قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَالدّلَالَة أَن مُحدث الْعَالم وَاحِد لَا أَكثر السّمع وَالْعقل وَشَهَادَة الْعَالم بالخلقة فَأَما السّمع فَهُوَ اتِّفَاق القَوْل على إختلافهم على الْوَاحِد إِذْ من يَقُول بِالْأَكْثَرِ يَقُول بِهِ على أَن الْوَاحِد اسْم لإبتداء الْعدَد وَاسم للعظمة وَالسُّلْطَان والرفعة وَالْفضل كَمَا يُقَال فلَان وَاحِد الزَّمَان ومنقطع القرين فِي الرّفْعَة وَالْفضل والجلال وَمَا جَاوز ذَلِك لَا يحْتَمل غير الْعدَد والأعداد لَا نِهَايَة لَهَا من حَيْثُ الْعدَد وَفِي تَحْقِيق مَا يعد يخرج عَن النِّهَايَة الْعدَد فَيجب أَن يكون الْعَالم غير متناه إِذْ لَو كَانَ من كل مِنْهُم شَيْء وَاحِد فَيخرج الْجُمْلَة عَن التناهي بِخُرُوج الْمُحدثين وَذَلِكَ بعيد ثمَّ مَا من عدد يشار إِلَيْهِ إِلَّا وَأمكن من الدَّعْوَى أَن يُزَاد عَلَيْهِ وَينْقص مِنْهُ فَلم يجب القَوْل بِشَيْء لما لَا حَقِيقَة لذَلِك بِحَق الْعدَد لَا يُشَارك فِيهِ غَيره لذَلِك بَطل القَوْل بِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
[ ١٩ ]
وَبعد فَإِنَّهُ لم يذكر عَن غير الْإِلَه الَّذِي يعرفهُ أهل التَّوْحِيد دَعْوَى الإلهية وَالْإِشَارَة إِلَى أثر فعل مِنْهُ يدل على ربوبيته وَلَا وجد فِي شَيْء معنى أمكن إِخْرَاجه عَن حمله وَلَا بعث رسلًا بِالْآيَاتِ الَّتِي تقهر الْعُقُول ويبهر لَهَا فَتثبت أَن القَوْل بذلك خيال ووسواس
وَأَيْضًا مَجِيء الرُّسُل بِالْآيَاتِ الَّتِي يضْطَر من شَهِدَهَا أَنَّهَا فعل من لَو كَانَ مَعَه شريك ليمنعهم عَن إظهارها إِذْ بذلك إبِْطَال ربوبيتهم وألوهيتهم فَإِذا لم يُوجد وَلَا منعُوا عَن ذَلِك مَعَ كَثْرَة المكابرين لَهُم والعاندين مِمَّن لَو أَحبُّوا وجود الإبصار لَهُم فِي إِظْهَار آياتهم لوجدوا فَثَبت أَن ذَلِك إِنَّمَا سلم للرسل لما لم يكن الْإِلَه الْحق والخالق لِلْخلقِ غير الْوَاحِد القهار الَّذِي قهر كل متعنت مكابر عَن التمويه فضلا من التَّحْقِيق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ دلَالَة الْعقل أَنه لَو كَانَ أَكثر من وَاحِد مَا احْتمل وجود الْعَالم إِلَّا بالإصطلاح وَفِي ذَلِك فَسَاد الربوبية وَمعنى آخر أَن كل شَيْء يُرِيد اُحْدُ مِمَّن ينْسب إِلَيْهِ إثْبَاته يُرِيد الآخر نَفْيه وَمَا يُرِيد أَحدهمَا إيجاده يُرِيد الآخر إعدامه وَكَذَلِكَ فِي الْإِبْقَاء والإفناء وَفِي ذَلِك تنَاقض وتناف فَدلَّ الْوُجُود على مُحدث الْعَالم وَاحِد تَدْبيره
مَعَ مَا كَانَ الْأَمر الْمُعْتَاد بَين الْمُلُوك بذل الوسع مِنْهُم فِي قهر أشكالهم ليَكُون الْملك للقاهر وَمنع كل مِنْهُم غَيره عَن إِنْفَاذ حكمه وَإِظْهَار سُلْطَانه مَا اسْتَطَاعَ فَإذْ لم يكن بل نفذ سُلْطَان الْعَزِيز الْحَكِيم ثَبت أَنه الْوَاحِد وَهَذَا تَأْوِيل قَوْله ﴿قل لَو كَانَ مَعَه آلِهَة كَمَا يَقُولُونَ إِذا لابتغوا إِلَى ذِي الْعَرْش سَبِيلا﴾ وَالْأول على مَا أودع قَوْله ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾
وَأَيْضًا أَنه لَو كَانَ مَعَ الله إِلَه لأظهر الآخر حكمته وَفصل فعله من فعل
[ ٢٠ ]
الله الْحق ليعلم بِهِ قدرته وسلطانه فَإذْ لم يفعل بَان أَن الله المتوحد بالإلهية والمتفرد بالربوبية وَذَلِكَ معنى قَوْله ﴿وَمَا كَانَ مَعَه من إِلَه إِذا لذهب كل إِلَه بِمَا خلق﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿أم جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقه﴾
ثمَّ وَجه الإصطلاح يدل على الْعَجز وَالْجهل مَعَ مَا لَو كَانَ كَذَلِك لم يكن الْأَمر لوَاحِد فِي نسبه الْخلق وتحقيقه لَهُ إِلَّا من حَيْثُ يقهرهم ويدخلهم تَحت قدرته وصنعه وَالله الْمُوفق
وَأَيْضًا أَنه لَو كَانَ مَعَ الله إِلَه لَا يَخْلُو من أَن يقدر على فعل يسره من الآخر أَو لَا وَكَذَلِكَ الله سُبْحَانَهُ مِنْهُ فَإِن قدرا جَمِيعًا ملك كل وَاحِد مِنْهُمَا تجهيل الآخر وَفِي ذَلِك زَوَال الربوبية وَإِن لم يقدرا عجز كل وَاحِد مِنْهُمَا وَالْعجز يسْقط الألوهية أَو قدر أَحدهمَا دون الآخر فَهُوَ الرب وَالْآخر مربوب مَعَ مَا كَانَ علم الْغَيْب علم الربوبية فَمن لَيْسَ لَهُ فَهُوَ مربوب ثمَّ لَا يَخْلُو أَيْضا من قدرَة كل وَاحِد مِنْهُمَا على غَيره فِي منع مَا يروم الْفِعْل بِغَيْرِهِ ويريده أَولا فَيكون فيهمَا إِمْكَان خُرُوج كل عَن الْقُدْرَة وَتَحْقِيق عجز وَذَلِكَ يسْقط الربوبية أَو يقدر الْوَاحِد خَاصَّة فَيكون هُوَ الرب سُبْحَانَهُ
وَأما دلَالَة الإستدلال بالخلق فَهُوَ أَنه لَو كَانَ أَكثر من وَاحِد لتقلب فيهم التَّدْبِير نَحْو أَن تحول الْأَزْمِنَة من الشتَاء والصيف أَو تحول خُرُوج الْإِنْزَال وينعها أَو تَقْدِير السَّمَاء وَالْأَرْض أَو تسيير الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم أَو أغذية الْخلق أَو تَدْبِير معاش جَوَاهِر الْحَيَوَان فَإذْ دَار كُله على مَسْلَك وَاحِد وَنَوع من التَّدْبِير وإنساق ذَلِك على سنَن وَاحِد لَا يتم بمدبرين لذَلِك لزم القَوْل بِالْوَاحِدِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَالثَّانِي أَن الْأَجْنَاس على اختلافها وتباعد مَا بَينهَا من نَحْو السَّمَاء وَالْأَرْض وأطراف الأَرْض وَجعل أرزاق أَهلهَا مُتَّصِلَة بالمنافع حَتَّى كَانَ كل أَنْوَاع
[ ٢١ ]
الْخَارِج من الأَرْض يكون بِأَسْبَاب السَّمَاء وحاجات كل أهل الْبلدَانِ منتشرة فِي جَمِيع الْأَطْرَاف ومعاش الْبشر مجعول فِي أَنْوَاع المكاسب على هَذَا أَمر الْجَمِيع فَلَو كَانَ ذَلِك لعدد لم يحْتَمل أَن ترجع مَنَافِعهَا إِلَى من لَهُ الْعَالم من الْخلق على اخْتِلَاف الْعَالم ثَبت أَن مُدبر ذَلِك كُله وَاحِد وعَلى مَا ذكرت الْأَوْقَات من اللَّيْل وَالنَّهَار والساعات وَدخُول بعض فِي بعض على قدر الْحَاجَات وَهَذَا وَالله أعلم معنى قَوْله ﴿مَا ترى فِي خلق الرَّحْمَن من تفَاوت﴾ فَهَذَا مَعَ مَا جعلت الْأَجْسَام وَهِي الْأَعْيَان على جِهَات سِتّ ثَبت أَن مُدبر كل على اخْتِلَاف الْأَجْنَاس وَاحِد حَتَّى جمع الْكل تَحت معنى وَاحِد وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالثَّالِث أَنه لَا يُوجد جَوْهَر وَاحِد يرجع بجوهره إِلَى معنى وَاحِد من الضَّرَر أَو النَّفْع أَو الْخَبيث أَو الطّيب أَو النِّعْمَة أَو الْبلَاء بل كل شَيْء يُوصف بالخبث فَهُوَ يصير طيبا من وَجه غير من لَهُ خبث وَكَذَلِكَ سَائِر الصِّفَات وعَلى ذَلِك أَحْوَال الْأَشْيَاء إِنَّهَا لَيست على نفع بِكُل حَال أَو ضَرَر بِكُل حَال ثَبت أَن مُدبر ذَلِك كُله وَاحِد حَتَّى جمع فِي كل وُجُوه المضار وَالْمَنَافِع وَلم يَجْعَل شَيْئا ذَا نوع ليعلم أَنه عَن أصل يرجع إِلَى جوهره أَو عَن تَدْبِير عدد يفعل كل جِهَة فيتناقض بِمَا تفرد كل بالجهة الَّتِي هِيَ مِنْهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا أَن الْأَعْيَان ترَاهَا تَحت حد الْأَجْسَام كلهَا وَهِي مجتمعة على طبائع متضادة حَقّهَا التنافر والتباعد بِمَا بَينهَا من التعادي الَّذِي لَو توهم تَركهَا وطباعها لَكَانَ فِي ذَلِك فَسَاد الْكل فَثَبت أَن مُدبر الْجَمِيع بَينهَا وَاحِد يجمعهُمْ باللطف وَيحبس ضَرَر كل عَن غَيره بالحكمة العجيبة الَّتِي لَا تبلغها الأوهام وَلَو كَانَ لعدد لجرى فِيهَا حق الإختلاف والتضاد على مَا عَلَيْهِ إِرَادَة الفاعلين من السِّرّ بغيرهم وبصنع غَيرهم ليتبين صنعه وَبِاللَّهِ النجَاة
وَأمكن الْجمع بَين الحرفين فِي جَمِيع مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ الإعتبار من الْإِشَارَة إِلَى الدّلَالَة إِنَّهَا تخرج على النّظر إِلَى الْأَحْوَال وَالْأَفْعَال فالأحوال هِيَ أَن يَكُونُوا
[ ٢٢ ]
فِي جَمِيع مَعَاني الربوبية سَوَاء فَيكون فِي ذَلِك تدافع وتمانع مَعَ مَا كَانَ ذَلِك صفة فَرد سموهُ عددا أَو تخْتَلف فَيكون الأتم لَهَا أَحَق بالربوبية وَأما الْأَفْعَال فَمَا ذكرت من اتساق جَمِيع الْعَالم مَعَ تنَاقض الطبائع وتضادها صَارَت كَأَنَّهَا أشكال فِي قوام بعض بِبَعْض وَكَون بعض لبَعض عونا وناصرا فِي الْبَقَاء وَإِن كَانُوا بِالْوَجْهِ الَّذِي ذكرت ثَبت أَن ذَلِك التألف مَعَ التضاد لَا يحْتَمل إِلَّا بمدبر حَكِيم عليم لطيف لَا يُنَازع فِي التَّدْبِير وَلَا يُخَالف فِي التَّقْدِير وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَإِذا ثَبت القَوْل بوحدانية الله تَعَالَى والألوهية لَهُ لَا على جِهَة وحدانية الْعدَد إِذْ كل وَاحِد فِي الْعدَد لَهُ نصف وأجزاء لزم القَوْل بتعاليه عَن الْأَشْبَاه والأضداد إِذْ فِي إِثْبَات الضِّدّ نفى إلهيته وَفِي التشابه نفى وحدانيته إِذْ الْخلق كلهم تَحت إسم الأشكال والأضداد وهما علما احْتِمَال الفناء والعدم وَنفى التَّوْحِيد عَن الْخلق
وَالله وَاحِد لَا شَبيه لَهُ دَائِم قَائِم لَا ضد لَهُ وَلَا ند وَهَذَا تَأْوِيل قَوْله ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ وأصل ذَلِك أَن كل ذِي مثل وَاقع تَحت الْعدَد فَيكون أَقَله أثنين وكل ذِي ضد تَحت الفناء إِذْ يهْلك ضِدّه وعَلى ذَلِك كل شَيْء سواهُ لَهُ ضد يفنى بِهِ وشكل يعد لَهُ وَيصير بِهِ زوجا فحاصل تَأْوِيل قَوْله وَاحِد أَي فِي العظمة والكبرياء وَفِي الْقُدْرَة وَالسُّلْطَان وَوَاحِد بالتوحد عَن الْأَشْبَاه والأضداد وَلذَلِك بَطل القَوْل فِيهِ بالجسم وَالْعرض إِذْ هما تَأْوِيلا الْأَشْيَاء وَإِذ ثَبت ذَا بَطل تَقْدِير جَمِيع مَا يُضَاف إِلَيْهِ من الْخلق ويوصف بِهِ من الصِّفَات بِمَا يفهم مِنْهُ لَو أضيف إِلَى الْخلق وَوصف بِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَفِي ذَلِك ظُهُور تعنت المشبهة وَذَلِكَ سَبَب إلحاد من ألحد أَنه ظن بِهِ مَا احتمله الشَّاهِد فَمنهمْ من جعله أحد الْأَعْيَان وَأنكر الصَّانِع للْعَالم وأدعى أَنه على مَا عَلَيْهِ فِي الْأَزَل وَمِنْهُم من صيره مُحْتملا للحوادث وَأنكر حَدثهُ
[ ٢٣ ]
وَزعم أَن غَيره حوادث اعترضت بقوته وهم أَصْحَاب الهيولي والمسلمون لَزِمَهُم القَوْل بهستيته ضَرُورَة فَقَالُوا وَنَفَوْا عَنهُ جَمِيع مَا احْتمل غَيره إِذْ احْتمل غَيره التَّفَاضُل فِي الذوات والإختلاف فِي الصِّفَات أَو احْتمل غَيره الإستحالة والتغير بِمَا يتَمَكَّن فِيهِ الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَإِن كَانَ بعض ذَلِك ثوابت فَهُوَ نوع الْمُحْتَمل لذَلِك على أَن ثباته بالتسخير على مَا هُوَ عَلَيْهِ من دوَام الْحَرَكَة أَو السّكُون أَو بإحتمال التضاد الَّذِي هُوَ آفَة الْمَوْجُود بِمَا فِيهِ إحتمال الفناء وَوُجُود الْأَشْبَاه لَهُ ليبطل عَنهُ صفة الْكَمَال والتمام أَو تمكن النِّهَايَة لَهُ وَالْحَد الَّذِي يتَوَهَّم مَعَه الأتم والأنقص والأوفر والأقصر فَهَذِهِ الْوُجُوه من آيَات حدث الْعَالم وأدلة محدثة فَلَو كَانَ لمحدثه مِمَّا بِهِ عرف حدث الْعَالم وَأَن لَهُ مُحدثا ليلحقه من ذَلِك الْوَجْه مَا لحق غَيره وَفِيه فَسَاد الْعَالم وشهادته على مُحدث حَكِيم عليم متعال عَن الْأَشْبَاه والأضداد مَعَ مَا كَانَ كل غير لَهُ حدث من جَمِيع الْوُجُوه فَلَو كَانَ لشَيْء مِنْهُ شبه يسْقط عَنهُ من ذَلِك الْقدَم أَو عَن غَيره الْحَدث وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
على أَن الشّبَه من كل جِهَة فِي الْخلق مُمْتَنع لما يصير وَاحِدًا وَإِنَّمَا يكون فِي جِهَة دون جِهَة فَلَو وصف بالشبه بِغَيْرِهِ بِجِهَة فَيصير من ذَلِك الْوَجْه كَأحد الْخلق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَلَيْسَ فِي إِثْبَات الْأَسْمَاء وَتَحْقِيق الصِّفَات تشابه لنفى حقائق مَا فِي الْخلق عَنهُ كالهستية والثبات وَلَكِن الْأَسْمَاء لما لم يحْتَمل التَّعْرِيف وَلَا تَحْقِيق الذَّات بِحَق الربوبية إِلَّا بذلك إِذْ لَا وَجه لمعْرِفَة غَائِب إِلَّا بِدلَالَة الشَّاهِد ثمَّ إِذا أُرِيد الْوَصْف بالعلو والجلال فَذَلِك طَرِيق الْمعرفَة فِي الشَّاهِد وَإِمْكَان القَوْل إِذْ لَا يحْتَمل وسعنا الْعرْفَان بِالتَّسْمِيَةِ بِغَيْر الَّذِي شاهدنا وَلَا الْإِشَارَة إِلَى مَا لَا نَأْخُذ من الْحس وَحقّ العيان لَو احْتمل وسعنا ذَلِك لقلنا ذَلِك
[ ٢٤ ]
لَكنا اردنا بِهِ مَا يسْقط الشّبَه من قَوْلنَا عَالم لَا كالعلماء وَهَذَا النَّوْع فِي كل مَا نُسَمِّيه بِهِ وَنصفه وَالله الْمُوفق
مَعَ مَا كَانَ التشابه الَّذِي تقدره أوهامنا لَيْسَ عَن قَول اللِّسَان نقدره بل بِمَا كُنَّا نَعْرِف الشّبَه بَين الذاتين والفعلين فَإلَى ذَلِك يرجع وَهَهُنَا عِنْد التَّسْمِيَة وَذَلِكَ يحققه لَو لم يكن لَهما اسْم عرفا بِهِ وَوصف وَصفا بِهِ فَإِذا كَانَ الله سُبْحَانَهُ فِيمَا اعتقدنا وحدانيته اعتقدنا غير شَبيه بالمعروفين فِي تَسْمِيَة الْآحَاد لم يلْزمنَا التَّسْمِيَة بِمَا تعرفنا مَا لَوْلَا الإسم لم يجب التَّشْبِيه بالإسم لذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
على أَن من نفى الْأَسْمَاء وَالصِّفَات من الفلسفة لم يقل بالتعطيل وكل مُثبت مَعْنَاهُ فِي التَّحْقِيق نفى التعطيل ثمَّ لم يجب بِهِ التشابه فَمثله فِي الْأَسْمَاء
وَإِذا لم يحققوا فَمَا يَقُولُونَ لَو قيل لَهُم مَا تَعْبدُونَ وَإِلَى مَاذَا تدعون وَبِأَيِّ دين تدينون وَمن أَمركُم ونهاكم عَمَّا تنهون وتؤمرون وَمن بِهِ بَدْء الْعَالم الْعلوِي والسفلي وبمن كَانَ أولية الْأَشْيَاء ليرجعوا إِلَى معنى يقرب إِلَى الْفَهم أَو يلْحقُوا بمنكري حدث الْعَالم ويبطلوا قَوْلهم فِي الأول إِنَّه الْعقل أَو الأَصْل السَّابِق أَو الروحاني الأول أَو مَا قَالُوا فِي ذَلِك وَفِي ذَلِك اخْتِيَار الْحيرَة والتمسك بِالْجَهْلِ وَدفع مَا يعرف غير الْعَالم بِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ نذْكر طرفا من الشّبَه الَّتِي اعْترض من استحوذ عَلَيْهِ الشَّيْطَان وَصَرفه بهَا عَمَّا ظهر من الْبَيَان ليعلم أَن الَّذِي بَعثه على مَا اخْتَار خدعة نَفسه بتسويل عدوه وَذَلِكَ لَا بتقصير من الله فِي نصب الْبُرْهَان وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
فَنَقُول سَوَّلَ الشَّيْطَان لمنكر العيان بِمَا قد يخرج على غير الَّذِي حَسبه
[ ٢٥ ]
المتأمل فِيهِ ليصده عَن عبَادَة الرَّحْمَن المؤوف بَصَره أَو الَّذِي تنازعه نَفسه فِي الْمَنَام أَو الَّذِي يبعد عَنهُ أَو يدق عَن الْإِحَاطَة ثمَّ لم يعْمل عَلَيْهِ كيد الشَّيْطَان فِي الصّرْف عَن الملاذ وكف النَّفس عَن الشَّهَوَات ويوقيه من الْجَوَاهِر المؤذية وصون النَّفس عَن اقتحام النيرَان والبحار وَلَو كَانَ عَن حَقِيقَة جهل ينْطق لَكَانَ لَا بَقَاء لَهُ لما يقتحم المهالك وَيمْتَنع عَن تنَاول الأغذية فَثَبت أَن الَّذِي دَعَا إِلَى مَا يَقُوله حب اللَّذَّات والميل إِلَى الشَّهَوَات مَعَ مَا فِي الَّذِي ذكر من اخْتِلَاف الْأَحْوَال وَتبين الْخلاف دَلِيل كَاف على أَنه قد علم العيان حَيْثُ أخبر عَن الْخلاف لما ذكر من الحسبان وَعِنْدنَا أَن ذَلِك بِمَعْنى العيان إِن المؤوف وَفِي حَال الْمَنَام والبعد والدقة لَا يصل إِلَى حقائق الْأَشْيَاء وَعند الإرتفاع يصل فَذَلِك الَّذِي أوجب من الإختلاف هُوَ حق العيان لم يجز أَن يُنكره وعَلى مثله قَول مثبتي العيان ومنكري الْخَبَر بِمَا قد يظْهر فِيهِ الْكَذِب بعد أَن ينتشر بِهِ القَوْل
ثمَّ قد قيل الْإِخْبَار فِي العيان اللذيذة والجواهر الشهية فِي الإنتفاع مِمَّا لَوْلَا الْإِخْبَار عَمَّا فِيهِ من اللَّذَّة مَا احْتمل عَاقل المخاطرة بِنَفسِهِ من الإمتحان وَكَذَلِكَ اتقاء المضار من غير أَن سبق مِنْهُم الإمتحان فَمَا نالوا إِلَّا بالإخبار وعَلى ذَلِك المكاسب والحيل والحذر وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يرجع مَنَافِع ذَلِك إِلَى أبدانهم ودنياهم وَكَذَلِكَ المضار فَثَبت أَن الَّذِي بعث هَذَا إِلَى التَّكْذِيب مَا فِي القَوْل بِهِ من إِثْبَات الحرمات وكف النَّفس عَن الشَّهَوَات فَيصير السَّبَب الَّذِي بِهِ خدع الشَّيْطَان هَذَا الصِّنْف هُوَ السَّبَب الَّذِي خدع الصِّنْف الأول مَعَ مَا يُوجد ذَلِك فِي العيان من الْوَجْه الَّذِي بَينا وَلم يمْنَع هَؤُلَاءِ القَوْل بِهِ فَمثله فِي الأول لِأَنَّهُ يظْهر الْكَذِب فِي الْإِخْبَار بِمَا اعْترض الْمخبر من الْآفَات الَّتِي تحملهم عَلَيْهِ
[ ٢٦ ]
وَبعد فقد ظهر صدق كثير من الْأَخْبَار فَلم يكن أحد الْوَجْهَيْنِ بِهِ أولى من الآخر إِلَّا بِدَلِيل يُوضح وَالله الْمُوفق
وَقد يُعَامل بالمعاملة الوحشة وَضرب مِمَّا يُؤْذِيه ويؤلمه حَتَّى يضْطَر إِلَى القَوْل بِمَا لَا يحْتَمل مَعْرفَته إِلَّا بالْخبر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وعَلى مثله قَول المقرين بِعلم العيان وَالْخَبَر المنكرين لعلم الإستدلال على عقله لوجوه الْمَنَافِع فِي الدُّنْيَا ولعواقب مأمولة لَيْسَ عِنْده علم من جِهَة العيان وَالْخَبَر وَإِنَّمَا ذَلِك بالإستدلال وَمَا فِي ذَلِك من ظنون الْإِصَابَة وَكَذَا معرفَة صدق الْإِخْبَار وَكذبه مَعَ مَا يُقَال لَهُ فِي كل شَيْء يعلم مِمَّا لَيْسَ فِيهِ علم الْحس بِمَ علمت ذَلِك فَإِن قَالَ بالْخبر يسْأَل عَن معرفَة صدقه وَكذبه وَتدْخل ذَلِك فِي جَمِيع الملاذ والمضار مِمَّا يتقى وَيُؤْتى مَعَ مَا كَانَت الضَّرُورَة تلْزم النّظر بِمَا عاين وَسمع ليعلم منشأ الْعَالم أَو حَدثهُ وَقدمه
وَبعد فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْء يمْنَع الإستدلال لَهُ خبر فِي الْمَنْع أَو عيان فَكَأَنَّهُ بالإستدلال يمْنَع القَوْل بِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَبعد فَإِن معرفَة إِنْسَان أَو نَار أَو شَيْء بِالَّذِي شوهد مرّة لَا يخرج إِلَّا على الإستدلال بِالَّذِي عرف وَلَو لم يدله للزمه أَن لَا يُعَامل أحدا قطّ ثمَّ لَا يقبل تَعْلِيم أحد لِأَنَّهُ لَا دَلِيل عِنْده يعلم أَنه من وَيجوز أَن يُوجد بِخَبَرِهِ أَو لَا ثَبت أَن كل ذَلِك إستدلال وَهُوَ لَازم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه