع والتباين الَّذِي لَدَيْهِ الْهَلَاك والفناء
فَلَزِمَ طلب أصل يجمعهُمْ عَلَيْهِ لغاية مَا احْتمل وسعهم الْوُقُوف عَلَيْهِ على أَن الأحق فِي ذَلِك إِذْ علم بحاجة كل مِمَّن يُشَاهد وضرورة كل من المعاين أَن لَهُم مُدبرا عَالما بأحوالهم وَبِمَا عَلَيْهِ بقاؤهم وَأَنه جبلهم على الْحَاجَات لَا يدعهم وَمَا هم عَلَيْهِ من الْجَهْل وَغَلَبَة الْأَهْوَاء مَعَ مَا لَهُم من الْحَاجة فِي معرفَة مَا بِهِ معاشهم وبقاؤهم دون أَن يُقيم لَهُم من يدلهم على ذَلِك ويعرفهم ذَلِك وَلَا بُد من أَن يَجْعَل لَهُ دَلِيلا وبرهانا يعلمُونَ خصوصه بِالَّذِي خصّه بِهِ من الْإِمَامَة
[ ٥ ]
لَهُم وأحوجهم إِلَيْهِ فِيمَا عَلَيْهِ أَمرهم فَيكون فِي ذَلِك مَا بَينا من صدق من يَنْتَهِي قَوْله إِلَى قَول من دلّ عَلَيْهِ الْعَالم بِأَمْر الْعَالم أَنه هُوَ الَّذِي جعله المفزع لَهُم وَالْمُعْتَمد وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ اخْتلف فِي الْأَسْبَاب الَّتِي بهَا يعلم الْمصَالح وَالْحق والمحاسن من أضدادها فَمنهمْ من يَقُول هُوَ مَا يَقع فِي قلب كل مِنْهُم حسنه لزمَه التَّمَسُّك بِهِ وَمِنْهُم من يَقُول يعجز الْبشر عَن الْإِحَاطَة بِالسَّبَبِ وَلَكِن يتَمَسَّك بِمَا ألهم لما يكون ذَلِك مِمَّن لَهُ تَدْبِير الْعَالم
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وهما بعيدان من أَن يَكُونَا من أَسبَاب الْمعرفَة لِأَن وُجُوه التضاد والتناقض فِي الْأَدْيَان بَين ثمَّ عِنْد كل وَاحِد مِنْهُم أَنه المحق ومحال أَن يكون سَبَب الْحق يعْمل هَذَا الْعَمَل لما تصور الْبَاطِل بِنَفس صُورَة الْحق فمحال الثِّقَة بِمن ظهر كذبه كل هَذَا الظُّهُور مَعَ مَا كَانَ مُعْتَقدًا لمَذْهَب بإعتقاد الْحق بِمَا ذكرت عِنْد ضِدّه وَفِي إلهامه أَنه مُبْطل وَلم يكن لوَاحِد مِنْهُمَا دَلِيل غير الَّذِي لآخر فِي خطابه وَذَلِكَ نوع مَا لَا يدْفع الإختلاف والتضاد اللَّذين بهما التفاني وعَلى ذَلِك يبطل إِعْلَام الْقرعَة فِيمَا يعجز عَنهُ ذُو الْعقل وَلم يَجْعَل فِي الحكم الْجَبْر على الرِّضَا إِذْ هِيَ تخرج مُخْتَلفا وَكَذَلِكَ أَمر الْقَائِف فَلم يجز أَن يَكُونَا سببى الْحق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٦ ]