قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ اخْتلف أهل هَذَا القَوْل فِي قُوَّة الطَّاعَة أَهِي تصلح للمعصية أم لَا قَالَ جمَاعَة هِيَ تصلح للأمرين جَمِيعًا وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وجماعته وَهَذَا القَوْل أثْبته جَمِيع أهل الإعتزال عِنْد التَّأَمُّل ويحقق عَلَيْهِم القَوْل بتحقيق مَا لَا يُطَاق وَذَلِكَ سببهم فِي القَوْل بتقدم الْقُوَّة وَالله الْمُوفق
وأصل هَذَا أَنه لما كَانَ سَبَب من أَسبَاب القَوْل يصلح للشَّيْء وضده فَكَذَلِك الْقُدْرَة مَعَ مَا فِي نفى أَن يصلح للأمرين فَوت الْقُدْرَة على فعل ضد الَّذِي جَاءَ بِهِ وَقد يُؤمر بِهِ وَينْهى عَنهُ فِي وقته فَيلْزم القَوْل بِالْقُدْرَةِ على الشَّيْء وصده ليَكُون الْأَمر والنهى على الوسع وَالْقُوَّة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الأَصْل أَن كل شَيْء يصلح لشَيْء لَا يصلح لضده فَيكون الَّذِي بِهِ بالطبع لَا بالإختيار وَلَو كَانَت الْقُوَّة لَا تصلح لَهما لَكَانَ مَا كَانَ يَقع بالطبع لَا بالإختيار وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَالَ جمَاعَة مِنْهُم قُوَّة الطَّاعَة هِيَ غير قُوَّة الْمعْصِيَة مِنْهُم الْحُسَيْن وَغَيره وهم يذهبون إِلَى أَن قُوَّة الطَّاعَة التَّوْفِيق والعصمة وَقُوَّة الْمعْصِيَة الخذلان وَالتّرْك على مَا يخْتَار وَدَلِيل ذَلِك وجود سُؤال المعونة والعصمة على الْإِحَاطَة أَن لَيْسَ مَعَهُمَا زيغ والتوفيق على الْإِحَاطَة أَن مَعَه الْإِصَابَة وَكَذَلِكَ القَوْل الظَّاهِر باللهم قوني على طَاعَتك وأعني عَلَيْهَا وبتعوذ من الخذلان والإزاغة ثَبت لَو كَانَ يكون بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا مَا يكون بِالْآخرِ لم يكن الَّذِي يسْأَل بالسؤال أَحَق من الَّذِي
[ ٢٦٣ ]
يتَعَوَّذ مِنْهُ وَلَو كَانَ يكون بالعصمة زيغ لم يكن يطمئن الْقلب عِنْد الْوُجُود فَثَبت أَن قُوَّة كل نوع من ذَلِك غير قُوَّة النَّوْع الآخر وَثَبت بِمَا يسْأَل الْعِصْمَة والتوفيق كَمَا يسْأَل المعونة والتقوية أَنَّهُمَا فِي الْحَقِيقَة وَاحِد وَأَيْضًا أَنه لَا أحد يُطلق القَوْل فِي الْكَافِر أَنه موفق للْإيمَان مَعْصُوم عَن الْكفْر وَلَا أحد يمْتَنع عَنهُ فِي الْمُؤمن ثَبت أَن معنى ذَلِك المعونة على الْإِيمَان وَالْآخر الخذلان وَأَيْضًا أَن الْقُوَّة إِذْ هِيَ لَا تبقى وَقْتَيْنِ ليصلح بهَا الفعلان وَلَا سَبِيل إِلَى جمع الْفِعْلَيْنِ المتضادين فِي وَقت وَاحِد ثَبت أَن ذَلِك قُوَّة لأَحَدهمَا لَا لَهما وَأَن الَّذِي يكون لَهما يبْقى لاحتمالهما وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا أَن الْقُوَّة لَا يجوز وجودهَا إِلَّا وثمة اخْتِيَار كالنار فِي التحريق والثلج فِي التبريد إِنَّه يَقع بِهِ الَّذِي لَهُ طبع بالإضطرار وَذَلِكَ كالولاية مَعَ الْإِيمَان والعدوان مَعَ الكفران سببهما مُخْتَلف على اخْتِلَافهمَا فَمثله أَمر الْقُوَّة على الْأَمريْنِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ نذْكر طرفا مِمَّا يبين قبح قَول الْمُعْتَزلَة عِنْد التَّحْصِيل وَإِن كَانَ قَوْلهم فِي الْإِطْلَاق قولا لذيذا فِي السّمع يشبه أَن يكون حَقًا وَالله الْمُوفق
وَهُوَ من أَن قَوْلهم أَن الْقُدْرَة لَا تبقى وَقْتَيْنِ وَأَنَّهَا لَيست وَقت الْفِعْل فَوَقع الْفِعْل فِي الْحَقِيقَة وَلَا قُوَّة لَهُ وَقت وجوده وَذَلِكَ علم الإضطرار وَوُقُوع الْفِعْل بالطبع ثمَّ الدّلَالَة أَن حق مثله الإضطرار أَن فقد جَمِيع الْأَسْبَاب الَّتِي بهَا الْفِعْل لوقته يحِيل الْفِعْل ويوصف صَاحبه بالإضطرار ففوت الْقُدْرَة الَّتِي لَهَا الْفِعْل أَحَق بذلك فصيروه مُضْطَرّا إِلَى مَا يصير بِهِ وليا لله تَعَالَى وعدوا لَهُ عِنْد الإختيار
وَمِمَّا يُوضح ذَلِك أَيْضا أَن من قَوْلهم إِن من أَرَادَ التحرك للْوَقْت الثَّانِي مِنْهُ أَنَّهَا تقع لَا محَالة وَلَا يقدر صرفهَا إِلَّا بِمَنْع من قبل غَيره وَذَلِكَ آيَة الضَّرُورَة ثمَّ وَجَبت الْولَايَة والعداوة بِمثلِهِ وَذَلِكَ وَحش فِي الْعقل
[ ٢٦٤ ]
وَأَيْضًا أَن من قَوْلهم أَن لَيْسَ عَلَيْهِ وَقت الْفِعْل أَمر وَلَا نهى إِلَّا على الْمجَاز لما يَقُوله الْمُسلمُونَ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنه مَأْمُور بِهِ بِمَعْنى أَن كَانَ من قبل ليفعل فِيهِ فَإِذا لم يكن هُوَ مَأْمُورا بِهِ وَلَا مَنْهِيّا لم يكن بِالْفِعْلِ مؤتمرا وَلَا مرتكبا النهى وقته وَبِه تجب الْعَدَاوَة وَالْولَايَة فصارا فِي الْحَقِيقَة لَا لطاعة وَلَا لمعصية أَو لَا أَمر وَلَا نهى وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وعَلى ذَلِك قَوْلهم إِنَّه مَأْمُور بِالْفِعْلِ فِي الْوَقْت الثَّانِي وَفِي الثَّانِي مَأْمُور بِهِ فِي الْوَقْت الثَّالِث كَذَلِك أبدا فَلَا يفعل الَّذِي أَمر بِكُل وَقت وَلَيْسَ بتارك لِلْأَمْرِ لما لَيْسَ بمأمور وَقت التّرْك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الأَصْل الَّذِي فِي الْعقل دركه أَن كل مَأْمُور بِالْفِعْلِ للغد لَيْسَ بمأمور هُوَ بِهِ للْحَال فَكَذَلِك يجب فِي الْوَقْت الْقَرِيب فَيجب أَن الَّذِي أَمر بِالْفِعْلِ للْوَقْت الَّذِي يتلوه لَيْسَ بمأمور بِهِ للْحَال فِي الْعقل ثمَّ لَيْسَ بمأمور بِهِ فِي الْوَقْت الثَّانِي عِنْدهم وَلَا منهى عَن ضِدّه فَيبْطل حَقِيقَة الْأَمر والنهى بِمَا فِي الْعقل إحتماله على قَوْلهم وَيبْطل قوهم بِمَا فِي الْعقل دَفعه وهم مَعَ ذَلِك لَا يجْعَلُونَ لَهُ قدرَة فِي ذَلِك الْفِعْل فَيكون تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق على قَوْلهم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الْمَسْأَلَة بَينهم وَبَين الْحُسَيْن لَا معنى لَهَا لِأَن الْحُسَيْن يَقُول كل شَيْء يكون بِهِ فعل الطَّاعَة كَانَ مَعَ الْكَافِر سوى الْعِصْمَة والتوفيق وهم وافقوه بِأَنَّهُ لَا يُوصف بعصمة وَلَا توفيق فَحصل اخْتلَافهمْ على تَسْمِيَته قُوَّة أَولا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الأَصْل عندنَا فِي الْمَسْأَلَة أَن وجود الْفِعْل وَلَا قُوَّة لمن لَهُ الْفِعْل عَلَيْهِ يبطل معنى الْفِعْل ويصرفه إِلَى غَيره وَكَذَلِكَ وجود الْفِعْل مِمَّن هُوَ جَاهِل بِهِ وَهُوَ غير جَائِز ثمَّ كَانَ الْخطاب لَازِما بِسَبَب الْعلم وَإِن لم يكن حَقِيقَته مِمَّا لَو طلب
[ ٢٦٥ ]
