ب- اهتمام القرآن بهذا الركن وحكمته: ولقد حفل القرآن الكريم بذكر اليوم الآخر، واهتم بتقريره كل موقع، ونبّه إليه في كل مناسبة، وأكد وقوعه بشتى أساليب العربية، ومن أنواع هذا الاهتمام بهذا اليوم العظيم في كتاب الله، أنه كثيرا ما ربط الإيمان به بالإيمان بالله ﷿.
[ ٧٩ ]
ومثاله في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٣٢] (١) - ومن أنواعه أيضا، إكثار القرآن من ذكر اليوم الآخر، حتى إنك لا تكاد تمر على صحيفة من صحائف القرآن إلا وتجد فيها حديثَاَ عن اليوم الآخر، وما سيكون فيه من الأحداث والأحوال، وبأساليب كثيرة ومتنوعة.
- ومن أنواع هذا الاهتمام أن الله قد سمي هذا اليوم بأسماء كثيرة ومتعددة؛ التي تدل على تحقق وقوع هذا اليوم، مثل: الحاقة، والواقعة، والقيامة.
وبعض هذه الأسماء يدل على ما سيقع فيه من الأهوال مثل الغاشية والطامة والصاخَّة والقارعة.
ومن أسماء اليوم الآخر في القرآن: يوم الدين، ويوم الحساب، ويوم الجمعة، ويوم الخلود، ويوم الخروج، ويوم الحسرة، ويوم التناد.
- وأما حكمة ذلك الاهتمام البالغ بهذا الركن فمنها: أن
_________________
(١) سورة البقرة آية: ٢٣٢. .
[ ٨٠ ]
الإيمان باليوم الآخر له أشد الأثر في توجيه الإنسان وانضباطه والتزامه بالعمل الصالح وتقوى الله ﷿.
ويشير إلى هذه الحكمة أسلوب القرآن في الربط بين الإيمان باليوم الآخر والعمل الصالح في كثير من الأحيان، من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] (١) ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢] (٢) .
ولعل من حكمة الاهتمام البالغ بالتذكير باليوم الآخر؛ كثرة نسيان البشر له، وغفلتهم عنه، بسبب تثاقلهم إلى الأرض، وحبهم لمتاع الدنيا، فيكون الإيمان به وبما فيه من عذاب ونعيم مخفِّفا من الغلو في حبّ الدنيا، ودافعا إلى التنافس في فعل الطاعات، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨] (٣)
_________________
(١) سورة التوبة آية: ١٨.
(٢) سورة الأنعام آية: ٩٢.
(٣) سورة التوبة آية: ٣٨. .
[ ٨١ ]
إنه لا شيء يرفع الإنسان من ثقلة الأرض - بعد الإيمان بالله - إلا الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بأن كل متاع زائد يتنازل عنه الإنسان في الحياة الدنيا - طاعةً لله والتزاما بأمره - يعوض عنه في الآخرة متاعا أعلى وأخلد وأبقى، والإيمان في ذات الوقت بأن كل خروج على أمر الله في الحياة الدنيا من أجل متاع الأرض الزائل - سيجازى عليه في الآخرة عذابا أليما.
وحين يؤمن الإنسان باليوم الآخر، فإنه سيوقن بأن كل نعيم في الدنيا لا يقاس إلى نعيم الآخرة، ولا يساوي من جهة أخرى غمسة واحدة من أجله في العذاب، وكل عذاب في الدنيا - في سبيل الله - لا يقاس إلى عذاب الآخرة، ولا يوازي من جهة أخرى غمسة واحدة من أجله في النعيم.