قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵁ ثمَّ اخْتلف أهل الْإِسْلَام فِي القَوْل بِالْمَكَانِ فَمنهمْ من زعم أَنه يُوصف بِأَنَّهُ على الْعَرْش مستو وَالْعرش عِنْدهم السرير الْمَحْمُول بِالْمَلَائِكَةِ المحفوف بهم ﴿وَيحمل عرش رَبك فَوْقهم يَوْمئِذٍ ثَمَانِيَة﴾ وَقَوله ﴿وَترى الْمَلَائِكَة حافين من حول الْعَرْش﴾ وَقَوله ﴿الَّذين يحملون الْعَرْش وَمن حوله﴾ وَاحْتَجُّوا لِلْقَوْلِ بِهِ بقوله ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾
[ ٦٧ ]
وَيرْفَع النَّاس إِلَى السَّمَاء بالدعوات أَيْديهم وَمَا يأملون من الْخيرَات وَيَقُولُونَ هُوَ صَار إِلَيْهِ بعد أَن لم يكن لقَوْله ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾
وَمِنْهُم من يَقُول هُوَ بِكُل مَكَان بقوله ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ وَقَوله ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ وَقَوله ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم وَلَكِن لَا تبصرون﴾ وَقَوله ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض﴾ وظنوا أَن القَوْل بِأَنَّهُ فِي مَكَان دون مَكَان يُوجب الْحَد وكل ذى حد مقصر عَمَّا هُوَ أعظم مِنْهُ وَذَلِكَ عيب وَآفَة وَفِي ذَلِك إِيجَاب الْحَاجة إِلَى الْمَكَان مَعَ مَا فِيهِ إِيجَاب الْحَد إِذْ لَا يحْتَمل أَن يكون أعظم من الْمَكَان لما هُوَ سخف فِي الْمُتَعَارف أَن يخْتَار اُحْدُ مَكَانا لَا يَسعهُ فَيصير حد الْمَكَان حَده جلّ رَبنَا عَن ذَلِك وَتَعَالَى
وَمِنْهُم من قَالَ بنفى الْوَصْف بِالْمَكَانِ وَكَذَلِكَ بالأمكنة كلهَا إِلَّا على مجَاز اللُّغَة بِمَعْنى الْحَافِظ لَهَا والقائم بهَا
قَالَ الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَجُمْلَة ذَلِك أَن إِضَافَة كُلية الْأَشْيَاء إِلَيْهِ وإضافته ﷿ إِلَيْهَا يخرج مخرج الْوَصْف لَهُ بالعلو والرفعة ومخرج التَّعْظِيم لَهُ والجلال كَقَوْلِه ﴿لَهُ ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ ﴿رب السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ إِلَه الْخلق ﴿رب الْعَالمين﴾ وَفَوق كل شَيْء وَنَحْوه وَإِضَافَة الْخَاص إِلَيْهِ يخرج
[ ٦٨ ]
مخرج الإختصاص لَهُ بالكرامة والمنزلة والتفضيل لَهُ على من هُوَ بجوهره نَحْو قَوْله ﴿إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا﴾ وَقَوله ﴿وَأَن الْمَسَاجِد لله﴾ ﴿نَاقَة الله﴾ بَيت الله وَغير ذَلِك وَلَا يخرج شَيْء من ذَلِك على مثل الْمَفْهُوم من إِضَافَة الْخلق بَعضهم إِلَى بعض لَا قطع إحتمال مثله فِي الْخلق إِذْ قد تخرج أَيْضا إِضَافَة التَّخْصِيص مخرج التَّفْضِيل والعموم مخرج فضل السُّلْطَان وَالْولَايَة
