وَاحْتج مُحَمَّد بن شبيب فِي حدث الْأَجْسَام بِمَا لَا يَخْلُو من سُكُون هُوَ مقَام وحركة هِيَ الظعن وهما محدثان بِمَا يخْتَلف على الْإِثْنَيْنِ الْمَكَان بِمَا تقدم
[ ١٣٧ ]
أَحدهمَا ثَبت أَن قد حدث فِي أَحدهمَا وَلَو سمى ذَلِك مَادَّة فِي أحد الجسمين فَالْقَوْل فِيهَا أَيهَا حدثت وَفِي حُدُوث غير مَا قُلْنَا يعلم بحدوث الزَّوَال وجود الْجِسْم فِي غير مَوضِع ترَاهُ فِي الأول وبهذه الضَّرُورَة الَّتِي أظهرت فِي الْجِسْم من الإنتقال علمنَا الْحَرَكَة الَّتِي لَا تحس إِذْ وجدنَا اخْتِلَاف الْحَال فِي المحسوس وعرفنا باعتماد الشَّيْء فِي الْمَكَان الأول وإنتقاله فِي الْمَكَان الثَّانِي أَن الْمُسَمّى إعتماده فِي الْحَال الأول يصير حَرَكَة ونقلة فِي الْحَالة الثَّانِيَة مِمَّا لَا يُوصف الْحَرَكَة بمناسبة الْجِسْم وَلَا مباينته إِذْ ذَلِك حق الْجِسْم ثمَّ زيد أَحَق من عَمْرو بهَا لِأَن توهم عدم عَمْرو لإنعدامها عَن زيد إِذْ وجد هُوَ فِي غير الْمَكَان الأول
وَأجَاب الْمعَارض لَهُ أَن كَيفَ هِيَ إِذْ هِيَ فعلكم وَلم يعرف كَيْفيَّة فعله قبله فَلم استدللتم على الْحَرَكَة بالمقاييس
قيل إِنَّمَا يعرف أَن كَيفَ التَّقَدُّم والتأخر الَّذِي هُوَ فعلنَا لَا أَن يعرف غيريتها لنا وَإِنَّمَا أَقَمْنَا الدّلَالَة على الغيرية أَلا ترى أَن قوما أَنْكَرُوا الغيرية للجسم على إِثْبَات القَوْل بالتقدم والتأخر ثمَّ إِذْ ثَبت حدث مَا ذكر والجسم لَا يسْبقهُ ثَبت حَدثهُ
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَهَذِه عبارَة لم يزل أهل التَّوْحِيد يعتزون بهَا لكنه أطنب فِيهَا السُّؤَال وَالْجَوَاب فَذكرت ذَلِك على الْإِيمَاء إِلَى مَا ذكر دون الْبسط
ثمَّ عورض بالحركة إِنَّهَا جسم فَقَالَ ذَا لايسأل عَنهُ من يَقُول بقدم الْجِسْم لِأَنَّهَا حدثت بالحس وَقَالَ للإحالة أَن يكون فِي الْمَكَان الأول جسم إِلَّا على التَّدَاخُل وَفِي المداخلة إِيجَاب حَرَكَة أُخْرَى للإنتقال فَيكون غير جسم مَعَ لَو جعلت الثَّانِيَة متداخلة يلْزم تدَاخل الْأَجْسَام بِلَا نِهَايَة وَلَو جَازَ ذَا لجَاز تدَاخل الدُّنْيَا فِي بيضه وَمثله أجَاب فِي التلاقي وَذَلِكَ كُله تَطْوِيل بِلَا نفع وَلَو أنصف لوجد مَا يمنعهُ عَن دَلِيله وَهُوَ قَوْله الْجِسْم فِي أول حَاله لَيْسَ بساكن وَلَا متحرك فأخلاه عَمَّا ذكر وَفِي ذَلِك سبق عَن الَّذِي وصف لَكِن من يَقُول
[ ١٣٨ ]
بقدمه لَا يثبت لَهُ حَال الأولية إِذْ فِي ذَلِك القَوْل بحدثه فَلَزِمَ الَّذِي وصف وَالله الْمُوفق
وَاسْتدلَّ على أَن سُكُون الْجِسْم معنى غير الْجِسْم بِمَا يُقَال هُوَ فِي دَار كَذَا لَو لم يكن سوى الْجِسْم وَالدَّار لَكَانَ لَا يكون فِي غَيرهَا بموجود وَالدَّار تُوجد وَهُوَ لَيْسَ بموصوف بالكون فِيهَا
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَهَذَا أَمر ظَاهر لَا يسْأَله أحد إِذْ سكناهُ يَزُول وَقت تحركه من غير زَوَال الجسمية عَنهُ فَثَبت أَنه غير
ثمَّ أجَاب من قَالَ لَعَلَّ سكونه مَعَه حَيْثُ كَانَ مَعَ مَا قد يذكر مُدَّة سكونه فِي مَكَان بِزِيَادَة ونقصان ثَبت أَن ثمَّة غير السّكُون الأول وَهَذَا مثل الأول لَا يسْأَل عَنهُ وَجَوَابه مَا بَينا وَالله الْمُسْتَعَان
ثمَّ أطنب فِي هَذَا النَّوْع فتركته لما لَا مَنْفَعَة فِيهِ وَفِيمَا قَالَ من دَلِيل غيرية السّكُون وَالْحَرَكَة فِي جَوَاز كَون كل وَاحِد مِنْهُمَا بَدَلا عَن الآخر وأنهما غيران مَا يبطل قَول كثير من الْمُعْتَزلَة فِي قَوْلهم بالإبقاء بِلَا بَقَاء وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ أجَاب من عَارضه بِمَا كَذَلِك كَانَت الْأَجْسَام غير خَالِيَة عَمَّا ذكرت أبدا فَزعم أَنه لَا يجوز لما لَا يثبت للْكُلّ شَرط الْعَدَم إِلَّا بِوُجُود غير هُوَ فِي ذَلِك وَفِي ذَلِك بطلَان الْوُجُود وَاسْتدلَّ بِمَا سبق ذكره من دُخُول الدَّار مَعَ مَا زعم فِي طير من يطير أَن بَينهمَا ذِرَاع من جِهَة وَاحِدَة طيرانا مستويا لم يحْتَمل أَن يَكُونَا كَذَلِك من غير نِهَايَة لأوليتهما إِذْ ارْتِفَاع النِّهَايَة يُوجب الإجتماع بالإستواء وَقد وجد التَّفَاضُل وَاحْتج بِمَا إِذْ ثَبت تضَاد الْأَشْيَاء من الثّقل والخفة والحرارة والبرودة وَنَحْو ذَلِك وَقد ثَبت فَسَاد الشَّيْء من الشَّيْء إِلَى مَا لَا أول لَهُ ثمَّ كَانَ من طبع المتضاد التنافر وَفِي ذَلِك التباعد وبخاصة إِذْ جعل أَصْحَاب هَذَا
[ ١٣٩ ]
القَوْل إثنين متباينين فامتزجا وَكَانَا متضادين لم يجز لَهما الإجتماع بِمَا ذكر مَعَ مَا كَانَ اخْتِلَافهمَا طباعا وَلَو جَازَ خروجهما عَن الطباع الَّذِي ذكرت لجَاز أَن يسخن الْمبرد ويبرد المسخن وَلَو جَازَ ذَلِك لجَاز فناؤهما ليخرجا من طبع الْبَقَاء وَإِذا بَطل ذَا ثَبت قَول أهل التَّوْحِيد فِي مُدبر عليم ألف بَين ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ نقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِن القَوْل بِأَكْثَرَ من وَاحِد لايخلو من أَن كل وَاحِد مِنْهُم يملك إفناء غَيره أَو لَا أَو يملك الْوَاحِد خَاصَّة فَإِن كَانَ الأول أَو الثَّانِي لحقهما عجز مَعَ مَا فِيهِ من الْجَهْل بتدبير الإهلاك بالحيل إِن لم يكن بِالْقُوَّةِ وَإِن قدر الْوَاحِد بَطل غَيره لما لَا يتْركهُ يعاديه فِي ملكه وينازعه فِي ربوبيته وَله قدرَة تصفية الْملك لَهُ
وَبعد فَإِن الْعَاجِز الْجَاهِل أَحَق أَن يكون عبدا مربوبا دون أَن يكون رَبًّا ملكا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَهَذَا يبطل على من يَقُول بالظلمة والنور لما جهل النُّور حَيْثُ وَقع فِي وثاق الآخر والظلمة حَيْثُ منعت عَن عَملهَا وَهُوَ الشَّرّ فِي الآخر وَمَعَ مَا تَفَرَّقت أجزاؤهما وتشتتت أحوالهما حَتَّى عجز كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يظْهر سُلْطَانه ويستولى على مَاله جلّ رَبنَا وَتَعَالَى عَن أَن يكون هَذِه صفته
وَأَيْضًا أَن القَوْل من أَصْحَاب الْإِثْنَيْنِ قَول بنهاية كل وَاحِد مِنْهُمَا من جَانب وارتفاعهما من سَائِر الجوانب فَإِن كَانَ الإرتفاع دَلِيل الْقدَم لزم الْحَدث فِي وَجه الْحَد وَإِن لم يكن لزم الْحَدث فِي الْكل مَعَ مَا إِن لم يقدر النُّور على تَخْلِيص جزؤه المتناهي عَن يَد عدوه بالأجزاء الَّتِي لَا تتناهى وَلَا كَانَت تِلْكَ الْأَجْزَاء قدرت على حفظ ذَلِك الْجُزْء من يَديهَا قبل الْوُقُوع فِي وثاقها أَنى يقدر إِذا أَرَادَ بعد الْوُقُوع فِي وثاق الظلمَة والتخليص من قَيده وعَلى قَول من يَجْعَل الْحَواس كلهَا للنور دون الظلمَة وَالْعلم كُله وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا وصف بِهِ الظلمَة مِمَّا
[ ١٤٠ ]
قَالَه عَلَيْهِ أعمى لَا يبصر عَاجز لَا يقدر ضَعِيف لَا يقوى شَرّ بالطبع لَا بِالْقُوَّةِ فنسأل الله أَن يعصمنا عَن الْعُدُول عَن سَبيله والإبتلاء بشبكة الثنوية فَإِنَّهُ لَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه مَعَ مَا كل اثْنَيْنِ لَا بُد من انْفِرَاد كل بمَكَان إِن كَانَ جسما أَو عرضا فَإِن كَانَ عرضا فمفارقته توجب تلفه وَإِن كَانَ جسما فإمَّا أَن يكون مَكَان كل وَاحِد مِنْهُمَا من جوهره فَلَا يقوم فِي مضادة حَاله كالمائي فِي الْبر والليلي من الْبَصَر بِالنَّهَارِ وَإِن كَانَ من غير جوهره ألف الْخَيْر بِالشَّرِّ وَالشَّر بِالْخَيرِ وَذَلِكَ ينْقض معتمدهم فِي القَوْل بِالْعدَدِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه