الْحَمد لله المتوحد بالقدم والإلهية المتفرد بالدوام والربوبية ذِي الْبُرْهَان الْمُنِير وَالْملك الْكَبِير الَّذِي فطر الْخلق بقدرته وصرفهم بِحِكْمَتِهِ على سَابق علمه ومشيئته وتقلب كل فِي مواهبه وإحسانه أنشأ الْأَشْيَاء كَيفَ شَاءَ ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ لما يتَمَكَّن مِنْهُم السَّفه وَالْحكمَة ليزجروا بالسؤال ثمَّ بالجزاء عَن السَّفه وَيرغبُوا فِي الْحِكْمَة ونسأله أَن يكرمنا بالتوفيق ويجدد عزمنا التسديد وينور قُلُوبنَا بِالتَّوْحِيدِ فَإِنَّهُ حميد مجيد
أما بعد فَإِن الله تَعَالَى لما خلق الْبشر للمحنة بِمَا جعلهم أهل تَمْيِيز وَعلم بالمحمود من الْأُمُور والمذموم وَجعل مَا يذم مِنْهَا قبيحا فِي عُقُولهمْ وَمَا يحمد حسنا وَعظم فِي أذهانهم إِيثَار الْقَبِيح على الْحسن وَالرَّغْبَة فِيمَا يذم على مَا يحمد دعاهم على مَا عَلَيْهِ ركبُوا وَمَا بِهِ أكْرمُوا إِلَى إِيثَار أَمر على أَمر وقبح فِي عُقُولهمْ إحتمال أمثالهم جعل الله جَمِيع مَا لَهُم فِيهِ متقلب بَين ضَرَر يتقى ونفع يرغب فِيهِ ليَكُون ذَلِك لَهُم علما للموعود مِمَّا بِهِ التَّرْغِيب والترهيب وأنشأهم على طبائع تنفر عَن أَشْيَاء وتميل إِلَى أَشْيَاء وأراهم فِي عُقُولهمْ حسن بعض مِمَّا تنفر عَنهُ الطباع بِحَمْد العواقب وقبح بعض مَا تميل إِلَيْهِ بذم العواقب فصيرهم بِحَيْثُ يحْتَملُونَ الْمَكْرُوه على الطباع بلذيذ الْعَاقِبَة ويقهرونه عَمَّا يَدعُوهُم
[ ٢٢١ ]
إِلَيْهِ بشهى النِّهَايَة ثمَّ امتحنهم إِذْ أَبَت عُقُولهمْ احْتِمَال أمثالهم ورغبت فِي محَاسِن الْأَعْمَال وَمَكَارِم الْأَخْلَاق بِاخْتِيَار مَا حسن من الْأَعْمَال وَاجْتنَاب مَا قبح من ذَلِك ثمَّ جعل مَا فِيهِ محنتهم أَمريْن العسير واليسير والسهل والصعب إِذْ هم بِلَا محنة يتعاطون الْأَمريْنِ جَمِيعًا لما إِلَيْهِ مرجع مَا أقدموا عَلَيْهِ وامتنعوا وعَلى ذَلِك جعل الْأَسْبَاب الَّتِي بهَا التَّوَصُّل لَهُم إِلَى الأَصْل الَّذِي بِهِ يرتقى إِلَى كل دَرَجَة وينال كل فَضِيلَة وَهُوَ الْعلم على وَجْهَيْن على الظَّاهِر الْبَين والخفى المستور ليتفاضل بذلك أولُوا الْعقل على قدر تفاضلهم فِي الإجتهاد وإحتمال مَا كرهته الطباع ونفرت عَنهُ النَّفس وعَلى ذَلِك جعل سَبيله قسمَيْنِ أَحدهمَا العيان الَّذِي هُوَ أخص الْأَسْبَاب وهوالذي لَيْسَ مَعَه جهل ليَكُون أصلا لما خفى مِنْهُ وَالثَّانِي السّمع الَّذِي عَن دلَالَة الْأَعْيَان يعرف صدقه وَكذبه ثمَّ جعل السّمع قسمَيْنِ مُحكم ومتشابه ومفسر ومبهم ليبين مُنْتَهى المعارف من الْكَفّ فِيمَا يجب ذَلِك والإقدام فِيمَا يلْزمه وَمن حمل الْمُبْهم على الْمُفَسّر لزم الْمُحكم وَعرض الْمُتَشَابه عَلَيْهِ مَا أمكن أَن يكون مَا فِيهِ مِمَّا يلْزم تعرفه وَمِمَّا إِلَيْهِ حَاجَة بِأَهْل المحنة أَو ترك الْخَوْض فِي ذَلِك فِيمَا أمكن الْغِنَا عَن تعرف حَقِيقَة مَا فِيهِ فَيكون محنة الْوُقُوف إِذْ الله تَعَالَى يمْتَحن بِوَجْهَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ مرّة وبالطلب ثَانِيًا وَإِنَّمَا على العَبْد الطَّاعَة فِي قدر الْأَمر وَلما جمع جلّ ثَنَاؤُهُ كِتَابه على الْأَمريْنِ يعرف النَّاس الدّين أقرُّوا بِالْكتاب أَنه حق من عِنْد الله لَا يسع الْعُدُول عَنهُ وَأَن من لزمَه أَفْلح وَنَجَا وَمن مَال عَنهُ شقى وخسر حَتَّى ظن كل فريق أَنه قد أصَاب الْمُحكم من ذَلِك وَلَزِمَه وَأَن عَلَيْهِ فِيمَا ذهب إِلَيْهِ خصومه أَن يقف فِي ذَلِك أَو يجمله على مَا تقرر عِنْده فِيمَا اعتقده فألزم تفرقهم الْحَاجة كلا يعرف الْمُحكم من الْمُتَشَابه لُزُوم الْعلم بالمتشابه أَن لَا يتناقض الْمُحكم مِنْهُ ثمَّ مَعْلُوم أَنه لَا يحْتَمل الْقُرْآن الإختلاف وَبِه وصف الله أَنه ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾
[ ٢٢٢ ]
وَفِي الْعقل إِن تنَاقض أَدِلَّة من لَهُ الْأَدِلَّة وَهُوَ دَلِيل سفهه وجهله فَثَبت بذلك ان الَّذِي لَهُ تفَرقُوا لَيْسَ من حَيْثُ الْقُرْآن وَلَا لما لَيْسَ فِيهِ بَيَان بل دلّ تَكْلِيف الرَّد إِلَى الْقُرْآن وَلُزُوم اتِّبَاعه على أَن فِيهِ بَيَان ذَلِك وَإِنَّمَا خفى الْمُحكم على من لم يبلغهُ لمعان إِمَّا ميل طبيعة الْجَوْهَر إِلَى مَا يتلذذ بِهِ أَو لإلف بعض مَا اعتاده أَو لتقليد من وثق بِهِ أَو لتقصير فِي الطّلب أَو لثقة مِنْهُ بعقله أحب أَن يسوى عَلَيْهِ حِكْمَة الربوبية دون أَن اتبع عقله مَا ألْقى فِي سَمعه فَصَارَ بِهِ الْمُحكم عِنْده متشابها أَو لتقصير فِي الْبَحْث إِذْ الْوُجُوه الَّتِي هِيَ وُجُوه الشُّبْهَة على الَّذين عدلوا عَن التَّوْحِيد على شَهَادَة كُلية الْأَشْيَاء لَهُ بذلك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وأصل ذَلِك أَن الله تَعَالَى خلق الْبشر على طبائع تميل إِلَى الملاذ الْحَاضِرَة وَتَدعُوا صَاحبهَا إِلَيْهِ وتزينها فِي عينه بِمَا ركب فِيهِ من الشَّهَوَات إِلَى مَا إِلَيْهِ مثل طبعه وَهِي تنفر عَمَّا فِيهِ ألمه وتعبه فَيصير طبعه أحد أَعدَاء عقله فِي التحسين والتقبيح وَإِن كَانَ مَا حسنه الْعقل وقبحه لَيْسَ لَهُ زَوَال وَلَا تغير من حَال إِلَى حَال وَمَا حسنته الطبيعة وقبحته هُوَ فِي حد الإنقلاب والتغير من حَال إِلَى حَال بالرياضة وَالْقِيَام على ذَلِك بالكف عَمَّا أَلفه وَالصرْف إِلَى مَا ينفر عَنهُ يحسن الْقيام عَلَيْهِ على مَا يحْتَمل الطَّبْع قبُوله نَحْو الْمَعْرُوف من أَمر الطُّيُور والبهائم إِنَّهَا بطبعها تنفر عَمَّا أُرِيد بهَا من أَنْوَاع مَنَافِع الْبشر ثمَّ يحسن قيام أهل الْبَصَر بذلك لصير مِمَّا طبع عَلَيْهِ بالميل إِلَيْهِ كالمستوحش وَمِمَّا طبع على النفار عَنهُ كالمطبوع عَلَيْهِ وعَلى ذَلِك أَمر نفار الطَّبْع عَن الْقَتْل وَالذّبْح فِي الْبشر ثمَّ سهولة ذَلِك عَلَيْهِ فِي الْحَيَوَان وَمَا يدْرك حسنه بِالْعقلِ وقبحه فَلَا يزَال يزْدَاد على مَا فِيهِ إِدْرَاكه
[ ٢٢٣ ]
ببديهة الْأَحْوَال وَلذَلِك جعل الله الْعُقُول حجَّة لَا ميل الطباع إِذْ أجْرى قلمه على أَهلهَا وَإِن شاركوا فِي الطباع غَيرهم مِمَّن لَيست لَهُم عقول سليمَة وألزم أَهلهَا اتِّبَاع مَا أَرَاهُم الْعقل حسنه وَإِن كَانَ فِي الطَّبْع النفار وَاجْتنَاب مَا فِي الْعقل قبحه وَإِن كَانَ فِي طبيعة الْجَوْهَر قبُوله إِذْ الْعقل يرى صَاحبه على حَقِيقَة مَا عَلَيْهِ الشَّيْء والطبع أعنى طبع الْجَوْهَر لَا يُوضح ذَلِك أَن طبع الْجَوْهَر لَا تبصر بِهِ وَلَا يمثل غير الْحَاضِر وَالْعقل يدْرك بِهِ مَا حضر وَغَابَ وَبِه يحضر على الطَّبْع مَا غَابَ حَتَّى يصير لَهُ كالشاهد مِمَّا يكرههُ ويتلذذ بِهِ وَعِنْده تسهل المحنة وتخف مُؤَن الَّذِي يكرههُ الطَّبْع وعَلى ذَلِك تَقْدِير الْكَلَام والعبارات إِنَّهَا وَإِن كَانَت تخْتَلف فِي الْحسن والقبح على الأسماع فَإِنَّهَا لَا تغير فِي الْحُقُوق إِذْ هِيَ تَتَغَيَّر وَيجوز أَن تُؤدِّي عبارَة وَاحِدَة بلسانين يكون أَحدهمَا أحلى من الآخر وَالْحسن لنَفسِهِ وَالْحق لَا يخْتَلف لاخْتِلَاف المعبرين فَلهَذَا لم يقدر حسن الْأَشْيَاء بطبع الْخلقَة وَلَا بِحسن الْعبارَة وَإِنَّمَا قدر بِالْعقلِ الَّذِي لَا يرى الْحسن قبيحا وَهُوَ الأَصْل الَّذِي يلْزم تَسْوِيَة كل أَمر من الْأُمُور عَلَيْهِ وَذَلِكَ كعلم العيان الَّذِي لَا يحْتَمل التَّغَيُّر وَلَا يناقضه جهل فَيكون هُوَ أصلا لكل خفى مَسْتُور وَكَذَلِكَ أَمر الْعقل وَمَا أرَاهُ أصل لكل أَمر مطبوع وَلما بَينا من مُخَالفَة الطبائع فِي التزيين الْمَعْقُول وَفِي التقبيح تعذر على كثير من الْخلق إِدْرَاك مَا أَرَاهُم الْعقل والطبع فَصَارَ بذلك الْمُحكم عِنْدهم فِي صُورَة الْمُتَشَابه والمتشابه فِي صُورَة الْمُحكم وَهَكَذَا أُرِيد دَرك كل شَيْء بِغَيْر سَبيله فنسأل الله أَن يعصمنا عَن رُؤْيَة الْبَاطِل بِصُورَة الْحق وَالْحق بِصُورَة الْبَاطِل فَإِنَّهُ قوي مُدبر قدير
[ ٢٢٤ ]