قَالَ الشَّيْخ ﵀ قَالَت السوفسطائية لما وجدنَا الْإِنْسَان يعلم شَيْئا ثمَّ يبطل ويجد لَذَّة ثمَّ يَزُول وَيهْلك هوَام الْبر فِي الْبَحْر وَالْبَحْر وَالْبر ويبصر الخفاش بِاللَّيْلِ ويغشى بِالنَّهَارِ ثَبت أَن لَا يَصح علم وَإِنَّمَا هُوَ اعْتِقَاد لَا غير وَإِن اخْتلف عَن إعتقاد غَيره
فَسَأَلَ ابْن شبيب فَقَالَ قَوْلكُم لَا علم بِعلم قُلْتُمْ فقد أثبتم أَو لَا بِعلم لم يكن لكم الدُّعَاء إِلَيْهِ مَعَ مَا علمْتُم أَنكُمْ قُلْتُمْ بِغَيْر علم فَإِن قَالُوا بِالْعلمِ أثبتوا الْعلم وَإِن قَالُوا بِالثَّانِي ألزموا السكت وَذَا مجْرى الْبَاب
قَالَ الشَّيْخ ﵀ ومناظرة من يَقُول بِهَذَا الْكَلَام لَا معنى لَهَا لِأَنَّهُ يحصل على أَنه اعْتِقَاد لَا علم فَكل شَيْء يَقُول عِنْد المناظرة فَهُوَ ذَلِك وَإِنَّمَا يناظر مثل من ينفى الْحَقَائِق حَتَّى يرد قَوْله محققا وَكَذَلِكَ بِدَعْوَاهُ وَأما من يَقُول لَيْسَ غير الإعتقاد فَهُوَ أَي شَيْء يَقُول فَإِنَّمَا هُوَ ذَلِك وَإِنَّمَا يُقَابل بِالضَّرْبِ المؤلم وَالْقطع ويعتقد مَا يَعْتَقِدهُ هُوَ فينكر عَلَيْهِ بضده أَو بقوله إِنِّي أعتقد إنكارك إِقْرَارا حَتَّى يَدْفَعهُ الضَّرُورَة إِلَى الْإِقْرَار بِمَا أنكر
[ ١٥٣ ]
مَعَ مَا أَنه اعْتِقَاد لَا غير وَفِي ذَلِك إِثْبَات الإعتقاد فَيبْطل قَوْله بنفى الْعلم بإثباته الإعتقاد وَالله الْمُوفق
مَعَ مَا عَارض بأَشْيَاء ظهر لَهُ خِلَافه وَلَو لم يكن علم الْبَتَّةَ بَطل مَا بِهِ يدْفع من ظُهُور الْخلاف وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَسَأَلَ مُحَمَّد بن شبيب نَفسه بِمَا يرى الشَّيْء الْوَاحِد شَيْئَيْنِ وَآخر يرى شَيْئا وَاحِدًا فَأَيّهمَا الْحق فَزعم أَن الأول حَسبه كَذَلِك لنظره يبصره من جِهَته يرى بِكُل عين غير الْجِهَة الَّتِي يرى بِالْآخرِ دَلِيله أَنه لَو أَعور لَا يرى
قَالَ الْفَقِيه ﵀ وَالْأَصْل فِي هَذَا وَنَحْوه أَن علم الْحس يخْتَلف بإختلاف أَحْوَال الْحس يعلم ذُو الْحَواس مَا بِهِ من الآفة فَيعلم بِأَن الآفة حجاب فبالحاسة يعلم خلاف الْحَقِيقَة عِنْد الآفة وَحَقِيقَته ممتد ارتفاعها وَذَلِكَ يكون فِي الَّذِي وَقعت عَلَيْهِ الحاسة من لطافة أَو بعد أَو ستر الجو بِمَا يَغْشَاهُ وَمرَّة يكون فِي الْبَصَر وعَلى ذَلِك شَأْن كل حاسة وَذَلِكَ كُله مَعْلُوم بالحواس فَلَا نقيض عَلَيْهِ مَعَ مَا أَنه على هَذَا القَوْل يبطل القَوْل بِالْخِلَافِ وَبِه يحْتَج أَو يثبت فَيبْطل قَوْله بنفى الْحَقِيقَة إِذْ ثَبت الإختلاف وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَيعلم الَّذِي يذكر بِالْقربِ مِنْهُ أَو بِالزِّيَادَةِ من الضَّوْء ليعلم حَقِيقَته إِن ضعف بَصَره عَن إِدْرَاكه بالآفة فَفِي مثل هَذِه الْأَحْوَال يظْهر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وجوابنا فِي صَاحب الصَّفْرَاء الَّذِي يجد الْعَسَل مرا هَذَا مَعَ مَا يعلم هُوَ من نَفسه الآفة فِيمَا يجد بِهِ الطّعْم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَالَ ابْن شبيب اخْتلف فِيهِ قَالَ قوم فِي الْعَسَل مرَارَة فَإِذا اتَّصل بِمَا فِي ذائقة فيقوى المرارة فيجده مرا وَقَالَ قوم إِن فِي ذائق صَاحب
[ ١٥٤ ]
الصَّفْرَاء مرَارَة الْمرة الصَّفْرَاء فَلَمَّا اتَّصَلت حلاوة الْعَسَل بالمرة الَّتِي فِي الذائق وتحركت فِي ذائقه وجد حسها كَذَلِك
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَالْأَصْل فِي هَذَا أَن الْإِنْسَان إِذا اشْتَمَل على حُدُود وجهات فَكل جِهَة مِنْهُ تقَابل جِهَة من الْمدْرك لَا يدْرك بِتِلْكَ الْجِهَة غير الْجِهَة الَّتِي قابلته فَإِذا اعترضت الآفة فِي جِهَته الَّتِي بهَا يدْرك مقابلها أَو غشى مقابلها شَيْء ستره فَيذْهب مِقْدَار ذَلِك من الْجِهَة ومقابلها فَيكون كالإدراك بِغَيْر الْجِهَة الَّتِي هِيَ لذَلِك النَّوْع من الْإِدْرَاك فَيكون الْأَحْوَال ثَلَاثَة بقلب الْجِهَة لَا يدْرك مِنْهُ شَيْئا الْبَتَّةَ وتقريرها مَعَ ارْتِفَاع السواتر كلهَا فيدرك بِهِ حَقِيقَة الْمدْرك أَو الإختلاط فعلى تفَاوت ذَلِك يتَفَاوَت الدَّرك وكل ذَلِك حق الْحس مَعْلُوم بالحس فَلم يرد فِي علم الْحس اخْتِلَاف الْبَتَّةَ فِي الْحَقِيقَة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ تكلّف نوع مَا كلم النظام السمنية مِمَّا لَا يجدي نفعا فَزعم أَن الْحيتَان كَانَ الْغَلَبَة فِي طبائعها الرُّطُوبَة والبرودة فَإِذا صَارَت إِلَى الجدب وَالْغَالِب عَلَيْهِ الْحَرَارَة واليبوسة غلبتا على الرُّطُوبَة والندوة فأهلكا وَكَذَلِكَ كل متضادين من الطبائع إِذا غلب وَاحِد ضِدّه أهلكه وَكَذَلِكَ أَمر الطَّائِر فِي السَّمَاء وكلب المَاء فَإِنَّهُ أَشد اعتدالا من الْحُوت يعِيش فِي المَاء وَالْبر والخفاش فَإِن بَصَره مسترقة لَيست بالقوية يذهبه ضوء الشَّمْس نَحْو مَا يعشى الرجل إِذا نظر إِلَى عين الشَّمْس فَإِذا غَابَتْ الشَّمْس ذهب مَا أَضْعَف بَصَره فأبصر فَإِذا اشتدت الظلمَة لَا يبصر وَأما الْأسد فَهُوَ قوي الْبَصَر يبصر بِالنَّهَارِ وَأكْثر مَا يبصر غَيره وَكَذَلِكَ الْمَانِع لَهُ بِاللَّيْلِ أقل مِمَّا يمْنَع غَيره
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَذَلِكَ كُله عَبث بل القَوْل إِنَّه كَذَلِك
[ ١٥٥ ]
خلق وَبِهَذَا الطَّبْع جبل بعض الْجَوَاهِر يطير فِي السَّمَاء وَآخر يسبح فِي المَاء وَالثَّالِث يمشي على وَجه الأَرْض فتكلف الإعتلال لمثل هَذَا تحكم على رب الْعَالمين واعتلال بِمَا لم يُؤذن لَهُ وَلَا لَهُ بِهِ دَرك وَلَيْسَ ذَلِك من نوع مَا ضمن الشَّرْع فِيهِ من تَحْقِيق الْأَعْيَان وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ عَارض نَفسه بِمَا يرى النَّائِم فَيخرج على مَا يرى فَلَعَلَّ أَمر الْيَقظَان على هَذَا أَو مَا يعلم ذَا من ذَا فَزعم أَن الَّذِي يفرق بَين الْأَمريْنِ أَنه يرى مَا لَا يَصح فِي الْعقل فِي حَال النّوم نَحْو أَن يرى نَفسه مَيتا وَالْمَيِّت لَا يعلم أَو يرى رَأسه ملقى فِي حجره وَمثله لَا يحْتَمل رُؤْيَة الْيَقظَان
فَإِن قيل كَيفَ يتَوَهَّم النَّائِم الْمحَال وَهُوَ لَا يثبت فِي الْوَهم
قيل عِنْد مَا يرى نَفسه فِي الْمَنَام لَا يعتقدها حَيَّة ميتَة وَذَلِكَ هُوَ الْمحَال وَكَذَلِكَ إِذا رأى رَأسه ملقى لَا يتوهمه فِي مكانين وَزعم أَن الْعلم بِصِحَّة مَا فِي الْيَقَظَة وَفَسَاد مَا فِي النّوم اكْتِسَاب دَلِيله مَا ذكرت قَالَ وَقد يرى فِي الْمَنَام مَا يَصح ذَلِك إِنَّمَا بِملك يرِيه أَو بِمَا ذَلِك فِي الأصحاء أَو بعض ذَلِك
قَالَ الْفَقِيه ﵀ وَالْأَصْل فِي هَذَا مَا فِي الأول إِن النَّائِم ذُو آفَة يعرفهَا بِمَا يعلم بِهِ يقظته وَذَلِكَ حق الْحس إِنَّه يرى فِي النّوم مُضْطَرّا وَفِي الْيَقَظَة لَا وَكَذَلِكَ يبْقى ألم مَا يضْرب فِي حَال الْيَقَظَة وَيعرف لَذَّة مَا بِهِ يغتذى وَلَيْسَ بَيْننَا وَبَين هَؤُلَاءِ فِي هَذِه الْأَحْوَال مَسْأَلَة إِنَّمَا بَيْننَا إِلْزَام حق الْيَقَظَة وتحقيقه بضرورة بِمَا ذكرنَا ثمَّ تغير ذَلِك إِنَّمَا ذَلِك للآفات الَّتِي تعترض وَجُمْلَته أَن الطبيعة أَو النُّجُوم أَو الأغذية لَا يحْتَمل أَن تولد ذَلِك وَلَا فِيهَا مَا يُوجب ذَلِك وَأَن لكل شَيْء من ذَلِك مضرَّة وَمَنْفَعَة وَمَا بِهِ الْغَلَبَة والإعتدال فَلَا يحْتَمل وجود مثله بالطبع وَلَا بِالنَّجْمِ من حَيْثُ خُرُوج ذَلِك على مَا فِيهِ من الْحِكْمَة والإتقان وَمَا يُوجِبهُ الطَّبْع لَا يحْتَمل ذَلِك وَقد مر بَيَان ذَلِك وَالله الْمُوفق
[ ١٥٦ ]