ثمَّ القَوْل فِي خلق الْإِيمَان فِيمَا بَيْننَا وَبَين فريق من الحشوية مَعَ مَا قد بَينا القَوْل فِي خلق أَفعَال الْعباد مَا يكفى ذَلِك من تَأمل أَمر الْإِيمَان أَن الْإِيمَان لَا يَخْلُو من أَن يكون مَعْرُوفا أَو مَجْهُولا فَإِن كَانَ مَجْهُولا لَا يُعلمهُ أحد فَنَقُول من يَقُول بنفى الْخلق لَا معنى لَهُ لِأَن الَّذِي يجهل حَتَّى لَا يصل إِلَى الْعلم بِهِ من طَرِيق الدَّلِيل هُوَ الْخلق الَّذِي لم يَجْعَل الله فِيمَا يشهده عَلَيْهِ دَلِيلا يعرف مائيته وَحَقِيقَته وَذَلِكَ خلق فِي جملَة القَوْل وبدلالة المحسوس على أَن كل شَيْء سوى الله خلق كَائِن بعد أَن لم يكن فَأَما الله تَعَالَى وَمَا يُوصف بِهِ فَفِي الشَّاهِد دَلِيل على التَّحْقِيق وَالْإِثْبَات فَلَا وَجه للْجَهْل بِهِ وَفِي ذَلِك تثبيت جعله خلقا مَعَ مَا لَا يجوز الْجَهْل بِهِ إِذْ الْأَمر بِفِعْلِهِ عَن الله فِي جَمِيع كتبه الْمنزلَة وَرُسُله الَّذين أرسلهم وَبِه خُوطِبَ الْعباد بِجَمِيعِ شرائع الْإِسْلَام فمحال يعرفهَا
[ ٣٨٥ ]
على الْجَهْل بِحَقِيقَة مَا بِهِ وَجب التَّكْلِيف وَجَرت بِهِ المحنة وعَلى ذَلِك جرت البشارات وبالإغفال عَنهُ جَاءَ الْإِنْذَار والوعيد وعَلى ذَلِك اتّفق قَول الْأمة على اخْتلَافهمْ فِي الْإِضَافَة إِلَى مَا يعقله الْخلق فَثَبت أَنه مَعْلُوم ثمَّ لَا يَخْلُو إِذْ علم من أَن يكون إِيمَان كل أحد يُوصف فِي الْأَزَل بالكون بعد أَن لم يكن فَإِن لزم الْوَصْف لَهُ بالكون فِي الْأَزَل لزم الْوَصْف بِمَا فِي الْعقل دَفعه وَفِي السّمع إحالته لإحالة كَون إِيمَان أحد فعلا لَهُ قبل كَونه وَالدَّلِيل أَنه فِي العَبْد الْأَمر بِهِ والنهى عَن تَركه ومجئ الْوَعْد لمن أَتَى بِهِ والوعيد على من أعرض عَنهُ ومحال كَون ذَلِك كُله على غير فعل ثمَّ الْأَخْبَار فِي الْقُرْآن عَن الَّذِي جَاءَ بِهِ وَتَسْمِيَة ذَلِك عملا وَتَسْمِيَة صَاحبه بِهِ والمعقول فِي ذَلِك أَن يكون هُوَ الَّذِي يشْهد بوحدانية الله ويؤمن برسله ويعتقد ذَلِك وَذَلِكَ أَنه فعله على أَنه لَو لم يكن فعله فَيكون سَائِر مَا لَهُ مِمَّا لَا صنع لَهُ فِيهِ خلقا عِنْد الْجَمِيع وَإِن كَانَ فعله فَهُوَ عِنْد الْقَائِلين بِهَذَا إِن كل فعل العَبْد مَخْلُوق وَقد بَينا ذَلِك فِيمَا تقدم فعلى ذَلِك الْإِيمَان بل هُوَ أَحَق أَن يُوصف بالخلق من سَائِر أَفعَال العَبْد إِذْ هُوَ أعلا أَفعاله وأجلها وَمن الْبعيد وصف الرب بخالق الْأَشْيَاء الدنية والخبيثة وتنزيهه عَن خلق الْأَشْيَاء الرفيعة الْحَسَنَة فَيكون واصفه بِهَذَا شرا من الْمَجُوس والزنادقة حَيْثُ أضافوا إِلَى الله خلق الْخيرَات وَنَفَوْا عَنهُ خلق الشَّرّ وهم لَا نفوا خلق أرفع الْخيرَات وَهُوَ الْإِيمَان مَعَ مَا كَانَ فيهم من يرى جَمِيع الخبرات إِيمَانًا ثمَّ لَا يرى الله يخلق الْإِيمَان فَيكون على قَوْله هُوَ خَالق كل شَرّ وَلَيْسَ بخالق خير الْبَتَّةَ جلّ الله عَن هَذَا الْوَصْف
ثمَّ لَا يَخْلُو تعرف الْخَلَائق من أَن يكون طريقها السّمع من غير أَن كَانَ لِلْعَقْلِ من ذَلِك نصيب فَيجب بِمُطلق القَوْل خلق الْإِيمَان بقوله ﴿خَالق كل شَيْء﴾ وَهُوَ شَيْء غير الله فَيجب بِهِ القَوْل بخلقه أَو القَوْل بخلقه بِمَا هُوَ من
[ ٣٨٦ ]
الْأَعْمَال وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ يحِق القَوْل وَفعل الضَّمِير دون غَيرهمَا من الْجَوَارِح وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وأسروا قَوْلكُم أَو اجهروا بِهِ إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور أَلا يعلم من خلق وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير﴾ فَهُوَ دَاخل فِي جملَة الشيئية بِالْأولِ وَفِي جملَة الْأَعْمَال فِي الثَّانِي وَفِي جملَة مَا يسر ويجهر مَعَ مَا قد يكون فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض مِمَّا لَا إِشَارَة إِلَى خلقه بإسمه دَاخل ذَلِك فِيمَا بَينا وَفِي قَوْله ﴿الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا﴾ فَمثله الْإِيمَان من الَّذِي بَينهمَا وَالله الْمُوفق
أَو أَن يكون لِلْعَقْلِ فِي تعرف ذَلِك نصيب فَوجدَ جَمِيع مَا فِي سَائِر المخلوقين من آثَار الصَّنْعَة والخلقة مَا فِي الْإِيمَان فَيجب من طَرِيق النّظر الْجمع بَين ذَلِك على أَنه مِمَّا هُوَ يحدث للْعَبد لحدثه وَعرف خلق الْأَشْيَاء بِمَا كَانَ بعد أَن لم يكن
على أَنا نسْأَل من أنكر سؤالا مقررا عَن حَقِيقَة ذَلِك من تَصْدِيق أَو إِقْرَار أَو جَمِيع الْأَعْمَال أَو إِقْرَار وَمَعْرِفَة ذَلِك أَو نَحْو ذَلِك فَيلْزم الإعتراف بِشَيْء من ذَلِك بِمَا يُقَابل بِهِ كل نوع ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقد روى فِي ذَلِك خبر عَن رَسُول الله ﵇ أَنه قَالَ إِن الله خلق الْإِيمَان فحفه بالسماحة والحيا وروى أَن الله خلق مائَة رَحْمَة وَمَعْلُوم تَسْمِيَة الْإِيمَان رَحْمَة فَيجب أَن يكون فِيمَا خلق ثمَّة لَهُ ضد يَدْفَعهُ وشكل يعضده أَو يُوَافقهُ وكل ذِي ضد وشبيه خلق ثمَّ هُوَ طَرِيق يسْلك فِيهِ وَدين يدان بِهِ وَمذهب يخْتَار ونحله تعتقد وكل ذَلِك مَخْلُوق ثمَّ الله تَعَالَى ضرب مثله مرّة
[ ٣٨٧ ]
بِالشَّجَرِ وَمرَّة بِالسَّمْعِ وَالْبَصَر وَمرَّة بِالْحَيَاةِ وَمرَّة بِالْأَرْضِ الطّيبَة وَمرَّة بالسراج وكل ذَلِك مَخْلُوق فَمثله الْإِيمَان ثمَّ قد ضرب مثل الْكفْر بمضادات مَا بَينا على الإجتماع فِي الحدثية والخلقة فَمثله أَمر الْإِيمَان وَالْكفْر وَالله الْمُوفق
ثمَّ الْإِيمَان حسن وَخير وَهدى وزين لصَاحبه وكل مَا ذَلِك وَصفه فَهُوَ مَخْلُوق قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَكِن الله حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَلما يدْخل الْإِيمَان فِي قُلُوبكُمْ﴾ وَقَالَ ﴿وَلم تؤمن قُلُوبهم﴾ دلّ أَنه فِي الْقلب وَهُوَ فعله وبعيد كَون مَا لَيْسَ بمخلوق فِيهِ ثمَّ كذب الله تَعَالَى فِي ذَلِك قوما ادعوا لأَنْفُسِهِمْ فَلَو لم يكن فعلهم لم يكن ليكذبهم لِأَنَّهُ مَوْجُود وَإِنَّمَا يعْدم من حَيْثُ الْفِعْل وَالله الْمُوفق