يظفر بِهِ فَكَذَلِك الْقُدْرَة والفاجر بِالَّذِي لَا يلْزمه الكلفة لفوت مَا بِهِ يُطَاق بِهِ كَمَا لَا يلْزم الْمَجْنُون لفوت مَا يعلم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ نذْكر مَا ذكره الكعبي مِمَّا يبين وهمه فِي قضاياه زعم أَن تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق قَبِيح فِي الْعقل بالبديهة وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْعقل الَّذِي لَا يعرف الطَّاقَة غير الْقُوَّة الظَّاهِرَة وَهِي الصِّحَّة وَأما غَيرهَا فَلَيْسَ كَمَا يَقُول بل كلف الله صَاحب مُوسَى بِمَا يعلم أَنه لَا يَسْتَطِيع وَكَذَلِكَ تَكْلِيف مَا يجهل مثله فِي البديهة قسمته فَمثله الأول
ثمَّ يُقَال لَهُ وَكَذَلِكَ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق لوقت الْفِعْل قَبِيح فِي الْعقل وَالَّذِي ادعيته من الْقبْح إِنَّمَا هُوَ فِي عقول من يحِيل وجود الْفِعْل وَلَا قُوَّة وَذَلِكَ وَقت الْفِعْل فَصَارَ قَوْله عِنْد التَّحْصِيل هُوَ الْقَبِيح فِي الْعقل إِن صدق فِيمَا ادّعى وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأما الأَصْل أَن تَكْلِيف من منع عَنهُ الطَّاقَة فَاسد فِي الْعقل وَأما من ضيع الْقُوَّة فَهُوَ حق أَن يُكَلف مثله وَلَو كَانَ لَا يُكَلف مثله لَكَانَ لَا يُكَلف إِلَّا من يُطِيع وَلَيْسَ ذَلِك شَرط المحنة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَعِنْدنَا أَن الْقُدْرَة فِي الصَّحِيح السَّلِيم إِذْ هِيَ تحدث تباعا على قدر حرص الْعباد وإختيارهم وميلهم إِلَيْهَا فَمَا لم يحدث لم يحدث بتضيعهم إِذْ آثر وَا بذله واختاروا الْفِعْل الَّذِي يدفعهم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وعَلى مثل هَذَا التَّقْدِير عندنَا وَعِنْدهم أَمر الْفَهم وَالْعلم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ ذكر معنى يدل على سفهه فَقَالَ لَو جَازَ التَّفْرِيق بَين الله وَبَين مَا يكون من غَيره لجَاز أَن يكون الْكَذِب من غَيره يكون مِنْهُ صدقا فَلَا أدرى أَي
[ ٢٦٦ ]
شَيْء دَفعه إِلَى هَذَا الخيال وَقد بَينا بِخُرُوجِهِ ذَلِك وتعنته فِيمَا ادّعى على أَنه لَا يَخْلُو من أحد أَمريْن إِمَّا أَن يَجْعَل كل شَيْء يعرفهُ فِي الشَّاهِد من الْبشر حِكْمَة أَو سفها يَقُول بِهِ فِي الْغَائِب أَو ينظر إِلَى الْمَعْنى الَّذِي لَهُ صَار كَذَلِك فِي التَّحْقِيق فَنَقُول بِهِ فِي الْغَائِب فَإِن قَالَ بِالْأولِ لزمَه ذَلِك فِي خلق مَا لَا ينْتَفع بِهِ وَفِي خلق الشَّيْء من لَا شَيْء وَفِي التعذيب من غير دفع ثمَّ يُقَال نَفسه فِي إِجَازَته قَوْله بِالْكَذِبِ فمهما أجَاب من شَيْء فَذَلِك لَازم لَهُ فِيمَا قَالَ وَإِن نظر إِلَى الْمَعْنى أبطل قَوْله ذَا ببديهة الْعقل وَذَا لَا يجوز لَهُ وَهَذَا النَّوْع من الخيال الَّذِي لَا أصل لَهُ فَلَا وَمَتى تدْرك حقائق الْأَشْيَاء ببداهة الْعُقُول وَإِنَّمَا الْعُقُول ركبت مُمَيزَة بَين مُخْتَلف الْأَشْيَاء بمعانيها الَّتِي توجب الإختلاف ومؤلفة بَين مجتمعها بمعاني توجب الْجمع وَذَا حق الْفِكر وَالنَّظَر ليوصل بهما إِلَى ذَلِك ثمَّ لَا أحد يعلم عَالما بِشَيْء لَا علم لَهُ بِهِ قَادِرًا على شَيْء لَا قدرَة عَلَيْهِ بل كل مَعْرُوف ينفى الْقُدْرَة وَالْعلم مَوْصُوف بِالْجَهْلِ وَالْعجز إِذا احْتمل الْوَصْف بِالْقُدْرَةِ وَالْعلم إِنَّه عَالم قَادر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَإِن رَجَعَ إِلَى اعْتِبَار الْمعَانِي الَّتِي هِيَ أَسبَاب حقائق الْأَشْيَاء فَذَلِك لَهُ مُسلم وَلَا معنى لقَوْله ببديهة الْعقل إِنَّمَا ذَلِك حق الطباع ونفاره ثمَّ يُنكر أَن يكون فِي خلق الله قبيحا فِي الْحَقِيقَة وشرا وَفَسَادًا على وجود مَا لَا يُحْصى من ذَلِك على هَذِه الْأَوْصَاف بالعقول بل الله جلّ ثَنَاؤُهُ بِمَا جعلهَا كَذَلِك صرف بهَا مثل مَا قبح من الْأَفْعَال وتقطيع منظره أوعد بِهِ ذُو عقل أَيْن الَّذِي يُنكر مثل هَذَا من دَعْوَى بداية الْعُقُول ثمَّ لم يزل أئمتهم كلموا الثنوية بِجَوَاز كَون الْخَيْر وَالشَّر وَالطّيب والخبيث من وَاحِد ليدفعوا بِهِ القَوْل بالإثنين ثمَّ رجعُوا إِلَى إِحَالَة أحد الْوَجْهَيْنِ عَن الله فَمن حق الْوَجْه الآخر فِي الْمَوْجُود فِي الْعَالم أوجب مَا قَالَت الثنوية وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٢٦٧ ]
ثمَّ دفع مَا عورض بِخلق شَيْء لَا ينْتَفع بِهِ بِمَا لم يدل ذَلِك على تَكْلِيف الزَّمن فَهَذَا يبين أَن الَّذِي قَالَ ببديهة الْعقل كذب وَأَنه إِنَّمَا ادّعى الْقيَاس على مَا وَافقه خَصمه عَلَيْهِ لَا غير ثمَّ حصل بِمَا عَارض بِهِ خَصمه مِمَّا ادّعى ببديهة الْعقل على من يثبت صدقا مِمَّا هُوَ كذب فِي الشَّاهِد ثمَّ أجَاب بِمَا يُوجد احْتِرَاز النَّفْع بِالْفِعْلِ لَا يحِق عَلَيْهِ ثَبت أَن مَا قبح مِنْهُ لم يقبح لعَينه وَكَذَلِكَ يجد خَصمه مِمَّا يقدر عَلَيْهِ لَا يجوز التَّكْلِيف بِهِ ثَبت أَن ذَلِك لم يقبح لنَفسِهِ نَحْو الْفَوَاحِش وَالْكفْر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَذَا أولى لما يَجِيء مثل هَذَا من الصغار لَا يلْحقهُ وصف فحش وَلَا كفر وَلَا يَجِيء مِنْهُم فعل غير نَافِع نَفسه يُوصف بالحكمة وَالَّذِي قَالَ من إِصْرَار النَّفْع فَهُوَ من ذَلِك الْوَجْه حِكْمَة وَلَكِن من وَجه الضَّرَر صَار كَذَلِك وَهُوَ ضَرَر الْعَاقِبَة أَو كفران النِّعْمَة أَو مُخَالفَة الرب فِي الْفِعْل وَإِذا كَانَ بِهِ دَفعه وَلَزِمَه السُّؤَال وَلم يلْزم خَصمه فِيمَا عَارضه بالزمن الَّذِي أَجَابَهُ مِمَّا ينْقض عَلَيْهِ ليعلم بِهِ بعده عَن الْحق فِيمَا يُوَافق عَلَيْهِ وَيُخَالف فِيهِ جَمِيعًا ثمَّ إِن جَوَاب خَصمه سهل وَهُوَ مَا بَينا وَالله أعلم
ثمَّ قَالَ ذَلِك الَّذِي قيل فِيمَن يفعل لحَاجَة قيل وَالْأول أَيْضا قبح مِمَّن لَا يملك التقوية لَو طلب مِنْهُ وتضرع إِلَيْهِ ثمَّ عَارض نَفسه بِمن يدْفع إِلَى عَبده مَا يعلم أَنه يعصيه بِهِ فَقَالَ قد يكون ذَلِك حِكْمَة نَحْو من يعلم بِخَبَر الرَّسُول أَنه لَا يُؤمن يجوز أَن يطعمهُ وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يعلم من تَأمله جَهله بِمَا عَارض بِهِ نَفسه لِأَن الَّذِي ذكره لَا يجوز أَن يُعْطِيهِ ليؤمن بذلك بعد علمه بِأَنَّهُ لَا يفعل وَإِنَّمَا يُعْطِيهِ لمنافع سوى هَذَا والمعتزلة تزْعم أَنه أعْطى الْقُوَّة ليؤمن بهَا وَهُوَ يعلم أَنه يكفر بهَا فَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا قدر فِي شَيْء ثمَّ الْمُعَارضَة كَانَت فِيمَن يعصيه فَلَا أحد يعد نَفسه فِي الْحُكَمَاء إِذا علم أَن عَبده بِالَّذِي يُعْطِيهِ يعصيه وَلَا يكْتَسب رِضَاهُ بل يعْمل بعداوته وَشَتمه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٢٦٨ ]
وَلَكِن ذَا عندنه إِنَّمَا قبح فِي الشَّاهِد لِأَن ذَلِك يضرّهُ وَيدخل عَلَيْهِ الْأَلَم وَذَلِكَ لَا يحْتَمل أَمر الْغَائِب وَالله الْمُوفق
ثمَّ قَالَ لِأَن لَيْسَ لمن حضر أَن يمْتَحن وَنَحْو ذَلِك فَأنى لَهُ هَذَا بعد تَقْدِير فعل الْغَائِب بِالشَّاهِدِ على تَحْقِيق مَا يجد فِيهِ لِأَنَّهُ يُقَابل بِجَمِيعِ مَا أنكر وَادّعى الْخُرُوج من الْحِكْمَة أَن ذَلِك فِي فعل من ذَلِك وَصفه فَأَما الله سُبْحَانَهُ وحكمته فَهُوَ متعال عَن وقُوف عقل مثله على حَقِيقَة ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقد بَينا تَأْوِيل قَوْله ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ وَبينا قبح قَوْله فِي إِسْقَاط التَّكْلِيف وَقت الْفِعْل وَإِبْطَال الْقُدْرَة عَلَيْهِ فَيصير فِي التَّحْصِيل هُوَ الْمُكَلف على غير الوسع على أَنه يُقَال كَيفَ لَو كَانَ فِي علم الله أَنه لَا يفعل أَو فِي علمه أَنه يُرِيد الْفِعْل فِي الْوَقْت الَّذِي يتلوه وَمن قَوْلكُم إِن من أَرَادَ الْفِعْل فِي الْوَقْت الَّذِي يتلوه إِنَّه يَفْعَله لَا محَالة إِلَّا أَن يمْنَع أَن يَفْعَله أيمنع أَو يفعل ضِدّه فَإِن قَالَ يفعل ضِدّه أبطل قَوْله فِي كَون الْإِرَادَة قبل الْفِعْل وألزم نَفسه الْأَمر مَعَه وَالْقُدْرَة مَعَه وَبَطل قَوْلهم فِي الْإِرَادَة الْمُوجبَة وَإِن قَالَ يمْنَع فقد ألزم من فِي علم الله أَنه لَا يفعل التَّكْلِيف بِقُوَّة تمنع عَن الْفِعْل وَهُوَ فِي التَّحْقِيق تَكْلِيف الْعَاجِز الْمَمْنُوع وَإِن كَانَ بِرَفْع الكلفة أبطل أَن يكون أحد مِمَّن فِي علم الله أَنه لَا يُعْطِيهِ مِمَّا تضمنته المحنة وَلَزِمَه الْأَمر والنهى وَذَلِكَ غَايَة مَا ينتهى إِلَيْهِ القَوْل فِي الْقبْح وعَلى ذَلِك أَمر الْإِرَادَة إِن الله إِذْ يمنعهُ عَن الْفِعْل الَّذِي فِي حكمه أَنه لَا يَفْعَله لَا بُد أَن يمنعهُ كالإرادة وَفِي ذَلِك منع عَن الطَّاعَة إِذْ يمنعهُ عَن الْفِعْل الَّذِي فِي علمه أَنه لَا يَفْعَله لَا بُد أَن يمنعهُ بالإرادة وَفِي ذَلِك منع عَن الطَّاعَة عِنْده وَالْخَيْر ثمَّ يُقَال المروى عَن الَّذِي روى أَنه سل سَيْفه على رَسُول الله فَمَنعه الله بِقَبض يَده أَكَانَ ذَلِك الْمَنْع أصلح لَهُ فِي الدّين وأخير لَهُ أَو الْإِطْلَاق فَإِن قَالَ الْإِطْلَاق فقد أقرّ بِأَن الله قد يفعل بعباده
[ ٢٦٩ ]
مَا كَانَ غَيره أصلح فِي الدّين وَإِن قَالَ الْمَنْع فقد أقرّ أَن الْمَنْع قد يكون أصلح فَكل عَاص لم يمْنَع عَنهُ لم يفعل بِهِ الْأَصْلَح وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
واحتجاجه بقوله ﴿لَو استطعنا لخرجنا مَعكُمْ﴾ قد بَينا مَا عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَمَا يظْهر أَن خَصمه أَشد لاتباع ذَلِك ومعرفته مِنْهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ عَارض بِمَا لَا يُحَقّق لَهُم الْعذر بالفقر إِلَّا بِمَا لَا يتهيأ لَهُم الْفِعْل وَذَلِكَ الْمَعْنى فِي فقد الْقُدْرَة مَوْجُود
قَالَ الشَّيْخ ﵀ جَوَابه من أوجه ثَلَاثَة أَحدهَا أَن الَّذِي مَعَه من المَال لَو لم يبلغهُ لم يعرض عَلَيْهِ وَقُوَّة فعل الْبلُوغ لم تكن مَعَه فَلم يمْنَع الْغَرَض فَمثله أَمر وجود الْأَمريْنِ محَال للْحَال وعدمهما وَأَيْضًا أَن الْأَمر الْمُعْتَاد أَن تحدث القوى تباعا على قدر مَا يختاره العَبْد وَيُرِيد من الْفِعْل فَهِيَ تحدث لَا محَالة إِلَّا أَن تضيعها هُوَ بِصَرْف الإخيار إِلَى غير مَا يفعل بهَا فبالتضييع عدم هَذِه الْقُدْرَة وَالْأُخْرَى بِالْمَنْعِ لذَلِك اخْتلفَا وَالثَّالِث إجَازَة وجود الْفِعْل فِي حَال لَا قدرَة فِيهَا وَلَا يجوز فِي حَال لَا سَبَب بِهِ يحدث الْقُدْرَة ثَبت أَن أحد الْوَجْهَيْنِ لَيْسَ بنظير للْآخر وَالله الْمُوفق
ثمَّ عَارض بِجَوَاز الْأَمر بِالْخرُوجِ على أَن يُعْطوا المَال مَعَه وَزعم أَنه إِن أجَاز أبطل قَوْله وَإِن لم يجز ترك قَوْله
فيجاب فِي هَذَا بالأوجه الثَّلَاثَة من التَّفْرِيق بالمبلغ وَغير الْمبلغ وبالأمر الْمُعْتَاد وَبِمَا يُنكر هُوَ الْفِعْل لوقت عدم الْأَسْبَاب وَلَا يُنكر لوقت عدم الْقُوَّة وَلما أحد الْوَجْهَيْنِ يعْدم لَا بِهِ وَالْآخر لَا وَلَو كَانَ يعلم أَيْضا حُدُوث الْأَمْلَاك على التَّتَابُع بِخَبَر الصَّادِق لَكَانَ الْجَواب فيهمَا لَا يخْتَلف وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
مَعَ مَا فِي الْمُعَارضَة إِذا حققت إحالته وَهُوَ أَن تصريف المَال مَعَ الْملك لَهُ لَا يحْتَمل كالحركة مَعَ خلق الله الْجِسْم لَا حَرَكَة ضَرُورَة وَلَا اخْتِيَار وَنَوع
[ ٢٧٠ ]
حَرَكَة الضَّرُورَة قد يكون مَعَ الْعَجز وَمثله الإختيار مَعَ الْقُدْرَة على أَن الْقُدْرَة لَو كَانَت بِحَيْثُ لَا يُجَامِعهَا الْفِعْل ليبطل أَن يكون بهَا الْفِعْل بل بعدمها يكون وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
أَلا ترى أَن الْأَمْوَال والأسباب مَعَ قِيَامهَا بِفعل على بَقَائِهَا تُوصَف بقدمها وبحال إبْقَاء الْقُدْرَة فَمثل ذَلِك وصف التَّقَدُّم وَالله أعلم
وَفِي الْمَسْأَلَة سوى مَا قدمنَا ذكره من الْأَدِلَّة أَنه لَو كَانَ الْعَجز الْمُتَقَدّم يمْنَع الْفِعْل لوقت الْقُدْرَة ليجب أَن يكون الْقُدْرَة الْمُتَقَدّمَة توجب الْفِعْل لوقت الْعَجز وَفِي إِحَالَة ذَلِك إِحَالَة الأول وَلَو كَانَ الْفِعْل يَقع لفقد الْقُدْرَة لَكَانَ كلما دَامَت دَامَ الْفِعْل إِذْ أَسبَاب الْأَشْيَاء لما هِيَ لَهَا كلما دَامَت أوجبت دوامها وَفِي ذَلِك لُزُوم القَوْل بالوجود مَعهَا ثمَّ زعم أَن الْقُدْرَة محَال كَونهَا مَعَ الْفِعْل لِأَن الله يرَاهُ مَوْجُودا ومحال كَون الْقُدْرَة مَعَ الْفِعْل الْمَوْجُود
قيل عنيت بالوجود الْفَرَاغ مِنْهُ أَو هُوَ فِيهِ فَإِن قَالَ الْفَرَاغ مِنْهُ بِأَن كذبه عِنْد من يعقل وأبطل قَوْله يجوز أَن يكون فِي ذَلِك بِالْبَدَلِ وَهُوَ الْعَجز مَعْدُوما وَلم يجب القَوْل بإحالة الْعَجز مَعَ الْمَعْدُوم وَإِن كَانَ يرَاهُ مَعْدُوما إِذْ لم يكن الْعَدَم متقضيا بل هُوَ مَشْغُول بِهِ ثمَّ يُقَال لَهُ الله يواليه ويعاديه مَعَ فعله أَو قبله أَو بعده فَإِن قَالَ قبله أَحَالهُ وَإِن قَالَ بعده أبطل قَوْله يرَاهُ مَوْجُودا لِأَنَّهُ يُحَقّق وجود فعل الْعَدَاوَة وَالْولَايَة وَلَا عَدَاوَة وَلَا ولَايَة وَإِن قَالَ فِي حَاله قيل صَار السَّبَب مَعَ الْمُسَبّب مَوْجُودا وَلم ينف كَون الْفِعْل مَعَه وَإِن كَانَ يرى الْولَايَة والعداوة موجودتين فَمثله الْقُدْرَة وَأَيْضًا أَنه على أَي حَال يرَاهُ يرى الْقُدْرَة مَعَه على مَا نرى إلقا الشَّيْء وإخراجه مَعَ خُرُوج ذَلِك وإلقائه وَلم يبطل حق الْإِلْقَاء والإخراج بِمَا يرى الشَّيْء على مَا يرَاهُ فَمثله الَّذِي ذكرت وَإِذ جَازَ أَن يرَاهُ مَوْجُودا وَمَعَهُ الْأَسْبَاب كلهَا وَلم يبعد ذَلِك فَمثله الْقُوَّة بل كَذَلِك يجب أَن يرى كَمَا كَذَلِك يجب أَن يرى مَعَ الْأَسْبَاب
[ ٢٧١ ]
وَجُمْلَته أَن للْفِعْل وَقت الْعَدَم وَهُوَ قبله وَوقت الفناء وَهُوَ بعده وَوقت الْوُجُود وَهُوَ فِي حَاله وَلَا محَالة يرَاهُ الله مَعَ أَحْوَال فعله على مَا ذكر لَا غير وَكَذَلِكَ الْأَوْقَات الَّتِي تقع فِيهَا الْأَفْعَال والأمكنة فعلى ذَلِك الْأَسْبَاب فَمثله الْقُوَّة يَرَاهَا مَعْدُومَة قبله فانية بعده مَوْجُودَة مَعَه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
واحتجاجه بقوله أَو لَا يَسْتَطِيع أَن يمل هُوَ ماسلف بَيَانه مَعَ إحتماله لَا يحسن وَهُوَ استطاعة الْعَجز أَيْضا دَلِيل ذَلِك مَا بَينا أَن قدرَة التَّمام لَا تكون قبل الإبتداء وَقد أضيف إِلَيْهِ الْكل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ قَالَ أَن لَا يُؤمن حَتَّى يقدر وَلَا يقدر حَتَّى يُؤمن فَهُوَ يبْقى أبدا غير مُؤمن كالواقع فِي الْبِئْر إِذا كَانَ لَا يخرج حَتَّى يَأْتِيهِ الْحَبل وَلَا يَأْتِيهِ حَتَّى يخرج فجواب هَذَا قد تضمنه مَا ذكرت من الْأَشْيَاء الَّتِي تقع مَعَ أَسبَاب لَهَا لَا تتقدم وَلَا تتأخر ثمَّ لم يقل ذَلِك للْعلم بِأَنَّهَا تقع إِذا لم يعقل عَنهُ وَلَا يعرض فَمثله الَّذِي ذكرت وَالْأَصْل الَّذِي زعم إِنَّمَا يعظم وجوده إِذا جعل كل وَاحِد مِنْهُمَا يُوجد بِوُجُود الآخر مُتَقَدما فَأَما وجود ذَلِك مَعًا فَعَلَيهِ أَكثر أَمر الدّين وَالدُّنْيَا من وجود شَيْئَيْنِ مَعًا لَا يجوز تقدم أَحدهمَا على الآخر ثمَّ عَارض نَفسه بالإلقاء على مَا سبق وَصفه وتكلف إجَابَته بِمَا لَو رزق الْحيَاء مَا سمحت لَهُ نَفسه بالتفوه بِهِ فَقَالَ إِن إِلْقَاء الشَّيْء هُوَ خُرُوجه من يَده لَا غَيره والإستطاعة غير الْفِعْل فَمن نظر إِلَيْهِ يعرف كذبه فَإِن الْإِلْقَاء هُوَ الْخُرُوج لَا غير بالبديهة بِلَا تَأمل وَإِذا لم يكن غير فَإِذا لَيْسَ ثمَّة إِلَّا الْخُرُوج مِمَّا ألزمهُ الْفِعْل وَيجوز كَون الْخُرُوج وَلَا صنع مَعَه لَهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ احْتج لخصمه بِمَا يشبه جَوَابه هَذَا لَعَلَّه نَفعه ثمَّ احْتج لخصمه بقول المساول الْقيام بحاجته لَا أَسْتَطِيع وَهُوَ مِمَّن لَا عِلّة بِهِ فَزعم أَنه لَا يُرِيد
[ ٢٧٢ ]
بِهِ نفى الْقُوَّة إِنَّمَا يُرِيد نفى النشاط دَلِيل ذَلِك مَا يعود عَلَيْهِ السَّائِل بالْقَوْل فَيَقُول بل تَسْتَطِيع لكنك لَا تنبسط بمعونتي وَقد قسمت بحوائج فلَان فَكيف تَقول لَا أَسْتَطِيع
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ لَهُ جوابان أَحدهمَا أَنَّهُمَا جَمِيعًا صدقا إِذْ عدم النشاط يرفع الْقُوَّة وَأمكن الْقيام بذلك والنشاط من ذَلِك فيوجد الْقُوَّة وَهُوَ مَا يَقُول وهما أَمْرَانِ معروفان لذَلِك لَا يجوز إِلْحَاق الْكَذِب بِوَاحِد مِنْهُمَا وعَلى مَا يَقُوله عِنْده إِلْحَاق وَالثَّانِي إِنَّه قَالَ على الْأَمر الْمُعْتَاد إِنَّه لَو قَامَ بِهِ لآتته الْقُدْرَة أَلا ترى أَنه احْتج بِالْقيامِ بحوائج غَيره وَمَعْلُوم أَن تِلْكَ الْقُدْرَة قد زَالَت عَنهُ وَالله الْمُوفق
وَزعم أَن الْكَافِر مَأْمُور بِهِ فِي حَال كفره بِالْإِيمَان تَأْوِيله أَن النهى تَقْدِيمه فَيلْزمهُ أَن يَقُول هُوَ قَادر عَلَيْهِ بقدرة تقدّمت وَزعم أَنه ترك فِي الأول لقَوْل الْمُسلمين وَوجه إِلَى مَا أمكن وَفِي الآخر لم يقل
نقُول نَحن وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق لَا أحد من الْمُسلمين إِلَّا وَعِنْده أَن الْكَافِر فِي حَال كفره قوى على مَا هُوَ عَلَيْهِ فَقل فِي الْقُدْرَة مثل الَّذِي قلت فِي الْأَمر إِذْ الْمَعْنى وَاحِد فِي القَوْل والتحصيل جَمِيعًا ثمَّ تَأْوِيله قَول الْمُسلمين على وَجه يعلم كل مُسلم أَن ذَلِك لم يخْطر بِبَالِهِ بل لايحتمله عقل كل أحد لَو ألزم يجْهد أَن يكون كَافِر لَيْسَ بمنهى عَن كفره وَلَيْسَ بمأمور فِي حَاله فَإِذا لم يكن فِي وقته مَأْمُورا مَنْهِيّا لما هُوَ فِيهِ وَلَا لضده وَهُوَ كَذَلِك فِي الْوَقْت الثَّانِي وَالثَّالِث إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَفِي ذَلِك بطلَان الْأَمر وَالنَّهْي على التَّحْقِيق لِأَنَّهُ يكون الْأَمر بالشَّيْء للْوَقْت الثَّانِي والنهى عَن ضِدّه وَهُوَ فِي ذَلِك لَيْسَ بمؤتمر بِالْأَمر وَلَا مرتكب النهى لِأَنَّهُ لَيْسَ ذَلِك وَكَذَا فِي كل وَقت فَيبْطل حق الْأَمر والنهى عَن الْفِعْل أبدا وَيرجع إِلَى غير حَال الإئتمار والإرتكاب وَذَلِكَ بعيد ثمَّ ذكر سُؤال خَصمه من وَجه يحْتَمل خَصمه قَوْله فَقَالَ إِذْ أثبتم لأنفسكم الْقُدْرَة فقد أشبهتم
[ ٢٧٣ ]
الله بهَا فَقَالَ لَا يجب ذَا لما قدرت بِهِ وَهُوَ لَا بِغَيْرِهِ كَمَا يُقَال فِي الْعلم
قَالَ الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور ﵀ لَو قدرت بِاللَّه لم يجز أَن تَزُول بقدرتك قدرَة الله كَمَا إِذْ علمت بِهِ لم يزل بعلمك علم الله بِهِ
وَبعد فَإِن السُّؤَال من وَجْهَيْن أَحدهمَا الإنفراد بِالْقُدْرَةِ وَبِه احتججت فِي نقض قَول الثنوية فيلزمك فِي هَذَا وَالثَّانِي أَن ذَلِك يُوجب الْغنى عَن الله فِي الْفِعْل قبل وجوده وَلَا يجوز أَن يكون الله يغنى أحدا عَن نَفسه فَإِن قلت يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْإِبْقَاء أحلّت عنْدك لِأَنَّهَا لَا تحْتَمل وَإِن قلت يحدث أُخْرَى فقد أغناه عَنهُ فِي وَقت وَلَو جَازَ ذَلِك فِي الْوَقْت مَعَ قيام العبودة يجوز أبدا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالْأَصْل أَن الْقُدْرَة محَال كَونهَا لَا للْفِعْل وَكَذَلِكَ الْعَجز لَا عَن فعل ثمَّ قد يجوز أَن يكون قَادِرًا فِي وَقت للْفِعْل يعجز فِي الْوَقْت الثَّانِي إِذْ مَعْلُوم وجود مثله فَيكون الله تَعَالَى معطيا الْقُوَّة لشَيْء يَسْتَحِيل كَونه وَفِي ذَلِك فَسَاد كَون الْقُوَّة للْفِعْل فألزم مَا أوجبه الْعقل إِنَّهَا لَا تكون إِلَّا للْفِعْل إِحَالَة القَوْل بالتقدم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ عَارض نَفسه بِأَمْر فِرْعَوْن إِنَّه لَو كَانَ يقدر على الْإِيمَان لَكَانَ يقدر على إبِْطَال علم الله وَهَذَا فِي فِرْعَوْن وكل من فِي علم الله أَنه لَا يُؤمن فَأجَاب بِأَن ذَا لَا يجب لِأَن الْقُدْرَة غير الْإِيمَان الَّذِي هُوَ الْمَعْلُوم أَنه لَا يكون وَلَو لزمنا ذَلِك فِي الْقُوَّة ليلزمكم فِي الْأَمر ثمَّ عَارض بقدرة الله على إنْشَاء الْعَالم ليحال من غير أَن يجوز الْوَصْف بِالْقُدْرَةِ على إبِْطَال علمه فَمثله الأول ثمَّ عَارض حُسَيْنًا بِالْإِطْلَاقِ أَنه أطلق بَينه وَبَين الْإِيمَان أَتَقول فِي أَنه أطلق فِي إبِْطَال علم الله ثمَّ قَالَ الله عَالم أَن لَو كَانَ كَيفَ يكون فَلَو كَانَ لم يكن يخرج من علم الله