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ الأَصْل فِيهِ أَن الله سُبْحَانَهُ كَانَ وَلَا مَكَان وَجَائِز ارْتِفَاع الْأَمْكِنَة وبقاؤه على مَا كَانَ فَهُوَ على مَا كَانَ وَكَانَ على مَا عَلَيْهِ الْآن جلّ عَن التَّغَيُّر والزوال والإستحالة والبطلان إِذْ ذَلِك أَمَارَات الْحَدث الَّتِي بهَا عرف حدث الْعَالم وَدلَالَة إحتمال الفناء إِذْ لَا فرق بَين الزَّوَال من حَال إِلَى حَال ليعلم أَن حَاله الأولى لم تكن لذاته إِذْ لَا يحْتَمل زَوَال مَا لزم ذَاته وَبَين أَنَّهَا لَيست لذاته لما احْتمل هُوَ قبُول الْأَعْرَاض وانتقال الْأَحْوَال وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَبعد فَإِن فِي تَحْقِيق الْمَكَان لَهُ وَالْوَصْف لَهُ بِذَاتِهِ فِي كل مَكَان تَمْكِين الْحَاجة لَهُ إِلَى مَا بِهِ قراره على مثل جَمِيع الْأَجْسَام والأعراض الَّتِي قَامَت بالأمكنة وفيهَا تقلبت وقرت على خُرُوج جُمْلَتهَا عَن الْوَصْف بِالْمَكَانِ فَمن أَنْشَأَهَا وَأمْسك كليتها لَا بمَكَان يتعالى عَن الْحَاجة إِلَى مَكَان أَو الْوَصْف بِمَا عَلَيْهِ الْعَالم أَن كليته لَا فِي مَكَان وَأَنه بجزئياته فِي الْمَكَان
ثمَّ إِن الله تَعَالَى لَو جعل فِي مَكَان لجعل بِحَق الْجُزْئِيَّة من الْعَالم وَذَلِكَ أثر النُّقْصَان بل لما استقام قيام جَمِيع الْعَالم لَا بالأمكنة للجملة فقيمه على ذَلِك أَحَق وَأولى وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٦٩ ]
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ القَوْل بالكون على الْعَرْش وَهُوَ مَوضِع بِمَعْنى كَونه بِذَاتِهِ أَو فِي كل الْأَمْكِنَة لَا يعدو من إحاطة ذَلِك بِهِ أَو الإستواء بِهِ أَو مجاوزته عَنهُ وإحاطته بِهِ فَإِن كَانَ الأول فَهُوَ إِذا مَحْدُود بِهِ محاط مَنْقُوص عَن الْخلق إِذْ هُوَ دونه وَلَو جَازَ الْوَصْف لَهُ بِذَاتِهِ بِمَا يُحِيط بِهِ من الْأَمْكِنَة لجَاز بِمَا يُحِيط بِهِ من الْأَوْقَات فَيصير متناهيا بِذَاتِهِ مقصرا عَن خلقه وَإِن كَانَ على الْوَجْه الثَّانِي فَلَو زيد على الْخلق لَا ينقص أَيْضا وَفِيه مَا فِي الأول وَإِن كَانَ على الْوَجْه الثَّالِث فَهُوَ الْأَمر الْمَكْرُوه الدَّال على الْحَاجة وعَلى التَّقْصِير من أَن ينشئ مَا لَا يفضل عَنهُ مَعَ مَا يذم ذَا من فعل الْمُلُوك أَن لَا يفضل عَنْهُم من المعامد شَيْئا
وَبعد فَإِن فِي ذَلِك تجزئة بِمَا كَانَ بعضه فِي ذِي أبعاض وَبَعضه يفضل عَن ذَلِك وَذَلِكَ كُله وصف الْخَلَائق وَالله يتعالى عَن ذَلِك
وَبعد فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الإرتفاع إِلَى مَا يَعْلُو من الْمَكَان للجلوس أَو الْقيام شرف وَلَا علو وَلَا وصف بالعظمة والكبرياء كمن يَعْلُو السطوح أَو الْجبَال إِنَّه لَا يسْتَحق الرّفْعَة على من دونه عِنْد إستواء الْجَوْهَر فَلَا يجوز صرف تَأْوِيل الْآيَة إِلَيْهِ مَعَ مَا فِيهَا ذكر العظمة والجلال إِذْ ذكر فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ فدلك على تَعْظِيم الْعَرْش أَي شَيْء كَانَ من نور أَو جَوْهَر لَا يبلغهُ علم الْخلق وَقد روى عَن نَبِي الله ﷺ أَنه وصف الشَّمْس أَن جِبْرِيل يَأْتِيهَا بكف من ضوء الْعَرْش فيلبسها كَمَا يلبس أحدكُم قَمِيصه كل يَوْم تطلع وَذكر فِي الْقَمَر كفا من نور الْعَرْش فإضافة الإستواء إِلَيْهِ لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا على تَعْظِيمه بِمَا ذكره على أثر ذكر سُلْطَانه فِي ربوبيته وخلقه مَا ذكر وَالثَّانِي على تَخْصِيصه بِالذكر بِمَا هُوَ أعظم الْخلق وأجله على الْمَعْرُوف من إِضَافَة الْأُمُور الْعَظِيمَة إِلَى أعظم الْأَشْيَاء كَمَا يُقَال تمّ لفُلَان ملك بلد كَذَا واستوى
[ ٧٠ ]
على مَوضِع كَذَا لَا على خُصُوص ذَلِك فِي الْحق وَلَكِن مَعْلُوم أَن من لَهُ ملك ذَلِك فَمَا دونه أَحَق وعَلى ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ بِمَا صَارَت لَهُ أم الْقرى وأيس الَّذين كفرُوا من دينهم وَكَذَا مَا ذكر من إرْسَال الرُّسُل إِلَى الفراعنه وَإِلَى أم الْقرى لَا يتخصص ذَلِك وَلَكِن بِذكر عظم الْأَمر فَمثله أَمر الْعَرْش وَهُوَ كَقَوْلِه ﴿أكَابِر مجرميها﴾ وَقَوله ﴿أمرنَا مُتْرَفِيهَا﴾ على لُحُوق غير بهم وَيحْتَمل أَن يكون على المنفى بِوَصْف الْمَكَان إِذْ هُوَ أَعلَى الْأَمْكِنَة عِنْد الْخلق وَلَا تقدر الْعُقُول فَوْقه شَيْئا فَأَشَارَ إِلَيْهِ ليعلم علوه عَن الْأَمْكِنَة وتعاليه عَن الْحَاجة وعَلى ذَلِك قَوْله ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ والنجوى لَيْسَ من نوع مَا يُضَاف إِلَى الْمَكَان وَلَكِن يُضَاف إِلَى الْأَفْرَاد فَأخْبر بعلوه عَن الْأَمْكِنَة وتعاليه عَن أَن يخفى عَلَيْهِ شَيْء ثمَّ بقدرته بقوله ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ أَي بالسلطان وَالْقُوَّة وبألوهيته فِي الْبِقَاع كلهَا لِأَنَّهَا أمكنة الْعِبَادَة وَبِقَوْلِهِ ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه﴾ وَيملك كل شَيْء بقوله ﴿لَهُ ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ ثمَّ بعلوه وجلاله بقوله ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ وَقَوله ﴿وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم﴾
[ ٧١ ]
وَقَوله ﴿وَهُوَ على كل شَيْء قدير﴾ فَجمع فِي هَذِه الأحرف مَا فرق فِي تِلْكَ ليعلم أَنه بِكُل مَا سمى بِهِ وَوصف كَانَ ذَلِك لَهُ بِذَاتِهِ لَا بِشَيْء من خلقه وَكَذَلِكَ عزه وشرفه ومجده جلّ ثَنَاؤُهُ عَن الْأَشْبَاه وَلَا إِلَه غَيره
وَقَالَ بَعضهم يُرِيد بالعرش الْملك إِذْ هُوَ اسْم مَا ارْتَفع من الْأَشْيَاء وَعلا حَتَّى سمى بِهِ السطوح ورؤوس الْأَشْجَار والإستواء قيل فِيهِ بأوجه ثَلَاثَة أَحدهَا الإستيلاء كَمَا يُقَال اسْتَوَى فلَان على كورة كَذَا بِمَعْنى استولى عَلَيْهَا وَالثَّانِي الْعُلُوّ والإرتفاع كَقَوْلِه ﴿فَإِذا استويت أَنْت وَمن مَعَك على الْفلك﴾ وَالثَّالِث التَّمام كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلما بلغ أشده واستوى﴾ وَقد قيل بِالْقَصْدِ إِلَى ذَلِك وَجه بعض أهل الْأَدَب قَوْله ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ بِمَعْنى خلق على التَّمْثِيل بِفعل الْخلق فِيمَا يَتْلُو فعلهم أَن يكون بِالْقَصْدِ وَإِن كَانَ لَا يُقَال لَهُ قصد وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ الشَّاعِر ظَنَنْت أَن عرشك لَا يَزُول وَلَا يُغير
وَقَالَ آخر إِذا مَا بنوا مَرْوَان ثلث عروشهم وأودوا كَمَا أودت إياد وحمير
وَقَالَ النَّابِغَة عروش تفانوا بعد عز وَأَنَّهُمْ هووا بعد مَا نالوا السَّلامَة والغنى
[ ٧٢ ]
وَقَالَ آخر بعد ابْن جَفْنَة وَابْن ماثل عَرْشه والحاربين تؤملون فلاحا
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ الْوَجْه فِي ذَلِك لَو كَانَ على الإستيلاء وَالْعرش الْملك إِنَّه مستول على جَمِيع خلقه وعَلى هَذَا التَّأْوِيل الْمَحْمُول غير هَذَا يدل على الْأَمريْنِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم﴾ بِمَعْنى الْملك الْعَظِيم وَفِيه إِثْبَات عروش غَيره فَذَلِك يحْتَمل مَا يحمل ويحف بِهِ الْمَلَائِكَة وَالله الْمُوفق
وَأما على التَّمام والعلو فَهُوَ أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿قل أئنكم لتكفرون بِالَّذِي خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ﴾ إِلَى قَوْله ﴿فقضاهن سبع سماوات﴾ فَأخْبر بِخلق مَا ذكر فِي سِتَّة أَيَّام على التفاريق ثمَّ أجملها فِي مَوضِع فَقَالَ ﴿إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ بِمَعْنى خلق الممتحن من خلق الأَرْض وَالسَّمَاوَات فبهم ظهر تَمام الْملك وَعلا وارتفع إِذْ هم المقصودون من خلق مَا بَينا فبذلك تمّ معنى الْملك وَعلا إِذا وصل إِلَى الَّذين لَهُم وَقد قيل ذَا فِي خلق الْبشر خَاصَّة بقوله ﴿هُوَ الَّذِي خلق لكم مَا فِي الأَرْض﴾ وَقَوله ﴿وسخر لكم اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ وَقَوله ﴿وسخر لكم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ وَذكر ابْن عَبَّاس ﵁ أَن الْبشر خلق
[ ٧٣ ]
الْيَوْم السَّابِع فِيهِ التَّمام والعلو إِذْ خلق لَهُم كل شَيْء وهم لعبادة الله وَلحق بهم الْجِنّ بقوله ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ لَكِن الْمَقْصُود الْبشر إِذْ تسخير مَا ذكرت كُله لَهُم ثمَّ بِمَا يرجع إِلَى منافعهم وَالله الْمُوفق
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَأما الأَصْل عندنَا فِي ذَلِك أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ فنفى عَن نَفسه شبه خلقه وَقد بَينا أَنه فِي فعله وَصفته متعال عَن الْأَشْبَاه فَيجب القَوْل بالرحمن على الْعَرْش اسْتَوَى على مَا جَاءَ بِهِ التَّنْزِيل وَثَبت ذَلِك فِي الْعقل ثمَّ لَا نقطع تَأْوِيله على شَيْء لاحْتِمَاله غَيره مِمَّا ذكرنَا وإحتماله أَيْضا مَا لم يبلغنَا مِمَّا يعلم أَنه غير مُحْتَمل شبه الْخلق ونؤمن بِمَا اراد الله بِهِ وَكَذَلِكَ فِي كل أَمر ثَبت التَّنْزِيل فِيهِ نَحْو الرُّؤْيَة وَغير ذَلِك يجب نفى الشّبَه عَنهُ وَالْإِيمَان بِمَا أَرَادَهُ من غير تَحْقِيق على شَيْء دون شَيْء وَالله الْمُوفق
الأَصْل فِي هَذَا أَن الْأَمر يضيق على السَّامع بِمَا يقدره من الْمَفْهُوم عَن الْخلق فِي الْوُجُود وَإِذ لزم القَوْل فِي الله بالتعالى عَن الْأَشْبَاه ذاتا وفعلا لم يجز أَن يفهم من الْإِضَافَة إِلَيْهِ الْمَفْهُوم من غَيره فِي الْوُجُود مَعَ مَا كَانَ الْوُقُوف على الْمَعْنى يصرف إِلَيْهِ الْكَلَام فِي الْخلق بِمَا هُوَ علمه بِهِ قبل سمع ذَلِك الْكَلَام وَالله سُبْحَانَهُ عرف قبل سمع ذَلِك الْكَلَام على غير الَّذِي عرف عَلَيْهِ الْخلق لم يجز صرف التَّأْوِيل إِلَى مَا فهمه من الْخلق إِذْ سَببه الْعلم الْمُتَقَدّم مِنْهُ على إحتمال ذَلِك الْمَعْنى معنى قد يفهم من الشَّاهِد من على وَمن الْعَرْش وَمن الإستواء معَان مُخْتَلفَة لم يجز صرف ذَلِك إِلَى أوحش وَجه وثمة لأحسن ذَلِك مساغ مَعَ مَا كَانَ الله يمْتَحن بِالْوُقُوفِ فِي أَشْيَاء كَمَا جَاءَ من نعوت الْوَعْد والوعيد وَمَا
[ ٧٤ ]
جَاءَ من الْحُرُوف الْمُقطعَة وَغير ذَلِك مِمَّا يُؤمن الْمَرْء أَن يكون ذَا مِمَّا المحنة فِيهِ الْوَقْف لَا الْقطع وَالله أعلم
وَقَالَ الكعبي مرّة لَا يجوز أَن يكون الله ﷿ يحويه مَكَان لما كَانَ وَلَا مَكَان لم يجز أَن يحدث لَهُ حَاجَة إِلَى الْمَكَان إِذْ خلقه لما لَا يجوز عَلَيْهِ التَّغَيُّر ثمَّ قَالَ هُوَ فِي كل مَكَان على معنى أَنه عَالم بِهِ حَافظ لَهُ كَمَا يُقَال فلَان فِي بِنَاء الدَّار أَي فِي فعله
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ فَمَا قَالَ بِأَنَّهُ لَا يحويه مَكَان بِمَا كَانَ وَلَا مَكَان حق إِذْ ذَلِك تغير وَالْقَوْل بِالْحَاجةِ لَا يَقُوله خَصمه فتعليق الدّفع بِهِ خطأ ثمَّ هُوَ يزْعم أَنه كَانَ غير خَالق وَلَا رَحْمَن وَلَا مُتَكَلم ثمَّ صَار كَذَلِك بعد أَن لم يكن ثَبت بِهِ التَّغَيُّر بل التَّغَيُّر فِي الْمَكَان من حَيْثُ أَن يصير الْمَرْء فِي مَكَان لم يكن فِيهِ بِلَا تغير نَحْو أَن يتَّخذ لَهُ مَكَان يُحِيط بِهِ وَلَا يجوز أَن يُوجد تغير من حَيْثُ لَا تغير فِي ذَات الْفَاعِل فِي الشَّاهِد وَإِذ منع القَوْل بِهَذَا فِي الْمَكَان فَهُوَ فِي الْفِعْل أولى إِذْ يكون التَّغَيُّر فِيهِ أَشد وَأولى مَعَ مَا لَا يكون أحد فِي الشَّاهِد فَاعِلا بِلَا تغير يَعْتَرِضهُ وَجَائِز كَونه فِي مَكَان وَهُوَ الَّذِي فِيهِ خلق لَا تغير لذَلِك كَانَ معنى التَّغَيُّر فِي الْفِعْل أَشد وَالله الْمُوفق
ثمَّ الْعجب فِي قَوْله هُوَ فِي كل مَكَان بِمَعْنى الْعَالم والعالم اسْم ذَاته وَهُوَ بِذَاتِهِ عِنْده لَيْسَ فِي مَكَان وَلَا تحقق لله علما ليبلغ الْمَكَان الَّذِي قَالَ هُوَ فِيهِ
تأملوا لتفهموا تناقضه فِي القَوْل
ثمَّ زعم أَنه يحفظه مرّة وَمرَّة أَنه يَفْعَله وَحفظه وَفعله فِي الْأَمْكِنَة لَيْسَ غير الْأَمْكِنَة فَصَارَ حَاصِل قَوْله الله فِي كل مَكَان فِي الْأَمْكِنَة وَذَلِكَ خلف من القَوْل بل هُوَ عَالم بالأمكنة كلهَا قبل كَونهَا وَبعد كَونهَا وَالله الْمُوفق
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ وَأما رفع الْأَيْدِي إِلَى السَّمَاء فعلى الْعِبَادَة
[ ٧٥ ]
وَللَّه أَن يتعبد عباده بِمَا شَاءَ ويوجههم إِلَى حَيْثُ شَاءَ وَإِن ظن من يظنّ أَن رفع الْأَبْصَار إِلَى السَّمَاء لِأَن الله من ذَلِك الْوَجْه إِنَّمَا هُوَ كظن من يزْعم أَنه إِلَى جِهَة أَسْفَل الأَرْض بِمَا يضع عَلَيْهَا وَجهه مُتَوَجها فِي الصَّلَاة وَنَحْوهَا وكظن من يزْعم أَنه فِي شَرق الأَرْض وغربها بِمَا يتَوَجَّه إِلَى ذَلِك فِي الصَّلَاة أَو نَحْو مَكَّة لِخُرُوجِهِ إِلَى الْحَج وَفِي المشاعر بالسعي فِيهَا ضَالَّة أَو نَاحيَة الْعَدو ويقصدون قصد من يغلب على شَيْء يستنفد مِنْهُ جلّ الله عَن ذَلِك ثمَّ الله سُبْحَانَهُ إِذْ لَيْسَ وَجه أقرب إِلَيْهِ من وَجه وَلَا أَحَق أَن يُعلمهُ من وَجه وَلَا فِي وسع الْخلق وَجه الْوُصُول إِلَيْهِ من وَجه دون وَجه وَلَا طمع الْعُقُول بِمَا هُوَ عَالم بِذَاتِهِ غنى عَن عبَادَة خلقه فعبدهم لأَنْفُسِهِمْ أَن يقومُوا بشكر نعمه لَهُ المحنة كَيفَ شَاءَ لَا يسْبق إِلَى وهم أحد الْوُصُول إِلَيْهِ فِي جِهَة دون جِهَة إِلَّا من يعرف الله حق الْمعرفَة
وَقد بَينا فِيمَا تقدم وصف قربه وَذَلِكَ بالإجابة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب﴾ وبالنصر والمعونه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون﴾ والتقرب إِلَى الْمنزلَة وَالْمحل كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿واسجد واقترب﴾ وَمَا روى أَن من تقرب إِلَيّ شبْرًا تقربت إِلَيْهِ ذِرَاعا إِلَى آخر ذَلِك وَقَوله ﴿وابتغوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة﴾ وَفِي الْكلأ وَالْحِفْظ كَقَوْلِه ﴿وَرَبك على كل شَيْء حفيظ﴾ ﴿وَهُوَ على كل شَيْء وَكيل﴾ وَقَوله ﴿أَفَمَن هُوَ قَائِم على كل نفس بِمَا كسبت﴾
[ ٧٦ ]
وبالعلم بقوله ﴿يعلم سركم وجهركم﴾ وَغير ذَلِك فعلى مثل بعض هَذِه الْوُجُوه المجئ والذهاب وَالْقعُود مَعَ مَا كَانَ مجئ الْأَجْسَام يفهم مِنْهُ الإنتقال ثمَّ مَجِيء الْحق يفهم مِنْهُ الظُّهُور كَقَوْلِه ﴿قل جَاءَ الْحق﴾ وعَلى ذَلِك ذهَاب الْبَاطِل بُطْلَانه وَذَهَاب الْجِسْم إنتقاله فَهَذَا مَحل الْمَجِيء والذهاب فِي الْمَعْرُوف من الْأَعْرَاض والأجسام وَالله يتعالى عَن الْمَعْنيين جَمِيعًا لم يجز أَن يفهم من الْمُضَاف إِلَيْهِ ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
للمسألة عبارَة أُخْرَى إِنَّه مَا من جِهَة وَلَا حَالَة إِلَّا لله على عباده فِيهَا نعم لَا تحصى فَجعل عَلَيْهِم بهَا وفيهَا عبادات كَمَا جعل فِي الْجَوَارِح وَالْأَمْوَال بهَا لَهُ فيهمَا من النعم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
على أَن السَّمَاء هِيَ مَحل ومهبط الْوَحْي وَمِنْهَا أصُول بَرَكَات الدُّنْيَا فَرفع إِلَيْهَا الْبَصَر لذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه