ثمَّ نتكلم فِي دَلِيل حدث الْأَجْسَام فَإِن صيره الْعقل لزمَه فِي عِيسَى ذَلِك فَإِن قَالَ السّمع قيل وَدَلِيل صدق المسموع مَا هُوَ فَإِن قَالَ حُدُوث الْأَشْيَاء يصير حُدُوث الْأَشْيَاء لَا يعلم إِلَّا بِالسَّمْعِ وَصدق لَا يعلم إِلَّا بحدوث الْأَشْيَاء فَانْقَطع سَبِيل معرفَة فِيهَا إِلَّا أَن يقر بِالْعقلِ فَيلْزمهُ ذَلِك فِي الْمَسِيح
ثمَّ عَارض من يَقُول لَيْسَ من الْإِكْرَام أعظم من قَوْله يَا نَبِي قيل بلَى يَا أبي أكبر فِي التَّعْظِيم وَلَو قَالَ يُوجب التَّقَدُّم أبطل اعْتِبَاره بالتعظيم لِأَنَّهُ من ذَلِك الْوَجْه لَا يُرَاد بذلك ثمَّ إِذْ ثَبت ذَا لَعَلَّ غَيره مِمَّن قد سَمَّاهُ بِهِ فَإِن قيل فِي ذَلِك تَسْوِيَة بِنَفسِهِ قيل قد يَقُول الرجل لآخر يَا أخي وَلَا يُرِيد
وَبعد فَإِن فِي خلقه الْكِرَام وَلَعَلَّ غَيره سمى بِهِ فيشركه فِيهِ الحواريون والأنبياء وعورض بالجليل من الْأُمُور أَنه يجوز القَوْل بِهِ على الْإِكْرَام قيل أما النُّبُوَّة فَلَا تجوز إِلَّا فِي مُتَّفق الْجِنْس لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يَقُول للحمار وَالْكَلب فَلذَلِك لم يجز فِي الأول وَفِي الْجُمْلَة جِهَة الْمحبَّة وَالْولَايَة وَيكون فِي غير الْجِنْس كَمَا يجب الْحق فِي جِهَة الْولَايَة والمحبة وَالْمَلَائِكَة وَنَحْو ذَلِك مَعَ مَا يجوز أَن يكون لله أخلاء وأحباب من الْخلق وَلَا يجوز مثله فِي الْبَنِينَ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالْأَصْل فِي هَذَا عندنَا أَن الإختلاف رَجَعَ إِلَى وَجْهَيْن أَحدهمَا الربوبية وَالله تَعَالَى جلّ ثَنَاؤُهُ قد بَين إِحَالَة ذَلِك بِأَكْلِهِ وشربه دفع الْحَاجَات إِلَى مَكَان الأقدار وَوَصفه بالصغر والكهولة وعبادته لله تَعَالَى وتضرعه لَهُ وخضوعه ودعائه الْخلق إِلَى عبَادَة الله وتوحيده وبشارته بِمُحَمد ﷺ وإيمانه بالرسل ثمَّ جعل جلّ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ جَمِيع آيَات الْحَدث وإمارات العبودة مَا جعل فِي جَمِيع الْعَالم وَكَذَلِكَ هُوَ ﷺ لم يدع لنَفسِهِ سوى
[ ٢١٣ ]
العبودة والرسالة فَالْقَوْل لَهُ بالإلهية قَول لَا معنى لَهُ مَعَ مَا لَو جَازَ ذَلِك لجَاز لكل من الْبشر وَالْعجب أَنهم لم يَكُونُوا فِي حَيَاته ومقامه فِي الأَرْض يرضون لَهُ رُتْبَة الرسَالَة مَعَ مَا لَهُ من الْبَرَاهِين ثمَّ بعد رَفعه أَو مَوته عِنْد عامتهم لم يرْضوا لَهُ بالعبودة والرسالة حَتَّى جعلُوا لَهُ رُتْبَة الربوبية ليشهد عَلَيْهِم بالخلقة والجوهر وَالْبَيَان وكل شَيْء مِنْهُ بِالْكَذِبِ فِي الإبتداء والإنتهاء
وَالثَّانِي أَن يكون ابْنه وَذَلِكَ يخرج على وُجُوه أَحدهَا الولاد وَذَلِكَ محَال فَاسد لغنى الرب عَن أَن تمسه الْحَاجة أَو تغلبه الشَّهْوَة أَو تعتريه الوحشة وَهن أَسبَاب طلب الولاد على إِحَالَة كَون الولاد من غير جَوْهَر الْوَالِد وَالله تَعَالَى بِذَاتِهِ خَارج عَن شبه الْخلق أَو عَن الْمَعْنى الَّذِي يحْتَمل ذَلِك الْوَجْه وعَلى مَا بَين الله أَنه لَو اتخذ لهوا لما احْتمل أَن يتَّخذ مِمَّا عندنَا
وَبعد فَإِن كل ذِي ولد يحْتَمل الشّرك وَزَوَال ملكه إِلَيْهِ وَمن هُوَ بِذَاتِهِ رب ملك قَادر لَا يحْتَمل ذَلِك وَمن يَقُول لَا معنى لَهُ أَن يكون جُزْء من الشَّيْء وَلَده وَيجب أَن يكون غير كَامِل حَتَّى يُوجد وجهة الْآيَات لَا يُوجب ذَلِك لِأَن طَرِيق معرفَة الْبُنُوَّة فِي الشَّاهِد لَيْسَ الْآيَات مَعَ مَا قد شُورِكَ فِيهَا
وَبعد هُوَ يدعى الصدْق فِي الخلوص لَهُ بالعبودة فالآيات توجب ذَلِك لَا غير أَو من جِهَة الْفضل ينْسب إِلَى ذَلِك وَالْأَمر الْمَعْرُوف فِي الشَّاهِد أَن ذَلِك لَيْسَ من أَسمَاء التَّعْظِيم بل تَسْمِيَته الْمَسِيح وَالرَّسُول أجل وَأعظم فِي ذَلِك
وَبعد فقد أَعْطَيْت لكثير من الْخلق من الله تَعَالَى كرامات خصوا بهَا لم يُوجب شَيْء مِنْهَا إسم الْبُنُوَّة على أَن الْبُنُوَّة فِي الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ من الصغار والضعاف لَا من أَصْحَاب الْقُوَّة والرفعة وَهَكَذَا شَأْن أثر الْبَنِينَ فَيكون بهَا إكرامه وتعظيمه بصغره إِذْ قد يكون ذَلِك من العظماء فِي الصغار وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
أَو أَن يكون الله من حَيْثُ مفزعه وملجأه فِي كل أَمر ونائبه فَمن ذَا الْوَجْه
[ ٢١٤ ]
كل الْخلق كَذَلِك وَذَلِكَ كتسمية الهاوية أم أَهلهَا وَالْأَرْض أم أَهلهَا فَمن ذَا الْوَجْه يكون من حَيْثُ المفزع لِلْخلقِ والمعمود إِلَيْهِ وَإِن كَانَ لَا يتَكَلَّم بِمثلِهِ إِلَّا بِإِذن وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه