فِي دلَالَة الشَّاهِد على الْغَائِب
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ اخْتلف فِي وَجه دلَالَة الشَّاهِد على الْغَائِب فَمنهمْ من يَقُول على مثله إِذْ هُوَ أصل للَّذي غَابَ عَنهُ وَلَا يُخَالف الأَصْل
[ ٢٧ ]
فَرعه مَعَ مَا كَانَ طَرِيق معرفَة الْغَائِب الشَّاهِد وَقِيَاس الشَّيْء نَظِيره فبه أثبتوا قدم الْعَالم إِذْ الشَّاهِد يدل على مثله فَصَارَ الْغَائِب بِهِ عَالما أَيْضا ثمَّ هُوَ يدل فِي كل وَقت على مثله قبله وَفِي ذَلِك إِيجَاب الْقدَم للْكُلّ
وَمِنْهُم من يَقُول مَا من وَقت يتَوَهَّم فِيهِ ابْتِدَاء الْعَالم إِلَّا وَقد يتَوَهَّم قبله فَيبْطل لَهُ الْغَايَة
وَمِنْهُم من يَقُول يدل على الْمثل وَالْخلاف ودلالته على الْخلاف أوضح لِأَن من شَاهد شَيْئا من الْعَالم يدله على حَدثهُ أَو قدمه وَقدمه وحدثه لَيْسَ هُوَ مثلهمَا وَلَا نظيرهما ثمَّ يدله على محدثه أَو كَون بِنَفسِهِ وهما خِلَافه ثمَّ يدله على حِكْمَة فَاعله وسفهه وإختياره وطبعه وكل ذَلِك خلاف لما شَاهده وَلَا يدله على أَن لَهُ مثلا إِذْ لَو كَانَ يدله لَكَانَ يجب أَن يتَوَهَّم كل من عاين نَفسه أَن يكون كل الْعَالم مثله وَذَلِكَ بعيد فَثَبت أَن الْجَوْهَر لَا يُحَقّق رُؤْيَة مثله غَائِبا ويحقق أحد الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا لَكِن إِذا عرفت كَيْفيَّة الْمشَاهد إِذا أخْبرت بِتِلْكَ الْكَيْفِيَّة لغَائِب علمت أَنه مثله لَا أَن ذَلِك يُحَقّق الْمثل وَقد يجوز أَن يدل على مثله بِهَذَا الْوَجْه وَبِمَا عرف يعْنى الْجِسْم وَالنَّار فَيعرف كل جسم ونار وَإِن لم يشهده وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَمَا زعم من الأَصْل وَالْفرع فمقلوب لما كَانَ الْقَدِيم والقدم وَلم يكن مَا بِهِ إستدلال فَلذَلِك لم يجب جعله فرعا لهَذَا بل هُوَ الأَصْل لكَون هَذَا بِهِ
ثمَّ كل كَائِن بِغَيْرِهِ من طَرِيق الْعقل خَارج عَن جوهره فِي الشَّاهِد كالبناء وَالْكِتَابَة وكل أَنْوَاع الْأَفْعَال والأقوال الَّتِي هِيَ أغيار لمن كن بهم لم يجز أَن يلحقهم بالجوهر وَالصّفة فَمثله الَّذِي بِهِ الْعَالم
على أَنه جَازَ فِي الشَّاهِد إِثْبَات مَا لَا يدْرك وَلَا يحاط بِهِ نَحْو السّمع وَالْبَصَر وَالروح وَالْعقل والهوى وَنَحْو ذَلِك وَمَا يدْرك نَحْو الْأَجْسَام الكثيفة فَلَو كَانَت هِيَ قديمَة الأَصْل فَيجب أَن يكون كل نوع يتَوَلَّد وَيحدث من جوهره الْعقل من الْعقل وَكَذَلِكَ الْبَصَر والسمع وَمَعْلُوم الإختلاف بَين كل جَوْهَر والمتولد
[ ٢٨ ]
مِنْهُ فِي ذَلِك فَلَزِمَ الْكَوْن وَالْحَدَث إِن كَانَ مُخْتَلفا وَفِي تثبيت الإختلاف بطلَان أَن يكون الَّذِي فِي وصف الْقدَم عَالما أَو على مَا عَلَيْهِ صفته وَفِي ذَلِك إِثْبَات حدث الْعَالم بِمن لَيْسَ كمثله
وَبعد فَإِن الْكِتَابَة تدل على الْكَاتِب وَمن لَا يدل على كيفيته أَو مثله لَا يجوز أَن يكون ملكا أَو بشرا أَو جنا فَتكون الْكِتَابَة غير دَالَّة على مائية الْكَاتِب وكيفيته وَلَا على مثلهَا وَهِي تدل على كَاتب مَا فَمثله الْعَالم بِمَا فِيهِ يدل على مُحدث مَا لَا يدل على كيفيته ومائيته وَكَذَلِكَ الْبناء والنسخ والنجر والصناعات لذَلِك لزم الْقيَاس فِي إِثْبَات صانع الْعَالم بالعالم بِمَا فِيهِ من الْعَجَائِب والأشياء الَّتِي لَا يحْتَمل كَونهَا إِلَّا بِحَكِيم عليم وَلَا يجب بِهِ تعرف الْكَيْفِيَّة لَهُ والمائية وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَالْأَصْل أَن دلَالَة الْعَالم مُخْتَلفَة على اخْتِلَاف جهاته دلّ احْتِمَاله الإستحالة والزوال وإجتماع الأضداد فِي عين فِي حَال على حَدثهُ ثمَّ دلّ جَهله بمباديه وعجزه عَن إصْلَاح مَا فسد مِنْهُ أَنه لم يكن بِنَفسِهِ ثمَّ دلّ اجْتِمَاع الْأَحْوَال المتضادة وإتساق جَوَاهِر الْخلق على الإستقامة على أَن مُدبر الْكل ومحدثه وَاحِد وَيدل أَيْضا اتساقه وإستقامته وَحفظ الأضداد فِي عين على قدرَة مدبره وحكمته وَعلمه فاختلفت جِهَات الدّلَالَة فِيمَا عَلَيْهِ دلالات العيان فَصَارَ دَلِيل إِثْبَات الْمُحدث عجز الْمُحدث وَدَلِيل علمه لما اتسق جَهله بِنَفسِهِ فَصَارَ وجود الدّلَالَة بِهِ على الْخلاف لَا الْوِفَاق
وأصل آخر أَيْضا أَن الضروريات والحاجات هِيَ الَّتِي دلّت على غير فَلم يجز أَن يحْتَمل مَا أحتمل هُوَ لما يحوج إِلَى غير ثمَّ ذَلِك إِلَى آخر إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَذَلِكَ فَاسد وَالله أعلم
[ ٢٩ ]