[ ٢٧٤ ]
قَالَ الشيح أَبُو مَنْصُور ﵀ وَوجه الإعتبار بِهِ لَيْسَ على مَا قدر وَلَكِن بِمَا يَقُول بالأصلح وَمَعْلُوم أَن الله لَو لم يكن ملكه على مَا ملكه لم يكن ليقدر أَن يضل من أضلّهُ وَيمْنَع من يمنعهُ عَن طَاعَة رَسُوله وَكَانَ ذَلِك أقل للغواية وَأقرب إِلَى الطَّاعَة فَثَبت أَن القَوْل بالأصلح بَاطِل مضمحل وَالثَّانِي أَنه إِذا أخبر أَنه لَا يُؤمن بِاللَّه وَقد علم ذَلِك وَهُوَ عدوه وإقدار الْعَدو على تسفيه الْمُقدر وتقويته على نقض ملكه وإبطاله ربوبيته خَارج عَن حد الْحِكْمَة ببديهة الْعقل مَعَ مَا فِيهِ تَمْكِين عدوه لأعظم منَّة لَهُ عَلَيْهِ أَن يَقُول لي عَلَيْك كل منَّة أَو ملكتني نقض ربوبتك بِمَا لَا يكون رَبًّا جَاهِلا وقويتني على إِزَالَة حكمتك بِمَا لَا يكون حَكِيم كذوب وَقد جعلت لي الْقُدْرَة على ذَلِك وَبِذَلِك أَمرتنِي وَقد تعلم أَنِّي لَو شِئْت لفَعَلت فتمت لَك الربوبية وسلمت لَك الْحِكْمَة فمنتي عَلَيْك أعظم ونعمتي لديك أَعم فَبِأَي نعْمَة لَك تعاقبني وَبِأَيِّ حِكْمَة تَأْمُرنِي وَبِي تمت لَك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالثَّالِث أَن طَرِيق معرفَة فَسَاد القَوْل بإثنين لَيْسَ إِلَّا قدرَة أَحدهَا على مَا لَا يُعلمهُ الآخر وَفِي ذَلِك إِيجَاب ذَلِك وَلَو جَازَ ذَا من غير أَن يكون فِي ذَلِك فَسَاد الألوهية لبطل قَول الْمُوَحِّدين فِيمَا بِهِ أبطلوا قَول الثنوية وَقَوله يعلم أَنه لَو آمن كَيفَ يكون فَهَذَا معنى لَا مَنْفَعَة فِيهِ لِأَنَّهُ مَعَ علمه بذلك يعلم أَنه لَا يُؤمن أَولا فَإِن قَالَ لَا سفهه وَإِن قَالَ نعم قيل فِي ذَلِك وَقعت الْمُطَالبَة وَقد ذكرت أَنه لَو آمن لم يخرج من علمه فَكيف لم يخرج وَعلمه أَنه لَا يكون وَقد كَانَ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأما قَوْله لَو لم يقدر عَلَيْهِ لم يكن ملوما فَهُوَ مثل القَوْل سَوَاء وَدَلِيله أَنه قَوْله بل عَلَيْهِ أعظم اللائمة لما هُوَ صنع الْقُدْرَة حَيْثُ أعرض عَن الَّذِي بِهِ يَأْتِيهِ وَقَوله لَا يلْزمنَا لِأَن الْقُدْرَة غير الْإِيمَان يدْفع أَيْضا فَمَا فِيهِ مَا يمْنَع اللُّزُوم بل إِنَّمَا لزم ذَلِك لِأَن الْقُدْرَة غير الْإِيمَان ثمَّ اعْتِبَاره بِالْأَمر فَاسد لِأَنَّهُ استعباد
[ ٢٧٥ ]
بِهِ يظْهر ذله وعبوديته وَالْقُوَّة هِيَ الْغنى والعلو والرفعة فَهُوَ الْوَجْه الَّذِي بِهِ يبطل ربوبيته غيرا لله وَلَيْسَ فِي الْأَمر ذَلِك على أَنه لَو لم يكن أَمر وَلَا نهى كَانَ القَوْل بيؤمن وَيكفر وَيقدر وَلَا يقدر لَا معنى لَهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَبعد فَإِن الْقُدْرَة ثَمَرَتهَا الْفِعْل وَبِه يكون الَّذِي ذكر لَا بِالْأَمر لذَلِك لم يصر الْأَمر بِالْأَمر أمرا بِالَّذِي ذكرت فبالإقدار يصير ملكا غَنِيا مستخلفا لما إِذا تمّ كَانَ رَبًّا إِلَهًا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَبعد فَإنَّا عَارَضنَا بِالَّذِي طَرِيق الْعلم بِهِ الْعقل من الْوَجْه الَّذِي ذكرت وَالْأَمر لَا يُنَاقض مَا يُوجِبهُ الْعقل وَلَوْلَا الْأَمر كَانَ الأول بِالْعقلِ وحشيا فَأَما أَن يعرف وَجه الْحِكْمَة فِي الْأَمر أَو لَا يعرفهُ بِالَّذِي عَرفْنَاهُ لم يجب دَفعه بِمَا يتَعَذَّر عَلَيْهِ وَجه الثَّانِي وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وأيد الَّذِي ذكرت أَمر الشَّاهِد أَن كل قوى يرْتَفع ويجل بقوته وَلَا يُؤمر الْجَلِيل الْعَظِيم بِشَيْء ثَبت أَن فِي الْأَمر ذلة واستعبادا فَهُوَ لَا يُوجب ذَلِك وَفِي الإقدار رَفعه وعلوه فَهُوَ يُوجب وَالله الْمُوفق
وَبعد فَإذْ لَا تُوجد قدرَة لَا تضيع فوجودها يُوجب الْفِعْل الَّذِي يقْصد وَحقّ الْأَمر اللُّزُوم لَا وجود الْفِعْل وَكم من أَمر بِهِ لَا ائتمار هُنَالك فَلذَلِك لم يجب بِهِ وَمَا ذكر فِي الله فَهُوَ بقدرته ونفاذ مَشِيئَته وَجرى سُلْطَانه فتمت ربوبيته واستوجب الْجلَال والرفعة بِذَاتِهِ لم يجز أَن يكون فِيهِ مَا ذكر من الْخَوْف بل بِهِ تَمام الْحِكْمَة وعلو الرُّتْبَة وَفِي إِيجَاب ذَلِك لغيره نقض أَلا ترى أَنه قد نقض قَول الثنوية بِالَّذِي ذكرت وَلَا يقبل قَوْلهم بمعارضته مثله فِي الله أَنه يقدر على مَا علم أَنه لَا يفعل فَإِذا يقدر على نقض ربوبيته وبمثله جَعَلُوهُ فِي غَيره مُعَارضا مُوجبا ذَلِك فَمثله الَّذِي نَحن فِيهِ وَوجه آخر أَنه لَا يُوجب لله قدرَة وَلَا علما بقوله لَهُ قدرَة بِكَذَا وَعلم بِكَذَا لَا معنى لَهُ وَذَلِكَ مُتَحَقق فِي غَيره
[ ٢٧٦ ]
فالمعارضة لَهُ لَازِمَة وَأَيْضًا أَن الله إِذْ هُوَ قَادر بِذَاتِهِ عَالم بِذَاتِهِ فمحال وَصفه بِالَّذِي ذكر إِذْ بذلك تمت ربوبيته وَجل سُلْطَانه وألوهيته وَقد يكون الشَّيْء الْمَوْصُوف بِذَاتِهِ مِمَّا إِذا ثَبت لغيره عَلَيْهِ سُلْطَان تجرى قدرته عَلَيْهِ كالأعراض الَّتِي هن مختلفات لأنفسهن والأجسام لَهُنَّ أَو الْأَجْسَام الَّتِي هن قائمات بِأَنْفُسِهِنَّ والأعراض بِهن ثمَّ لله عَلَيْهَا سُلْطَان وَملك فَلَو جعلنَا على الله فِي إبِْطَال تَقْدِيره وَنقص تَدْبيره وَإِزَالَة علمه وَنفى الْحَقِيقَة عَن خَبره لَكَانَ تَحت قدرَة غَيره وَفِي سُلْطَان آخر فتعالى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا مَعَ مَا الْإِطْلَاق يرجع إِلَى الْأَمر وَقد بَيناهُ
