فَإِن قيل إِذْ قُلْتُمْ شَيْء لَا كالأشياء لم لَا قُلْتُمْ جسم لَا كالأجسام
[ ٣٩ ]
قيل لَهُ لِأَن السَّبَب الَّذِي ألزمنا القَوْل بالشَّيْء لم يُوجد فِي الْجِسْم لذَلِك لم نقل
وَبعد فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو فِيمَا يُرِيد إلزامنا من القَوْل بالجسمية من أَن يلْزمنَا بقولنَا بالشَّيْء فَوَجَدنَا أَكثر الْأَشْيَاء وَهِي الْأَعْرَاض وَالصِّفَات من غير لُزُوم القَوْل فِيهَا بالجسمية يمْنَع ذَلِك وَإِن كَانَ يُرِيد بقولنَا لَا كالأشياء فَلَيْسَ هُوَ حرف الْإِثْبَات ليدل على مائية الْمُثبت فَلَا وَجه لهَذَا السُّؤَال وَهُوَ كمن يَقُول إِذْ جَازَ أَن يكون شَيْئا لَا كالأشياء لم لَا جَازَ أَن يكون إنْسَانا لَا كالناس
قَالَ الشَّيْخ ﵀ فجواب مثله أَن يُقَال لِأَنَّهُ لَيْسَ بجسم فَيُقَال جسم لَا كالأجسام وَلَيْسَ هَذَا النَّوْع بمعارضة إِنَّمَا هُوَ محاكمة وَنحن لَا نملك إِيجَاد الْإِلَه حَتَّى نقابل بِمثل هَذَا فَيُقَال لنا إِذْ جعلتم ذَا لم لَا جعلتم ذَا بل يتعالى عَن الْجعل على جِهَة بل يُوصف بِمَا هُوَ عَلَيْهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الْمُعَارضَة عِنْد التَّحْصِيل تنَاقض لِأَنَّهُ قَالَ إِذْ قُلْتُمْ شَيْء لَا كالأشياء لم لَا قُلْتُمْ جسم لَا كالأجسام فَإِذا قُلْنَا جسم يصير قَوْلنَا شَيْء لَا كالأشياء هُوَ شَيْء لَا كبعض الْأَشْيَاء إِذْ الْجِسْم أحد قسمي الْأَشْيَاء وَفِي ذَلِك بطلَان القَوْل بجسم لَا كالأجسام وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ معنى قَوْلنَا شَيْء لَا كالأشياء هُوَ إِسْقَاط مائية الْأَشْيَاء وَهِي نَوْعَانِ عين وَهُوَ جسم وَصفَة وَهِي عرض فَيجب بِهِ إِسْقَاط مائية الْأَعْيَان وَهُوَ الْجِسْم وَالصِّفَات وَهِي الْأَعْرَاض فَإِذا أزلنا ذَلِك الْمَعْنى الَّذِي هُوَ جسم من الْأَعْيَان أبطلنا الإسم الَّذِي هُوَ لذَلِك الْمَعْنى كَمَا إِذا أزلنا معنى التَّشْبِيه من الْإِثْبَات وَنفى التعطيل أبطلنا القَوْل بِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٤٠ ]
وَلنَا فِي القَوْل بالشَّيْء عباراتان
إِحْدَاهمَا أَن يَجْعَل الشَّيْء اسْما والموافقة فِي الْأَسْمَاء لَا توجب التشابه لما قد يسْتَعْمل فِي مَوضِع نفى الْمُوَافقَة فِي الْمَعْنى نَحْو أَن يُقَال فلَان وَاحِد عصره وَوَاحِد قومه على نفى أَن يكون لَهُ فيهم نَظِير أَو شَبيه من الْوَجْه الَّذِي أُرِيد وَإِن كَانُوا جَمِيعًا فِي تَسْمِيَة الْوَاحِد شُرَكَاء وَلَو كَانَت الْمُوَافقَة فِي الإسم توجب التشابه لَا يحْتَمل اسْتِعْمَاله فِي مَوضِع إِرَادَة نفى الْمُوَافقَة وَكَذَلِكَ نجد قَول كفر وَإِسْلَام على تَحْقِيق الإسم لكل وَاحِد مِنْهَا والموافقة من حَيْثُ القَوْل وَلَكِن الْمَعْنى متناقض وَكَذَا ذَلِك فِي الحركات وَالْأَفْعَال وَنَحْو ذَلِك
وَدَلِيل إِثْبَات القَوْل بالشَّيْء وَجْهَان
أَحدهمَا السّمع من قَوْله ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ وَلَو لم يكن هُوَ شَيْئا لم ينف عَنهُ شيئية الْأَشْيَاء باسم الشيئية إِذْ الشَّيْء فِي التَّحْقِيق خلاف مَا لَا يحْتَمل القَوْل بالشَّيْء وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿قل أَي شَيْء أكبر شَهَادَة قل الله شَهِيد﴾ فَلَو لم يكن يَقع عَلَيْهِ اسْم الشَّيْء لَكَانَ لَا يحْتَمل تضمنه ذَلِك القَوْل حَتَّى ينْسب إِلَيْهِ
وَأما الْعقل فَهُوَ أَن الشيئية اسْم الْإِثْبَات لَا غير فِي الْعرف إِذْ القَوْل بِلَا شَيْء نفى إِذا لم يرد بِهِ التصغير فَثَبت أَنه اسْم الْإِثْبَات وَنفى التعطيل فَإِن كَانَ قوم لَا يعْرفُونَ أَن معنى الشَّيْء الْإِثْبَات وَالْخُرُوج من التعطيل يتقى عَن ذَلِك بَينهم كَرَاهَة أَن يعْتَقد قُلُوبهم معنى مَكْرُوها وَيَقُولُونَ بالهستية فَإِنَّهُ أوضح فِي معنى الْإِثْبَات وَإِن كَانَا وَاحِدًا عِنْد أهل الْعلم بِهَذَا اللِّسَان
[ ٤١ ]
مَعَ مَا كَانَ القَوْل بِلَا شَيْء يسْتَعْمل فِي نفى الْحَقِيقَة أَو تَصْغِير الثَّابِت فَثَبت أَن القَوْل بالشَّيْء إِنَّمَا هُوَ فِي إِثْبَات الذَّات وتعظيمه وَالله حقيق لذَلِك وَالْقَوْل بِلَا جسم لَا يُوجب وَاحِدًا مِنْهُمَا فَكَذَلِك القَوْل بالجسم لَيْسَ فِيهِ تثبيت وَاحِد مِمَّا يحمد وجوده أَو يعظم لذَلِك اخْتلفَا
وعَلى ذَلِك القَوْل بِلَا عَالم وَلَا قَادر اسْم ينفى العظمة والجلال فَمثله فِي الْعَالم والقادر إِيجَاب الْوَصْف بالعظمة والجلال وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
فَإِنَّهُ فِي الشَّاهِد لَا يفهم من قَول الرجل شَيْء مائية الذَّات وَلَا من قَوْله عَالم وقادر الصّفة وَإِنَّمَا يفهم من الأول الْوُجُود والهستية وَمن الثَّانِي أَنه مَوْصُوف لَا أَن فِيهِ بَيَان مائية الذَّات كَقَوْل الرجل جسم إِنَّه ذكر مائية أَنه ذُو أبعاد أَو ذُو جِهَات أَو مُحْتَمل للنهايات وقابل للأعراض وَكَذَا ذَا فِي الْإِنْسَان وَسَائِر الْأَعْيَان وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَبعد فَإِن القَوْل بِهَذَا كُله وَاجِب بِمَا ثَبت فِي السّمع التَّسْمِيَة بِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ أَبُو مَنْصُور وَالْأَصْل فِي حرف التَّوْحِيد أَن ابتداءه تَشْبِيه وإنتهاءه تَوْحِيد دفعت إِلَى ذَلِك الضَّرُورَة إِذْ بالمدرك الْمَفْهُوم يسْتَدلّ على مَا قصرت الأفهام من إِدْرَاك مَا عَن الأوهام نَحْو مَا يدْرك ثَوَاب الْآخِرَة وعقابها بلذات الدُّنْيَا والأذيات الَّتِي فِيهَا وَكَذَا وصف الله تَعَالَى بالمدرك من خلقه للدلالة والعبارة فَقيل عَالم وقادر وَنَحْو ذَلِك إِذْ فِي الْإِمْسَاك عَن ذَلِك تَعْطِيل وَفِي تَحْقِيق الْمَعْنى الْمَوْجُود فِي خلقه تَشْبِيه فوصل بِهِ لَا كالعلماء وَنَحْوه ليجعل نفى التَّشْبِيه ضمن الْإِثْبَات فَهَذَا فِيمَا ألزمت ضَرُورَة الْعقل القَوْل بِهِ والسمع جَمِيعًا فَأَما مَا لَا سمع فِيهِ وَلَا فِي الْعقل إحتماله فالتسمية بِهِ جرْأَة عَظِيمَة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٤٢ ]
وَجَوَاب آخر أَن الشَّيْء لَيْسَ باسم لِأَن لكل اسْم خاصيه إِذا ذكرت أعلمت مائية الشَّيْء نَحْو أَن يُقَال مَا الْجِسْم فَنَقُول مَا لَهُ أبعاد ثَلَاثَة وَمَا الْإِنْسَان فنذكره حَده الْمَعْرُوف فِي الشَّاهِد من الْحَيّ النَّاطِق الْمَيِّت أَي الْمُحْتَمل لذَلِك وَكَذَلِكَ كل جَوْهَر لَهُ حد يذكر باسم الخاصية لَهُ وعَلى ذَلِك عَالم قَادر لَا يذكر خاصيته بِحرف يحد ذَاته أَو يعلم مائيته إِنَّمَا يذكر ارْتِفَاع الْجفَاء عَنهُ وَتَأْتِي الْأَشْيَاء لَهُ وَلَا تذكر مائية ذَاته فَجَائِز القَوْل بذلك وَلَيْسَ فِي ذَلِك حرف التَّشْبِيه فِي مائية الذَّات فخشي أَن يفهم غيرية الْعلم وَالْقُدْرَة كَمَا هما فِي الشَّاهِد فَقيل لَا كَغَيْرِهِ مِمَّن ذكر ليعلم أَنه بِذَاتِهِ عَالم لَا بِغَيْرِهِ قَادر وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَسُئِلَ وَاحِد عَن معنى الْوَاحِد قَالَ ينْصَرف على أَرْبَعَة كل لَا يحْتَمل التَّضْعِيف وجزء لَا يحْتَمل التنصيف وَالَّذِي بَينهمَا يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ كارتفاعه عَمَّا لَا يتنصف وانحطاطه عَمَّا لَا يتضعف إِذْ لاشيء وَرَاء الْكل وَالرَّابِع هُوَ الَّذِي قَامَ بِهِ الثَّلَاثَة هُوَ وَلَا هُوَ هُوَ أخْفى من هُوَ وَالَّذِي انخرس عَنهُ اللِّسَان وَانْقطع دونه الْبَيَان وانحسرت عَنهُ الأوهام وحارت فِيهِ الأفهام فَذَلِك الله رب الْعَالمين
وَمن أحب أَن يَقُول فِي الله بالجسم على التحقق مِمَّا بَينا من مَعَاني الْأَجْسَام الَّتِي هِيَ مَحل الْأَعْرَاض المحتملة للنهايات وَنَحْو ذَلِك يجب أَن يكلم فِي مَعَاني خلق الْأَجْسَام الْمُشَاهدَة إِن أمكن تثبيته من كل جِهَة من جهاته من حَيْثُ تِلْكَ الْجِهَة فَالْقَوْل بِهِ فِي الله محَال فَاسد لِأَنَّهُ وصف لَهُ بِمَا قَامَ دَلِيل حَدثهُ وَإِن كَانَ لَا يتهيأ إِيجَابه فحقه التَّسْمِيَة وَإِن ثَبت قيل بِهِ وَإِلَّا لَا وَلَا وَقُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٤٣ ]