قَالَ الْفَقِيه ﵀ ثمَّ نذْكر طرفا مِمَّا يدل الْعَاقِل على مَذْهَب الإعتزال فِي أُصُوله ومضاهاتهم أهل الْأَدْيَان ليعلم المتأمل أَن مذاهبهم نتيجة مذاهبهم
قَالَت الْمُعْتَزلَة الْمَعْدُوم أَشْيَاء وشيئية الْأَشْيَاء لَيست بِاللَّه وَبِاللَّهِ إخْرَاجهَا من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ فَعَلَيْهِم فِي ذَلِك تَحْقِيق الْأَشْيَاء فِي الْأَزَل لَكِنَّهَا مَعْدُومَة ثمَّ وجدت من بعد وَفِي تَقْدِيمهَا نفى التَّوْحِيد لما كَانَت الْأَشْيَاء بعد مَعْدُومَة فاختلفا فِي الْخُرُوج والظهور وَإِلَّا فَهِيَ فِي الْقدَم أَشْيَاء مَعْدُومَة فصيروا مَعَ الله أغيارا فِي الْأَزَل وَذَلِكَ نقض للتوحيد
وَفِيمَا قَالُوا قدم الْعَالم لِأَنَّهُ الْأَشْيَاء سوى الله والمعدوم أَشْيَاء سواهُ لم يزل وَفِي ذَلِك مُخَالفَة جَمِيع الْمُوَحِّدين فِي إنْشَاء الله تَعَالَى الْأَشْيَاء من لَا شَيْء وعَلى قَوْلهم إِنَّمَا هُوَ إنْشَاء بِمَعْنى الإيجاد وَإِلَّا فَهِيَ أَشْيَاء قبل الْإِنْشَاء وَالله الْمُوفق
فَقَوْل من يَقُول من الدهرية بالباري على أَنه لم يزل صانع الْأَشْيَاء لتَكون فِي الْأَزَل أقرب من قَول هَؤُلَاءِ وَفِيمَا قَالُوا أَيْضا إِيجَاب مُوَافقَة الدهرية فِي قَوْلهم طِينَة الْعَالم قديمَة وَكَذَلِكَ قَول أَصْحَاب الهيولي أَن حدثت الْأَعْرَاض فَظهر بهَا الْعَالم وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ يجْعَلُونَ الْأَشْيَاء بالشيئية غير حادثه ثمَّ وجدت مَعَ مَا فِي ذَلِك من أَن الله لم يكن خَالِقًا وَلَا منشئا كَمَا كَانَت الْأَشْيَاء لَا مَوْجُودَة فَوجدت وَالله سُبْحَانَهُ كَانَ بِذَاتِهِ غير فَاعل ثمَّ ظهر بِخلق الْخلق أَو كَانَ غير خَالق ثمَّ وجد خَالِقًا وَالله الْمُوفق
وَقَوْلهمْ إِن الله كَانَ بِذَاتِهِ وَلم يكن الْعَالم وَلَا شَيْء مِنْهُ ثمَّ كَانَ الْعَالم من غير أَن كَانَ مِنْهُ إِلَيْهِ معنى بِهِ كَانَ لِأَن الْإِرَادَة عِنْدهم هِيَ الْعَالم وَكَذَلِكَ التكوين
[ ٨٦ ]
فَكَانَ الْعَالم لَا معنى مِنْهُ إِلَيْهِ بِهِ كَانَ ثمَّ صيروه دَلِيلا عَلَيْهِ على القَوْل بِمَا ذكرت
فَأَما إِن كذبُوا بجعله دَلِيلا وبقولهم أَن لم يكن مِنْهُ غير كَونه بعد أَن لم يكن ومذهبهم أَن الْعلم بِكَوْن شَيْء لَا يُوجب تكوينه والقدم لَا يُوجب كَونه بِهِ وَلَيْسَ من الله عِنْدهم إِلَّا هذَيْن لَا يُوجب وَاحِد مِنْهُمَا كَونه فأوجبوا كَون الْعَالم لَا بِأحد على مَا قَالَ الْقَائِلُونَ بقدم الْعَالم إِذْ كَانَ لَا بِغَيْرِهِ فضاهوا بقَوْلهمْ هَذَا قَول أُولَئِكَ إِلَّا أَن أُولَئِكَ ألزم للْقِيَاس إِذْ لما كَانَ الْعَالم لَا بِغَيْرِهِ جَعَلُوهُ أزليا وَهَؤُلَاء جَعَلُوهُ من الْوَجْه الَّذِي بَينا لَا بِغَيْرِهِ حَادِثا
ثمَّ أعجب مِنْهُ أَن جعلُوا الْعَالم خَالِقًا وَنَفسه مخلوقة وجعلوه صانعا وَنَفسه مصنوعة فَصَارَ الْعَالم عَالما لَا بصنع لغيره فِيهِ ثمَّ ألزم نَفسه كل اسْم دنئ وكل اسْم سنى لَو قلب اسْم الْعَالم لَكَانَ أعذر وَلَكِن ذَا آيَة عواقب السوء
وَأَيْضًا من مضاهاتهم فِي هَذَا قَول الثنوية إِن الْأَشْيَاء كَانَت مَعْدُومَة ثمَّ وجدت من غير أَن كَانَت بِهِ ثمَّ إيجادها غير خُرُوجهَا من الْعَدَم وَقَالَت الثنوية كَانَ النُّور والظلمة متباينين فامتزجا فَكَانَ هَذَا الْعَالم من غير أَن كَانَ ثمَّ تبَاين غيرا وامتزاج غير فَصَارَ الْعَالم عَالما بِنَفسِهِ بعد أَن لم يكن عَالما إِذْ لَا غير هُنَالك أوجب ذَلِك وَكَذَا قَول الْمُعْتَزلَة على مَا ذكرنَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
واستدلت الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم على حدث الْعَالم بِمَا لَا يَخْلُو عَن مُحدث وَلم يكن دليلهم على ذَلِك سوى وجود الْعَالم فأوجبوا حَدثهُ وَقَالُوا ذَلِك بمحدث ثمَّ
[ ٨٧ ]
قَالَت الْمُعْتَزلَة فِي الله سُبْحَانَهُ إِنَّه كَانَ غير خَالق وَلَا رَحْمَن وَلَا رَحِيم وَهُوَ الْيَوْم كَذَلِك فصيروه فِي أول أَحْوَاله مَا وَقع لِلْخلقِ بِهِ الْعلم غير خَال عَن الْحَوَادِث كالعالم الَّذِي وجدوه بالحس غير خَال عَنْهَا فَصَارَ السَّبَب الَّذِي عرفُوا حدث الْعَالم بِهِ هُوَ الَّذِي بِهِ عرفُوا حدث الْخَالِق الرَّحْمَن وَالله قديم لم يزل
ثمَّ بعد هَذَا وَجْهَان أَحدهمَا أَنه إِذا لزم القَوْل فِي جملَة الْعَالم بِالْحَدَثِ وَإِن لم نشهده بوجودنا مَا شَهِدنَا مِنْهُ غير خَال من الإحداث للَزِمَ ذَلِك فِي الصَّانِع الْخَالِق لوجودنا لَهُ مَا بِهِ نُسَمِّيه حَدثا وَالثَّانِي أَنه قد وَجب قدم ذَاته مَعَ مَا لَا يعلم وجوده إِلَّا بحوادث لم لَا وَجب القَوْل بقدم جملَة الْعَالم وَإِن كَانَ غير خَال عَن الْحَوَادِث
وَبعد فَإِن معرفَة إحتمال الْحَوَادِث فِيمَا لَا يحسن من الْعَالم بِمَا أضيف إِلَيْهِ من الإجتماع والإفتراق والتحرك والسكون فَالله على قَوْلهم يُضَاف إِلَيْهِ الرَّحْمَة والصنع والأبداع والإعادة وكل هَذَا عِنْدهم حوادث فَيجب القَوْل فِيهِ بِمَا يجب فِي الْعَالم وَيكون لمن هُوَ بِهَذَا الْوَصْف خَالق صانع خَارج من ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَالَت الْمُعْتَزلَة كَانَ الله سُبْحَانَهُ ثمَّ حدث مِنْهُ إِرَادَة كَانَ بهَا الْعَالم من غير أَن كَانَ مِنْهُ إِيَّاهَا إِحْدَاث أَو إِرَادَة أَو لَهَا اخْتِيَار إِذْ لَا غير لَهَا سوى ذَاته وَقد كَانَ ذَاك قبلهَا
وَكَذَلِكَ قَالَت الْمَجُوس أَن كَانَ الله سُبْحَانَهُ فَحدثت فكرة رَدِيئَة كَانَ مِنْهَا الشَّيْطَان وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِهِ كل شَرّ فَسَمت الْمَجُوس تِلْكَ فكرة وسمتها الْمُعْتَزلَة إِرَادَة واختيارا وَكَانَ حدوثها لَا بِاخْتِيَار وَإِرَادَة فَهِيَ بالفكرة أشبه ثمَّ لم تكن هِيَ غير الشَّرّ وَلَا الْإِرَادَة عِنْد الْمُعْتَزلَة غير الْعَالم فَهَذَا وَالله أعلم
[ ٨٨ ]
معنى قَول رَسُول الله ﷺ الْقَدَرِيَّة مجوس هَذِه الْأمة
وَبعد فَإِن الْعَالم عِنْدهم إِذْ لَا يَخْلُو عَن إجتماع وافتراق وَزَوَال وقرار وَهَذِه أَحْوَال احْتمل كَونهَا بِغَيْر الله على مَا يكون من إجتماع آجر السفن والبنيان وَالْكِتَابَة وَنَحْوهَا وَكَذَلِكَ التَّفْرِيق وعَلى مَا كَانَ سير الشَّمْس وَالْقَمَر وحركات الْخلق وسكونهم وَلَا عَالم بِدُونِ وجود هذَيْن النَّوْعَيْنِ من الأعرض والأجسام وَكَانَ ذَلِك جملَة يحْتَمل الْكَوْن بِاللَّه وبالخلق فَكَانَ الْعَالم جملَة يحْتَمل الْكَوْن بِاللَّه وبالخلق فَكَانَ الْعَالم جملَة بِعَدَد وَذَلِكَ قَول الزَّنَادِقَة بإثنين وَأَصْحَاب الطبائع والنجوم بِأَكْثَرَ من إثنين
وَبعد فَإِن الله جلّ ثَنَاؤُهُ لم يقم على قَوْلهم حجَّة إحداثه سوى الْعَالم وَلَا حجَّة قدمه ثمَّ لم يفصل بَين الْأَعْرَاض الَّتِي هِيَ صنع غَيره وَبَين الَّتِي هِيَ صنعه لِأَن الإجتماع والزوال وَنَحْو ذَلِك قد يُوجد فِي العيان وَلَا يرى لَهُ الْجَامِع المحرك وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك لغيره لَا لَهُ وَإِن لم يعاين إِذْ هُوَ نَظِير مَا يعاين مِنْهُ فَصَارَ ذَلِك كَقَوْل الثنوية وَأَصْحَاب الطبائع تكون الْأَشْيَاء بهَا من غير أَن أَقَامَ كل مِنْهَا دَلِيل صنعه مِمَّا يفصل بِهِ من صنع غَيره وَذَلِكَ آيَة الْعَجز
وَالْمعْنَى الَّذِي احْتج الله بِهِ على كَون الْعَالم بكليته بِهِ إِذْ قَالَ ﴿إِذا لذهب كل إِلَه بِمَا خلق﴾ فعلى قَوْلهم فَالله تَعَالَى أَيْضا لم يذهب بِمَا خلق لِأَنَّهُ لم يَجْعَل عَلَيْهِ علما
وَبعد فَإِن الْأَجْسَام اللطيفة إِذا توهمت تفرقها أَجزَاء مِمَّا لَا يتجزى كل جُزْء مِنْهَا امْتنع ذَلِك عَن الْإِدْرَاك بالحس ليؤدي إِلَى الْعقل وَقد يتهيأ جمعهَا بِغَيْر
[ ٨٩ ]
الله على قدر لطف الْجَوَاهِر وكثافتها فَصَارَت حجج الله على دَرك الْأَجْسَام فعل غَيره فِي الْإِمْكَان وَلم يبين الله تَعَالَى الْخلق بِمَا يعلمُونَ بِهِ أَنه مِنْهُ بِدَلِيل يدْفع الْإِمْكَان من غَيره ليقرر كَونه مِنْهُ فِيمَا أحسهم فَكيف فِيمَا غيب عَنْهُم فضهى بِهِ من ذكرت من الثنوية وَغَيرهم أَنه لم يَجْعَل أحد مِنْهُم على فعله دَلِيلا إِذْ مَا من شَرّ إِلَّا وَأمكن أَن يكون ذَلِك خيرا لأحد وَكَذَا فِي الْجَوَاهِر من الْحَرَارَة والبرودة إِلَى آخر مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ الطبائع وَكَذَلِكَ النُّجُوم السيارة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَاسْتدلَّ أهل التَّوْحِيد على نفى قَول الثنوية بحرفين أَحدهمَا بقدرة كل وَاحِد مِنْهُمَا على أَن يسد شَيْئا عَن الآخر وَيقدر أَن يفعل مَا لَا يُعلمهُ الآخر حَتَّى إِذا قَالُوا نعم جهلوهما أَو أَحدهمَا وَإِن قَالُوا لَا عجزوهما وَالْجهل وَالْعجز يسقطان الربوبية وَالثَّانِي أَن مَا أَرَادَ هَذَا إثْبَاته يُرِيد الآخر نَفْيه فيتناقض فَدلَّ الْوُجُود على كَون الْوَاحِد
ثمَّ من مَذْهَب الْمُعْتَزلَة أَن العَبْد يقدر على فعل خَارج مِمَّا علم الله أَن يكون إِذْ كل من هُوَ فِي علم الله أَن يكون كَافِرًا يقدر على أَن يكون مُؤمنا وَحَقِيقَة كَونه خُرُوج عَن علمه فَأوجب ذَلِك للْعَبد قدرَة إسرار الْفِعْل عَن الله ثمَّ لم ينف وحدانيته فَكَذَلِك لَو كَانَ ثمَّة إِلَه آخر فَهَذَا لتعلم أَن مَذْهَبهم عِنْد التَّحْصِيل مَذْهَب الزَّنَادِقَة إِذْ الَّذِي بِهِ ثَبت التَّوْحِيد هُوَ الَّذِي ينْقض المذهبين جَمِيعًا وَالله الْمُوفق
والحرف الثَّانِي يثبتون للْعَبد قدرَة فِي نفى جَمِيع تَدْبيره من التوالد وَدفع وعيده من قَوْله ﴿لأملأن جَهَنَّم﴾ ويثبتون فعل جَمِيع الْكَفَرَة والأبالسة بِغَيْر الَّذِي يُرِيد الله كَونه بل هُوَ يُرِيد أَن لَا يكون ويبذل فِي منع ذَلِك كل مَا فِي خزائنه حَتَّى لَو أَرَادَ أَن يزِيد فِيهِ شَيْئا لم يقدر عَلَيْهِ ثمَّ لم يمْنَع القَوْل بالإله وَقَامَ الْخلق على
[ ٩٠ ]
مَا فِي علمه قِيَامه وَكَونه فَكَذَلِك فِي أَمر الْعَالم وَهُوَ يُوضح مَا أَخْبَرتك أَن مَذْهَبهم ينْتج مَذْهَب أهل الدَّهْر والزنادقة لَا مَذْهَب أهل الْإِسْلَام وَالله الْمُوفق
وَمذهب الزَّنَادِقَة أَن الْعَالم كَانَ فعل اثْنَيْنِ لَيْسَ لأَحَدهمَا فِي فعل آخر صنع وَلَا تَدْبِير وَلَا قدرَة وَأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا ينْفَرد بِنَوْع من الْفِعْل من الشَّرّ وَالْخَيْر لَا يقدر عَلَيْهِ الآخر وَكَذَلِكَ مَذْهَب الْمَجُوس
وعَلى مَذْهَب الإعتزال أَن العَبْد لَهُ قدرَة على نوع من الْفِعْل وَهُوَ الْكسْب وللمعبود نوع وَهُوَ الإيجاد وَلَيْسَ لله على مَا للْعَبد قدره وَلَا صنع وَلَا للْعَبد على مَا لله وعَلى هذَيْن الْأَمريْنِ دَار تَدْبِير الْعَالم فضهوا بِهِ من ذكرت فِي التَّحْصِيل
ثمَّ ازْدَادَ مَذْهَب هَؤُلَاءِ قبحا من حَيْثُ جعلُوا مِنْهُ قدرَة على مَا للْعَبد من السّكُون وَالْحَرَكَة فَلَمَّا أقدر الله العَبْد عَلَيْهِمَا ذهبت عَنهُ الْقُدْرَة وَلَا نرى الثنوية تزيل قدرَة وَاحِد مِنْهُمَا بالتمكين من الآخر ليعلم معنى الْقُدْرَة فِي الَّذِي أضيف إِلَيْهِ الربوبية عِنْد الثنوية أَحَق أَن يكون بِنَفسِهِ مِنْهُ عِنْد الْمُعْتَزلَة وَفِي ذَلِك إِزَالَة الْقُدْرَة لله أَن يكون بِذَاتِهِ وَهُوَ أقبح قَول
وَالثَّانِي كذبهمْ إِذْ ثبتوا للْعَبد فِي نوع فعله جَمِيع مَا ثبتوا للصانع وَلم يثبتوا لَهُ اسْم الألوهية الَّذِي عرف الله بِهِ من فعل الْإِنْشَاء وَكَذَلِكَ اسْم الْخَالِق
مَعَ مَا كَانَت الْمُعْتَزلَة يزِيدُونَ فِي رُتْبَة قدرَة العَبْد الْقَادِر على قدرَة الله لأَنهم يَقُولُونَ إِن الله لَا يقدر بالموعود أَن يكون وَبِمَا كَانَ الْوَفَاء فعله مَعَ الْوَصْف بِالْقُدْرَةِ وَذَلِكَ نَحْو مَا ضرب لعبيده مدَدا وَلَهُم أرزاقا قدرهَا لَهُم ثمَّ يجِئ عبد فيقتله قبل اسْتِيفَائه مدَّته وإنجازه وعده على بَقَاء قدرته وَالله تَعَالَى لَا يقدر على منع العَبْد مِمَّا هُوَ فعله يُرِيد الْوَفَاء بِهِ على غير منع الْقُدْرَة عَنهُ فَصَارَت قدرَة العَبْد أعظم ومشيئة أنفذ جلّ رَبنَا وَتَعَالَى عَن هَذَا الْوَصْف
والثنوية تزْعم أَن النُّور وَقع فِي حبس الظلمَة ووثاقها من الْوَجْه الَّذِي هم بِهِ الصّلاح وَدفع شَرها عَن جوهره وَكَذَلِكَ الظلمَة على قَول من يَجْعَل ابْتِدَاء
[ ٩١ ]
الْقدح مِنْهَا فَأَخْطَأَ جَمِيعًا لما خرج فعلهَا على خلاف مَا أَرَادَا وَصَارَ كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي جِهَة من يَد الآخر فلزمهم القَوْل فِي النُّور بالْخَطَأ وبالجهل وَالْعجز أما الْخَطَأ فَلَمَّا لم يكن عاقبته على مَا أَرَادَ وَالْجهل لما لم يكن علم أَنه يبْقى فِي وثاق عدوه وَأما الْعَجز هُوَ أَنه فِي جهد الْخَلَاص وتدبيره فَلم يتهيأ لَهُ
وَكَذَلِكَ قَول الْمُعْتَزلَة إِن الله لم يقو كَافِر وَلَا أحدا إِلَّا ليطيعه وَلَا ملك أحدا شَيْئا إِلَّا ليشكر وَلَا خلق أحدا إِلَّا ليخضع لَهُ وَكَذَلِكَ يُرِيد وَله فعل مَا فعل وَلَو كَانَ مِنْهُ غير هَذَا كَانَ يكون سَفِيها ظَالِما ثمَّ لم يكن بِجَمِيعِ مَا أعْطى أعداءه مَا أَرَادَ وَله أخطاء وَذَلِكَ الْخَطَأ الْمَعْرُوف أَن لَا يخرج الْأَمر على مَا يُريدهُ ثمَّ الْقُدْرَة على مَا لم لَو فعل لَكَانَ خَارِجا عَن علمه ثمَّ ثَبت من الْفِعْل فِيمَا بعد هُوَ فعل الله فِي الْمَنْع مِنْهُ فَأوجب قَوْلهم مضاهاة من ذكرت بِكُل وُجُوه المذمة
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَأنْكرت الزَّنَادِقَة قَول شَيْء يحدث لَا من شَيْء لما لَا يتَصَوَّر مثله فِي الْوَهم وَكَذَلِكَ المشبهة فِي قَوْلهم بالجسم
وَأنْكرت الْمُعْتَزلَة خلق أَفعَال الْعباد لما لَيْسَ بقائم فِي الْعُقُول وَلَا متوهم فِي الأوهام وَزَعَمت الْقَدَرِيَّة أَن الله لَا يدع الْغَايَة من الْخَيْر الَّذِي يقدر عَلَيْهِ إِلَّا فعله وَكَذَلِكَ قَول الزَّنَادِقَة أَنه يفعل غَايَة الْخَيْر وَأَن خَالق الشَّرّ غَيره وَكَذَلِكَ قَول الْقَدَرِيَّة أَن الله لَا يقدر على شَيْء مَوْجُود من الشَّرّ وَأَنه كُله فعل الْعباد وَيَقُول الْمُعْتَزلَة إِن الله لَا يُرِيد كَون الشَّرّ لأحد وَمن أحد ويريده الشَّيْطَان ثمَّ يكون ذَلِك وَإِن لم يكن مَا يُريدهُ الله كَمَا قَالَت الزَّنَادِقَة فِي كَون ذَلِك من الشَّيْطَان وخالق الشَّرّ وَإِن لم يردهُ الله
[ ٩٢ ]