ومسألتان فِي الْقُدْرَة على الْقَدَرِيَّة يوجبان أَن الله لَيْسَ بِقَادِر بِذَاتِهِ أَحدهمَا أَنهم قَالُوا يقدر الله جلّ ثَنَاؤُهُ على حركات الْعباد وسكونهم فَلَمَّا أقدرهم على تِلْكَ الحركات والسكون زَالَت عَنهُ الْقُدْرَة عَلَيْهَا فَيكون قَادِرًا فِي التَّحْقِيق بِغَيْرِهِ إِذْ هُوَ بِذَاتِهِ على مَا كَانَ عَلَيْهِ فَلَو كَانَت تِلْكَ الْقُدْرَة لَهُ بِذَاتِهِ لم تكن تَزُول عَنهُ إِذا أقدر عَلَيْهَا غَيره وَمِمَّا يبين ذَلِك أَنه إِذْ كَانَ عَالما لذاته بِكُل شَيْء لم يذهب علمه لما أعلم غَيره فَمثله الْقُدْرَة مَعَ مَا كَانَت أَدِلَّة غيرية الْأَعْرَاض للأجسام هِيَ وجود الْأَجْسَام دونهَا وَمثل ذَلِك عِلّة غيرية الْقُدْرَة وَالْعلم فِي الشَّاهِد إنَّهُمَا غير الَّذِي لَهُ فَكَذَلِك القَوْل بِالَّذِي قَالُوا فِي الله سُبْحَانَهُ وَمِمَّا يزِيد لهَذَا وضوحا أَنه لَو أَرَادَ أَن يحركه بحركة الإضطرار ويسكنه ذَلِك التسكين وَمَعَهُ تِلْكَ الْقُدْرَة لم يقدر عَلَيْهِ حَتَّى يَأْخُذ مِنْهُ تِلْكَ الْقُدْرَة فَثَبت أَنه بهَا يقدر وَهِي الَّتِي تَزُول عَنهُ وتعود إِلَيْهِ وَهَذَا نعت الْأَجْسَام وَحَقِيقَة الْأَعْرَاض وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالثَّانِي أَن الله تَعَالَى لما أقدر عَبده على إِتْلَاف شَيْء ذهبت عَن الله قدرَة الْإِبْقَاء الَّذِي يُرِيد ذَلِك والإبقاء فعله فَصَارَ عَن فعله الَّذِي هُوَ فِي الْحَقِيقَة
[ ٢٧٧ ]
فعله مَمْنُوعًا وَمن احْتمل الْمَنْع لغيره يحْتَمل الْإِطْلَاق بِهِ وَفِي الأول إعجاز وَفِي الثَّانِي إقدار وجبا جَمِيعًا لَهُ بِغَيْرِهِ جلّ الله عَن ذَلِك
ثمَّ قَالَ الكعبي إِن قَالَ قَائِل لَو جَازَ أَن يبْقى الْقَادِر وقتا لَا يفعل فِيهِ لم لَا جَازَ كَذَلِك أوقاتا كَثِيرَة كَمَا يُوصف بذلك الله تَعَالَى
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ وَقد أَخطَأ فِي التَّقْدِير وَإِنَّمَا السُّؤَال فِيهِ من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الْقُدْرَة إِذْ لَيست إِلَّا للْفِعْل وَقد تَخْلُو عَنهُ وقتا جَازَ أَن تَخْلُو عَنهُ أوقاتا وَقد حققت هَذَا الْوَصْف لله وَالثَّانِي أَنه للْوَقْت الثَّانِي من وَقت الْقُدْرَة لَيْسَ بواجد لَهَا وَجَاز الْفِعْل بهَا لم لَا كَانَ للْوَقْت الْعَاشِر كَذَلِك وَإِن لم يجدهَا أَو إِذْ لم يجز الْفِعْل بهَا بعد فنائها بأوقات وَجب أَن لَا يجوز بِوَقْت فَأجَاب عَن الأول أَن الله كَذَلِك بِمَا لَا تتضاد عَلَيْهِ الْأَفْعَال وَيقدر على مَا لَا ضد لَهُ وَالْعَبْد لَا يقدر على مَا لاضد لَهُ لذَلِك لم يجز أَن يُوجد أوقاتا غير فَاعل فَيُقَال وَمَا فِيمَا ذكرت مَا قوبلت بِهِ بل قيل لَك مَا منع أَن يكون من يتضاد عَلَيْهِ لَا يجوز وجوده وَلَا فعل شَيْء أَو ضِدّه وقتا وَاحِدًا وَمن لَا يتضاد عَلَيْهِ يجوز ثمَّ يُقَال للتضاد لَا يُجِيز وَقت الْقُدْرَة أَو لَهُ يُوجب فِي الْوَقْت الثَّانِي فَأَي الْأَمريْنِ أجَاب فَهُوَ فِي الْحَالين وَاحِد وَمَا قَالَ على الله فَهُوَ فَاسد لما لَيْسَ عِنْده فعل الله غير خلقه وَهُوَ متضاد كالموت والحياة وَغير ذَلِك ثمَّ أجَاب بِأول أَحْوَال الْجِسْم أَنه يَخْلُو عَن الْحَرَكَة والسكون لم لم يجب بِهِ خلاؤه عَنْهُمَا أوقاتا
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْحَرَكَة والسكون هما اسْما الْبَقَاء فمحال وجودهما فِي أول أَحْوَال الْجِسْم لإحالة الْبَقَاء إِذْ السّكُون هُوَ الْقَرار حَيْثُ الْوُجُود وَالْحَرَكَة الإنتقال عَنهُ وَالْقُدْرَة لَيست إِلَّا للْفِعْل وَلَو جَازَ وجودهَا وَلَا فعل وقتا وَاحِدًا لجا أوقاتا إِذْ هِيَ لَهُ والجسم لَيْسَ للحركة وَلَا
[ ٢٧٨ ]
للسكون وهما مَعْنيانِ لَا يقتضيان الْحَال أَلا يرى لأوقات الْبَقَاء لَا يَخْلُو عَنْهُمَا ثمَّ الْقُدْرَة لَا تبقى فَيجب أَن لَا يَخْلُو مِنْهُ عِنْد الْوُجُود وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَبعد فَإِن مَسْأَلَتنَا فِي الْفِعْل ونجيز من الْجِسْم وَقت وجوده إِذا لم يكن الْفِعْل الَّذِي هُوَ اسْم للبقاء وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَالَ فِي الصَّحِيح السَّلِيم أَنه يجوز أَن يَخْلُو عَن الْفِعْل وَقت كَونه ثمَّ لم يجز أبدا
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَمَا يَقُوله خطأ بل يجوز ذَلِك ثمَّ زعم أَن ذَلِك مَعْقُول وَهُوَ عقل من حق الْعقل الْخُرُوج عَمَّا حَاله عقلا ثمَّ تكلم فِي الْعلم بِمَا لم أَظن أحدا تَأمله إِلَّا عرف أَن الْحيرَة دَفعته إِلَيْهِ فتركته لقلَّة نَفعه ثمَّ عَارض نَفسه بِالَّذِي قدر على الْإِيمَان وَالْكفْر فَلم فعل أَحدهمَا دو الآخر فَزعم أَن ذَا محَال لِأَنَّهُ لَو كَانَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِوَاحِد كَانَ يكون مُضْطَرّا وَقد ثَبت الإختيار ثمَّ عَارض بِمثلِهِ فِي الله نقُول قد حاد عَن جَوَاب السُّؤَال إِذْ هُوَ فِي أَنه كَيفَ اخْتَار ذَا على ضِدّه وَلَيْسَ شَرط الإختيار أَن يفعل مَا شَاءَ وَلَكِن يخْتَار الأولى بِهِ أَن يفعل فَإِذا فعل مَا لَا يعرف لماذا فعل ثَبت أَن لغيره فِي فعله تدبيرا على ذَلِك خرج فعله وَالله الْمُوفق
ومعارضته بِاللَّه سُبْحَانَهُ محَال على الْقَوْلَيْنِ على قَوْلنَا بِأَنَّهُ خَالق بِذَاتِهِ فَالْقَوْل بِهِ كالقول بِأَنَّهُ لم قدر وَعلم وعَلى قَوْله إِن ذَلِك أصلح فِي الدّين وَلَا يسْأَل من ذَلِك وصف فعله وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَنحن نحمدالله قد أعنانا الله عَن نَحْو هَذَا السُّؤَال لَكِن أَحْبَبْت أَن أذكرهما مِقْدَاره فِيمَا لَا يرضى بِهِ سؤالا لضَعْفه ليعلموا بِهِ قدره فِي المرضى بِهِ وَالله الْمُوفق
ثمَّ زعم أَنه إِذْ صلحت قُوَّة وَاحِدَة للْإيمَان وضده لم لَا صلح القَوْل بالتقوية عَلَيْهِمَا فَدفع ذَا بِالْأَمر والنهى وعارض بِالسَّيْفِ وَالدِّرْهَم وَإِن احْتمل اسْتِعْمَاله فِي قتل الْوَلِيّ وانفاقه فِي شرى الْخمر لم يجز القَوْل بالإعطاء لذَلِك نقُول تَمام
[ ٢٧٩ ]
السُّؤَال أَن الله إِذْ علم أَنه فيمَ يسْتَعْمل وَفِي مثله فِي الشَّاهِد يُوصف بالتقوية عَلَيْهِ وَالله لم يُوصف بِمثلِهِ فَمثله فِي الْخلق مَعَ مَا يُقَال بِالْأولِ لكنه طلب مِنْهُ وَاخْتِيَار ذَلِك فبه لَا بهَا وَلَا يوضع فِي ذَلِك حرف الْإِعْطَاء لِأَنَّهُ نوع امتنان وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَمَا عَارض فَاسد لاحْتِمَاله أَن لَا يسْتَعْمل فِي الْوَجْهَيْنِ فَلم يكن الدّفع لوجه من ذَلِك وَالْقُوَّة لَا تحْتَمل إِلَّا أَحدهمَا وَلَا يجوز أَن يَخْلُو عَن وُقُوع أَحدهمَا بهَا وَقد علم بذلك فَلَا يحْتَمل القَوْل بِالدفع لغير ذَلِك ثمَّ قَالَ فَإِن قلت العَاصِي إِذْ يفعل بقدرة الله لم لَا قلت إِن المعصي من الله
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَقد أَخطَأ من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن خصومه لَا يَقُولُونَ فِي الْمعْصِيَة إِنَّهَا من الله وَالثَّانِي لَا يُقَال فعل العَبْد بقدرة الله وَلَكِن بقدرة طلبَهَا من الله ثمَّ أجَاب فِي ذَلِك بِمثل جَوَابه فِي الأول إِنَّه أعْطى ليطيع وَأتم هَذَا وَقد بَينا الْوَجْه فِي الأول وَخَطأَهُ فِي هَذَا السُّؤَال ثمَّ عَارض نَفسه بِمَا إِذْ كَانَت الْقُدْرَة مخلوقة للخير كَيفَ قدر العَبْد على قَلبهَا فَزعم أَن ذَا لَيْسَ كَالَّذي يسخن ويبرد لكنه كالسيف وَالدِّرْهَم
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ فَيُقَال لَهُ الْقُدْرَة إِذْ لَا تحْتَمل الْفِعْلَيْنِ وَلَا تَركهمَا وَمَا عارضت بِهِ مُحْتَمل ثَبت أَن الْقُدْرَة مخلوقة لأَحَدهمَا لَا لَهما ثمَّ لَا يحْتَمل الْمَخْلُوق بِجِهَة وَاحِدَة قَلبهَا عَنْهَا من نَحْو الَّذِي ذكرت مِمَّا يسخن بِهِ ويبرد لم لَا دلّ أَنَّهَا خلقت لأَحَدهمَا وَهُوَ مَا كَانَ بهَا وَيبين لَك الْعرف الظَّاهِر فِي الْخلق بسؤال الْقُوَّة على الْخَيْر وَلَو كَانَت لَا تحْتَمل الشَّرّ لَكَانَ لَا معنى لتخصيص ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ عَارض نَفسه بالغنى فَقَالَ معَاذ الله لِأَنَّهُ المغنى وعارض بِالسَّيْفِ وَالدِّرْهَم
[ ٢٨٠ ]
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَقد حاد عَن ذَلِك إِذْ الْقُوَّة لَا تحْتَمل الْبَقَاء وَبهَا أوجب الْحَاجة فَإِذا اسْتَحَالَ ذَلِك لزم مَا عورض بِهِ عَن الْغنى وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَمَا قابله بِهِ فالوجود لَا يديم النَّفْع بل يديمه الْبَقَاء وَله الْحَاجة إِلَى الْإِبْقَاء وَلَيْسَ ذَلِك فِي الْقُوَّة فَلذَلِك لزمك الَّذِي تعوذت مِنْهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ سَأَلَ عَن خَصمه سؤالا بتره وَإِنَّمَا هُوَ وَالله أعلم أَن الْمُعْتَزلَة تزْعم أَن الله تَعَالَى يَجْعَل لعمر الرجل مُدَّة بهَا ينقضى وإبقاؤه إِلَى تِلْكَ الْمدَّة فعله وَهُوَ يُرِيد أَن يفعل ذَلِك وَقد كَانَ قدر لَهُ فِي تِلْكَ الْمدَّة أرزاقا ثمَّ أثبت لعبد من عبيد الله قُوَّة يمْنَع بهَا ذَلِك الرجل عَن اسْتِيفَاء مدَّته الَّتِي جعلهَا الله لَهُ وَيمْنَع رب الْعَالمين عَن إنجاز مَا وعده ويحول بَينه وَبَين فعله من إبْقَاء حَيَاته فِي جسده وَهُوَ يُرِيد ذَلِك ليَكُون من فعله بِمَا يقْتله عدوه منعا مِنْهُ ربه فَيكون فِي ذَلِك خلف الْوَعْد وقهر وَمنع عَن فعله وكل ذَلِك يكون بِمَا أقدره هُوَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ لعجز وَخلف وَسنة فِي الْمَعْقُول أَو لَا
أجَاب لجواب الْمُسلمين أَن الْمَسْأَلَة فِيمَا يُقَال فِي كل أَمر لَو لم يكن ذَلِك كَيفَ كَانَ فِي علم الله أَن يكون وَذَلِكَ القَوْل عِنْد الْمُسلمين على تَحْقِيق أَن الْكَائِن فِي علمه ذَلِك فَإِن كَانَ فِي علمه وَقدرته أَن لَهُ أَن يَجْعَل فِي الإبتداء غير تِلْكَ الْمدَّة وَلَو جعل ليَكُون ذَلِك فِي علمه لَا هَذَا الَّذِي كَانَ ثمَّ رَجَعَ إِلَى حَقِيقَة قَوْله وَقَالَ لَو كَانَ الظَّالِم إِنَّمَا قتل لحضور أَجله لم يكن مَعْلُوما وَقد يحمد أَيْضا فِي ذبح شَاة لآخر إِذْ لَوْلَا ذبحه لكَانَتْ تَمُوت ثمَّ عورض بأنك تشهد أَنه لم يحضرهُ أَجله لَو لم يقْتله فَقَالَ معَاذ الله بل لَعَلَّه يقْتله غَيْرِي أَو ينقضى أَجله ثمَّ احْتج بقوله ﷿ ﴿وَمَا يعمر من معمر وَلَا ينقص من عمره﴾ وَبقول رَسُول الله ﵇ صلَة الرَّحِم تزيد فِي الْعُمر فَأخْبر أَن لَهُ مِقْدَارًا
[ ٢٨١ ]
مَعْلُوما يزِيد فِيهِ بالصلة فَيكون فِي اللَّوْح إِن وصل فَأَجله كَذَا وَإِن لم يصل فَكَذَا ثمَّ رَجَعَ إِلَى سفهه وعارض بالموهوم الْمُطلق فَإِن قيل فِي ذَلِك دفع الْمَنْع لَا غير وَفِي الْقُدْرَة الْفِعْل فَقَالَ وَفِي الْقُدْرَة دفع الْعَجز لَا غير وَقَالَ لَو أوجبت الْقُدْرَة لأدخلت فِيهِ ولحملت عَلَيْهِ وَيكون إِذْ ذَاك الْفِعْل لغيري
قَالَ الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور ﵀ من تَأمل مَا قَالَ وَمَا قوبل بِهِ أَيقَن أَنه حائد عَن حد الْجَواب لَكنا نذْكر غفلته فِيمَا جاد بِهِ ليعلموا عذره فِي جَمِيع مَا فرق بِهِ خصومه إِذْ هَذَا مبلغ علمه فِي الله سُبْحَانَهُ ونقول لَهُ الله علم أَنه يقتل أَو لَا فَإِن قَالَ يعلم قيل وَقَتله يزِيل حَيَاته وَيذْهب عمره أَولا فَإِن قَالَ لَا كذبه الْوُجُود وَإِن قَالَ نعم قيل كَيفَ جعل انْقِضَاء عمره وَخُرُوج روحه من جسده بِغَيْرِهِ وَلَو علم ذَلِك وَكَيف كتب فِي اللَّوْح أَنه إِن فعل كَذَا يكون كَذَا وَإِن لم يفعل كَذَا يكون كَذَا وَهَذَا أَمر من لَا يعلم مَا يكون فَأَما من يعلم مَا يكون فَهُوَ يكْتب يكون كَذَا وَلَوْلَا أَنه يكون كَذَا وَكَذَا يكفر فلَان ويستوجب مقت الله وَلَوْلَا أَنه يكفر كَانَ يُؤمن ويستوجب محبَّة الله فَأَما القَوْل بيكون ذَا أَو ذَا من غير الْقطع بِمَا يكون إِنَّمَا هُوَ فعل الْجُهَّال بالعواقب ثمَّ أَنى يكون ذَا خَبرا عَن علم ثبته قبل كَونه وكل النَّاس يعلمُونَ هَذَا الْقدر إِن فلَانا إِمَّا يقتل أَو يَمُوت يُؤمن أَو يكفر يَتَحَرَّك فِي وَقت كَذَا أَو يسكن فَهَذَا الْقدر من اللَّوْح هُوَ لوح كل سفينة وَلبس هُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَلكنه اللَّوْح المضيع وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَوله لَو حضر أَجله فَإِن أَجله لَيْسَ بِغَيْر الْقَتْل فِيمَا كَانَ فِي علم الله وَهُوَ كَمَا فِي علمه أَنه يقتل وَلكنه بِالْقَتْلِ المنهى عَنهُ أَو الْمَأْمُور بِهِ على مَا فِي علم الله وَهُوَ كَمَا فِي علمه أَنه يُؤمن وَيكفر فَذَلِك فِي علمه وكل دَاخل فِيمَا علم الله عاقبته أَنه إِلَى مَاذَا يرجع وَإِن كَانَ فِي علمه أَنه لَو لم يفعل ذَلِك مَاذَا تكون عاقبته أَنه إِلَى مَاذَا يرجع فَمثله الْأَجَل وعَلى ذَلِك إِذْ علم الله أَنه يصل رَحمَه فَجعل عمره أَكثر مِمَّا كَانَ فِي علمه أَنه لَا يصل وَكَذَلِكَ أَمر
[ ٢٨٢ ]
الْآيَة إِذْ محَال أَن يكون مَا يَفْعَله خَارِجا من علمه وَالَّذِي قَالُوا هُوَ ذَلِك فِي الْمَعْقُول وللآية قَالَ أهل التَّأْوِيل يبين مُنْتَهى عمره وعَلى نُقْصَان كل وَقت يمضى من عمره وَقَالَ قوم إِنَّمَا هُوَ فِي مُخْتَلف أَعمار الْخلق من بَين مطول ومقصر لَا أَن الله يَجْعَل لأحد عمرا ثمَّ تبدو لَهُ فيزيد أَو ينقص كَفعل الْجُهَّال وَمن فِي أُمُورهم على شكّ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ وَفِيمَا يَقُول لَا يَجِيء أَجلهم بل يقتلُون قبل مَجِيء أَجلهم وَالله أَيْضا لَا يزِيد فِي الْعُمر وَكَيف يقدر أَن يزِيد فِي عمر آخر بصلَة الرَّحِم من لم يقدر بإبقاء مَا ضمن عمره أَن يبقيه إِلَى وَقت كَذَا بل أقدر عدوه حَتَّى مَنعه عَن ذَلِك جلّ الله عَن هَذَا الْوَصْف
ثمَّ يُقَال لَهُ مَا ضرب من الْمدَّة لَهُ أَلا كَانَ فِي اللَّوْح أَنه يبقيه إِلَى ذَلِك أَو يبْقى هُوَ إِلَى ذَلِك أَو يبقيه وَيبقى إِن لم يقتل فَإِن قَالَ بِالْأولِ وَالثَّانِي فَادّعى عَلَيْهِ الْكَذِب فِي خَبره وَالْخلف فِي وعده وَإِن قَالَ بالثالث قيل أَكَانَ يعلم أَنه يقتل أَو لَا فَإِن قَالَ لَا اسْتحق الْإِبَانَة بَين رَأسه وَجَسَده وَالْخُلُود فِي عَذَاب ربه وَإِن قَالَ نعم قيل لم كتب مَا لَا يعلم إِذْ ذَلِك فِي الْعرف صَنِيع الْجُهَّال مِمَّا تأبى عقول من عرف الرب التفوه بِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ يُعَارض بِمن علم الله أَنه لَا يقتل ويريدون قَتله ويؤثرونه ويقصدون قَصده لجَمِيع مَا يحْتَملهُ وسعهم ثمَّ يكون على مَا علم وَهَذِه أَسبَاب لَا تَجِد أحدا يكون مِنْهُم لَا يَقع الْفِعْل بِهِ وَفِي الْوُقُوع كذبه إِلَّا أَن يَقُول يمْنَع فَيلْزمهُ فِي كل من يعلم الله أَنه لَا يكون الْمَنْع مَعَ الْقُوَّة وَإِذا لزم ذَلِك لزم الدّفع فِي كل مَا يعلم أَنه يكون إِذا لم يرض بِهِ العَبْد فَيكون كل خير وَشر بِالْمَنْعِ وَالدَّفْع الَّذِي ظنُّوا بهم أَن قَول خصومهم يُؤَدِّي إِلَيْهِ هُوَ الَّذِي حملهمْ على رَأْيهمْ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَمَا ذكر من الْإِطْلَاق والتخلية فَهُوَ كَلَام يتَوَجَّه أوجها ثَلَاثَة رفع الْعسر
[ ٢٨٣ ]
وَالْمَنْع أَو الْأَمر بِهِ أَو الْإِبَاحَة وَذَلِكَ كُله فِي الْخَيْر مُطلق وَفِي الشَّرّ لَا إِلَّا مُقَيّدا إِنَّه لم يعسر وَلم يجْبر وَإِذا كَانَ كَذَلِك فمعارضته بِالَّذِي ذكر فَاسِدَة وَمَا أجَاب عَنَّا بِالْمَنْعِ فَحق قَالَ الله تَعَالَى فِي قَوْله ﴿فَخلوا سبيلهم﴾ بعد ذكر الْمَنْع وَمَا يحمد من قَول النَّاس اللَّهُمَّ قونا على طَاعَتك وَلَا يحمد اللَّهُمَّ خل بَيْننَا وَبَين طَاعَتك ثَبت أَن لأَحَدهمَا حَالا لَيْسَ للْآخر وَكَذَلِكَ هُوَ يَقُول بِالْفِعْلِ وَقت فنَاء الْقُدْرَة وَلَا قدرَة مَعَه وَلَا يَقُول بإرتفاع الْإِطْلَاق والتخلية وَقت الْفِعْل ليعلم بذلك بعده فِيمَا قدر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ تكلم فِي سُؤال الرزق بِوَجْه لَا يرضى بِهِ سُؤال بل الْوَجْه فِي ذَلِك أَن الله تَعَالَى إِذْ ضمن الرزق بقوله ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها﴾ كَانَ ذَلِك يملك بِملكه أَو بِمَا يطعمهُ فَأَما أَن يكون لأحد قدرَة فِي منع الله عَن وَفَاء مَا ضمن من الْوَجْه الَّذِي ضمن حَتَّى يلْحقهُ الْخلف فِي الْوَعْد وَالْعجز عَن وَفَاء شَيْء ضمنه فَيكون الله فِي فعله تَحت قدرَة غَيره وَبِغَيْرِهِ يقدر على إنجاز الْوَعْد ووفاء الْعَهْد وَهَذَا أَمر عَظِيم أَو لَا يكون فَيبْطل أَن يكون أحد يرْزق بِمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَة رزق غَيره من ذَلِك الْوَجْه أَو يقدر عَلَيْهِ وَلَو كَانَ ذَلِك فِيمَا الْقُدْرَة مَعَه لكَانَتْ هَذِه الوحشة تلْحقهُ إِذْ علم أَنه من ذَلِك الْوَجْه يطْلب رزقه
قَالَ سَأَلَ الْوراق فَقَالَ يُقَال لَهُم هَل اتَّقى أحد مَعْصِيّة الله وَهُوَ قَادر مراقبته لله فَإِن قَالُوا لَا أعظموا القَوْل فِي وصف الْأَنْبِيَاء إِنَّهُم لم يَفْعَلُوا ذَلِك وَإِن قَالُوا نعم لَزِمَهُم القَوْل بهَا قبل الْفِعْل
نقُول لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِن عنيت بِالْقُدْرَةِ الْأَسْبَاب الَّتِي هِيَ أَحْوَال الْقُدْرَة الَّتِي تعرض لَا محَالة لَوْلَا التضييع من العَبْد فبلى وكل الْأَنْبِيَاء كَذَلِك كَانُوا وَكَذَلِكَ الأخيار وَإِن أردْت بِهِ الْقُدْرَة الَّتِي هِيَ مَعَ الْفِعْل أحلّت السُّؤَال وصرت كمن يَقُول هَل راقب الله أحد فِي إبْقَاء الْمعاصِي وَهُوَ فَاعل لَهَا وَذَلِكَ مِمَّا لَا
[ ٢٨٤ ]
معنى لَهُ وَهُوَ يعارضك فَيَقُول هَل راقب الله نَبِي من الْأَنْبِيَاء فِي إبْقَاء مَعْصِيّة علمهَا مِنْهُ أَو أخْبرهَا عَنهُ فمهما أجَاب فِي شَيْء فَمثله الأول ثمَّ يُقَال هَل تفضل الله على أحد من أوليائه بِمَنْع قدرَة عداوته فَإِن قَالَ نعم نقُول إِن الله لم يُعْط أوليائه قدرَة مَعَاصيه فَعَلَيهِ فِي أعدائه أَيْضا أَنه لم يعطهم قُوَّة طَاعَته وَفِي ذَلِك مَا أنكر آنِفا وَإِن قَالَ لَا زعم أَنه أعْطى أولياءه قُوَّة عداوته وَمن قَوْلهم إِنَّه لم يُعْط أعداءه قُوَّة الْعَدَاوَة فَالْآن صَار إِلَى أَن أعْطى أولياءه قوتها وَذَلِكَ عَظِيم ثمَّ يُقَال هَل أعْطى الله وليا قوى على تِلْكَ الطَّاعَة حِين الطَّاعَة فَإِن قَالَ لَا فالوحشة فِي طَاعَة لم يقو عَلَيْهَا لَيست بِدُونِهَا فِي إجتناب مَعْصِيّة لم يقو عَلَيْهَا بل قوى على ترك الْمعْصِيَة وَعِنْدهم لم يقو على الطَّاعَة وَهَذَا أوحش ثمَّ يُقَال هَل والى لله ولي أَو عَادَاهُ عَدو بِفعل قوى عَلَيْهِ فَإِن قَالَ نعم أقرّ بِالْقُوَّةِ مَعَ الْفِعْل وَإِن قَالَ لَا زعم أَن الْعَدَاوَة وَالْولَايَة بِمَا لَا يقوى عَلَيْهِ وَذَلِكَ بعيد وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَالَ من أَحْمد من لَو قدر على الْمعْصِيَة عصى وَهُوَ النَّبِي أَو من قدر على الطَّاعَة أطاعه وَهُوَ إِبْلِيس قيل إِن عنيت الْأَسْبَاب فَالْأول وَإِن عنيت الْقُوَّة الَّتِي مَعهَا الْفِعْل أحلّت وَمثله عَلَيْك فِي الْعلم وَالْخَبَر ثمَّ يُقَال لَهُ من أطوع لله من لَو وَالَاهُ الله أطاعه أَو من لَو عَادَاهُ عَصَاهُ فَبِأَي شَيْء يُجيب فِي ذَلِك فَهُوَ لَهُ فِي الأول جَوَاب وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَالَ آخر إِنَّه لَا عذر للْعَبد فِي الشَّاهِد أعظم من أَن يَقُول لَو قيل لَهُ لم لَا فعلت كَذَا فَيَقُول لِأَنِّي لَا أقدر عَلَيْهِ فَمثله فِي الْغَائِب قيل هَذَا يكون عذرا فِيمَا يمْنَع عَنهُ الْقُدْرَة لَا فِيمَا ضيعها باتا وَمَا منع حُدُوث الْقُدْرَة وَكَذَلِكَ أَيْضا فِي الشَّاهِد لَا عذر أوسع من أَن يَقُول لم أعلم أَمرك وَلَا نهيك
[ ٢٨٥ ]
وَلَا علمت أَن فعلى يغضبك فَإِن لم يكن عذرا مِمَّا أعْطى مَا لَو لم يتْرك طلبه ليبلغه فَمثله فِي الْقُوَّة
وَبعد فَإِنَّهُ لَا عذر على ذَلِك أَيْضا أعظم من أَن يَقُول لِأَنَّك أخْبرت أَنى لَا أفعل وَكَذَلِكَ علمت فَقلت لَو فعلت لصيرتك جَاهِلا كَاذِبًا فَلم أفعل لهَذَا وَأَن يَقُول أَيْضا لي عَلَيْك أعظم الْمِنَّة لِأَنَّك أقدرتني عَلَيْهِ وَجعلت أَمر ربوبيتك فِي يدى وأقدرتني على نقضه فلى عَلَيْك أعظم المنن وعندك أَكثر الأيادي فمهما أجَاب من شَيْء فَذَلِك أعظم مِنْهُ جَوَابا لَهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه